[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

 

الحركات الاجتماعية في تونس : البحث عن الغائب

 

محسن مرزوق

تونس.

1. تقديم

1.1. تحويم حول مفهوم الحركة الاجتماعية:

إن أهم ما يمكن التركيز عليه في تعريف الحركات الاجتماعية أنها حالة جماعة لها وعي بذاتها داخل محيطها و تتحرك من أجل إنجاز تغيير في نطاق هذا الوعي بما يفترض تنظيما و قيادة و يؤدي إلى صراعات اجتماعية و ثقافية و سياسية و اقتصادية متشابكة.

الحركات الاجتماعية باعتبارها تجسيدا للوعي التاريخي[1]  هي الحركات التي يحقق من خلالها الكائن الاجتماعي سيطرته على محيطه و يصنع التاريخ.

إنها مجال إبداع للعقل الاجتماعي يفكك و يعيد تشكيل المؤسسات و النماذج و العلاقات الاجتماعية و هي بذلك حركة تجاوز الأشكال و فعل معارضة بما يجعلها محركا للتغيير الاجتماعي.

و  يمكن  التنظيم من تجسيد توجه حركة اجتماعية في اتجاه تحقيق أهدافها. و يتحقق تنظيم الحركة الاجتماعية بتوفر 3 عناصر: أولا  توفر قيادة و ثانيا حصول تمييز بين قادة و قاعدة و ثالثا تعبئة موارد رمزية و مادية[2].

و تزدهر الحركات الاجتماعية في أوقات الأزمات الاجتماعية بحيث تظهر كمساهمة في حل الأزمة اعتمادا على نسق قيمي مرجعي وقواعد   يعطي المشروعية للحركة الاجتماعية الناهضة و ينزعها عن النظام القائم.

و تعبر ديناميكية الحركات الاجتماعية عن زمنين مختلفين و مترابطين. فمن جهة تعالج راهنية نسق المؤسسات و العلاقات و الحركات الاجتماعية في ظروفها المحددة. و من جهة ثانية فإنها تندمج بهذا الفعل في سلسلة سببية تطلقها في هدف تاريخي قد لا تراه عيون الفاعلين أنفسهم.

هذا التحديد السريع يمكن الباحث من التمييز في حقل العمل الاجتماعي بين أشكال التمرد العفوي و التنظم القطاعي الخامل مثلا و الحركات الاجتماعية. فلا يكفي أن يهب الناس للشارع لنتحدث عن حركة اجتماعية إذ نفتقد  في هذه الحالة النظم و الوعي. و لايكفي أن نلاحظ وجود تنظيمات لنقر بوجود حركة اجتماعية فلا بد أن يقترن التنظيم بالوعي بدور و مصلحة في إنجاز تغيير أوسع من نطاق التنظيم ذاته و العمل الفعلي في اتجاه تحقيق هذا التغيير.

فكيف تتبدّى حدود و طبيعة الفعل الاجتماعي المنظم في تونس الجديدة في إطار هذا الفهم للحركات الاجتماعية؟

 

2.1. ملاحظات حول موضوع الدراسة

كان يمكن أن يكون البحث في تاريخ الحركات الاجتماعية في تونس أيسر من الحديث عن حاضر لها. فتحليل اللحظة الآنية للعمل الاجتماعي المستقل عن السلطة قد تكون حصيلته في أكثر الحالات تفاؤلا الاقرار بغياب أو سبات الحركات الاجتماعية "التونسية" و هي حسب رأيي تنحصر في الحركة النقابية و بشكل أقل في الحركة الطلابية.

و يتزامن هذا السبات الشتوي الطويل مع ازدهار الحركة المناهضة للعولمة على المستوى الدوليّ. بحيث يظن المعايش للتجربة في تونس أن هذه الأخيرة بفئاتها الاجتماعية الفقيرة و الوسطى خاصة غير معنية بآثار نظام اقتصادي و اجتماعي سياسي دولي ستكون من ضحايا سوقه النهمة كما باقي شعوب الكون المستضعفة الأخرى.

لهذا السبب قد تكون الإشكالية الأصلح لدراسة الحركات الاجتماعية في تونس تتعلق بغياب هذه الحركات أو سباتها. و يصبح التمشّي الطبيعي للبحث دراسة حالاتها و هي تمر من النشوء إلى لحظة الذروة فإلى وضع القرفصاء الحالي الذي يعطي الانطباع بأن لاشيء يحدث هنا.

و لا نريد استباق العرض التاريخي لهذه الحالات بتقديم فرضيات عن أسبابها فسنترك ذلك إلى خاتمة هذا المقال فتحا لأبواب عمل بحثي أعمق مستقبلا.

و سيقتصر البحث على ثلاثة نماذج من مساحات فعل التغيير الاجتماعي الذي تنشأ و تتحرك الحركات الاجتماعية ضمنه:

-  العمل النقابي العمالي: و فيه نقدم لأهم حركة اجتماعية عرفتها تونس كان تأثيرها في لحظات أزمة التغيير الاجتماعي هاما و ملموسا خلال حركة التحرر الوطنيّ و أثناء بناء الدولة الجديدة ثم معارضة السلطة و العمل من أجل البديل.

-  العمل الطلابي: و فيه نقدم للحركة الطلابية التي دفعت بإسهاماتها الرئيسية خاصة في مرحلة تنامي المعارضة للحكم البورقيبي خلال السبعينات و الثمانينات

-  العمل النسائي و فيه نقدم نموذجا لمفارقة ذات دلالات. ففي بلد تحسد المنظمات النسوية العربية نساءه على على ما ينعمن به من تشريعات لصالحهن نلاحظ أنه لا وجود لحركة اجتماعية نسائية( بما للمفهوم من معنى) فرضت تاريخيا وجودهذا الواقع القانوني أو على أهبة و قدرة حاليا للدفاع عنه.

و لتقديم هذه النماذج سنعتمد على مقاربة تأخذ بعين الاعتبار أربعة مراحل تاريخية ذات دلالة:

-    مرحلة التحرر الوطني و خاصة خلال أربعينات القرن الماضي

-  مرحلة تأسيس الدولة الجديدة " الوطنية" و التي امتدت من سنة 1956 سنة الاستقلال إلى أواخر الستينات مع فشل تجربة التعاضد "الاشتراكية" و  سجن عقلها المدبر
و المنفذ أحمد بن صالح.

-    مرحلة العمل من أجل التغيير و التي شهدتها بالأساس فترة السبعينات و أوائل الثمانينات

-    مرحلة الوفاق الوطني الجديد الذي أعاد تعريف دور بعض هذه الحركات أو شهد تهميشها و تفتيتها.

و في الختام سنحاول استخلاص بعض الاستنتاجات من هذا العرض بما يضعنا أمام تساؤل: هل سنشاهد ميلاد حركة اجتماعية مضادة للعولمة في تونس.

 

 

 

 

2. الحركة النقابية في تونس:

1.2. في إطار الحركة الوطنية:

ولدت الحركة النقابية التونسية في رحم الحركة الوطنية أي بدوافع سياسية لا تتناقض مع تعبيرها عن مطلبية مادية للطبقة العمالية التونسية الناشئة فهذه المطلبية هي نفسها تتولد من واقع الاضطهاد الاقتصادي الاستعماري.

ففي ظل الاستعمار الفرنسي و حيفه الاقتصادي و الاجتماعي تأسست جامعة عموم العملة أول نقابة تونسية في 3 ديسمبر 1924 و كانت مفتوحة للشغالين التونسيين المسلميين و اليهود
و الأوروبيين و قد لعب محمد علي الحامي الدور الأبرز في تأسييسها. و تعتبر جامعة عموم العملة أول محاولة لبعث نقابة تونسية مستقلة في ظرف كانت المنظمة النقابية الوحيدة المعترف بها هي س-ج-ت الفرنسية.

و استطاعت جامعة عموم العملة في وقت ضيق أن تبعث فروعا لها في مدن صفاقس و المتلوي و تونس و غيرها كما أشرفت على تنظيم إضرابات محدودة من بينها إضراب عمال شركة الجيرو الإسمنت في حمام الأنف (ضاحية تونس الجنوبية) يوم 19 جانفي1925.

و قد أجمعت  القوى الاستعمارية على خطورة عمل هذه الجامعة فتقرر حلها يوم 5 فيفري 1925 و تقرر إيقاف محمد علي الحامي و زميله المختار العياري و فندوري ممثل الحزب الشيوعي لاتهام الجميع بالتخريب الشيوعي.[3] و نفي محمد علي الحامي خارج تونس حيث وافته المنية في حادث طريق.

و تطلب الأمر الانتظار 20 سنة أخرى لنشهد انبعاث الحركة النقابية التونسية من رمادها. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية سمحت السلطة الفرنسية ببعث نقابات  تونسية قطاعية و قام الشهيد فرحات حشاد[4] بتوحيدها في 20 جانفي 1946 في منظمة واحدة تدعى الاتحاد العام التونسي للشغل.

و رغم المقاومة الاستعمارية العنيفة صمد الاتحاد العام التونسي للشغل و كان سندا قويا للحزب الحر الدستوري التونسي و المنظمات الوطنية التي كانت جميعها جبهة واحدة لمقاومة الاحتلال و تحرير البلاد التونسية من الاستعمار الفرنسي.

و قد قاد الاتحاد العام التونسي للشغل أول أهم معاركه بإضراب 5 أوت 1947 بمدينة صفاقس الذي حاول الجيش الفرنسي إخماده بالقوة مما أدى إلى استشهاد 34 عاملا و إلقاء القبض على ثلاثمائة آخرين. و رغم القمع استطاع الاتحاد و منخرطوه الصمود بما أهل المنظمة النقابية الوليدة أن تصبح  الممثل الوحيد للعمال و أن تحقق لهم بعض المكاسب المادية. فقد بلغ عدد النقابيين سنة 1950 100 ألف مشترك و كان عددهم سنة 1946 20 ألفا فقط.

و قد شارك الاتحاد و زعيمه فرحات حشاد في الحركة الوطنية مشاركة فعالة بل أصبح فرحات حشاد إثر اعتقال الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة في 18 جانفي 1952 قائد الثورة التونسية سرا و علنا و اعتمد على علاقاته الدولية الواسعة باعتباره الأمين العام للجامعة العالمية للنقابات الحرة للنقابات الحرة و خاصة مع النقابات الأمريكية لحشد دعم أممي للقضية التونسية.

و كان هذا البروز دافعا للقوى الاستعمارية كي تقرر الخلاص منه فقامت المنظمة الفرنسية الإرهابية المعروفة باسم " اليد الحمراء" باغتياله يوم 5 ديسمبر 1952.

و إضافة للمشاركة في العمل الوطني، بدأت الحركة النقابية التونسية تتلمس أولى معالم طريق بلورة برنامج اجتماعي و اقتصادي يعبر عن مصالح الشغيلة.  فقد تبنى آخر مؤتمر للاتحاد العام التونسي للشغل حضره فرحات حشاد (المؤتمر الرابع-مارس 1951)  برنامجا سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا اعتبر التحرر الوطني أداة للتحرر الاجتماعي. و هو برنامج تم اعتباره أساس برنامج اشتراكية ديمقراطية تونسية[5].

كتب حشاد في هذا  الإطار: " إن الحركة النقابية في تونس لا يمكن أن تكون مادية صرفة لأن مطالب العمال تندرج في إطار مشكل أكبر و أعظم هو أولا الحرية لا يمكن أن تستمر بدون النهضة أو النهوض بالواقع قدر المستطاع"

كما سجل مؤتمر الحزب الحر الدستوري الجديد الذي انعقد في صفاقس 1955 محاولة ثانية فلقد استثمر القادة النقابيون مساندتهم للحبيب بورقيبة في صراعه مع الأمين العام صالح بن يوسف[6] "ليفرضوا" على المؤتمر برنامجا اجتماعيا كان ينقص الحزب الوطني و يعبر بشكل عام عن مصالح الطبقة الشغيلة.

أما المحاولة الثالثة فقد حصلت في المؤتمر السادس للاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1956 حيث تم اعتماد برنامج استند عليه فيما بعد السيد أحمد بن صالح لتخطيط تجربته الاشتراكية الشهيرة في الستينات[7].

مرحلة تأسيس الدولة

بعد الاستقلال استطاع بورقيبة المنتصر على غريمه صالح بن يوسف أن يبسط هيمنة شخصية مطلقة على الحزب الحر الدستوري و على الاتحاد العام التونسي للشغل حيث استفاد من الصراعات بين أجنحة المنظمة النقابية و خاصة بين جناح الموظفين و جناح العمال. فنصب نفسه حكما في مرحلة أولى ثم استطاع إزاحة القادة التاريخيين للمنظمة لينصب البشير بلاغة الذي كان محافظا واضطر أحمد التليلي النقابي التاريخي بعد أن بعث رسالة شهيرة للرئيس بورقيبة يعارض من خلالها الانزلاق الديكتاتوري للنظام التونسي.

و رغم أن أحمد بن صالح لم يبق أمينا عاما للاتحاد العام التونسي للشغل إلا وقتا قصيرا إذ تم عزله بتدخل سافر من الحبيب بورقيبة فإن تحوله ليصير الرجل القوي في الحكومة بإمساكه لعدة وزارات اقتصادية نفذ من خلالها برنامجه التعاضدي الاشتراكي الشهير، شكل عودة للبرامج الاقتصادية و الاجتماعية التي وضعت في إطار الحركة النقابية التونسية.

بعد قرابة ثلاثين سنة من تلك التجربة تحدث صالح بن يوسف عن رؤيته لدور الحركة النقابية في تغيير المجتمع:" ...إن الحريات لا تبنى على البؤس و القهر و الفوارق الفاحشة و ليس هناك أي تنظيم هيكلي في المجتمع أحق و أقدر على تغيير ذلك الواقع المستحكم غير الحركة العمالية في أعماقها الشعبية و في أبعادها الوطنية الشاملة و امتدادها في المحيط و الإقليم. و هذا المفهوم يتباين حينئذ مع المفهوم الضيق لكون الحركة العمالية حركة مهنية بالمعنى القاصر أو الجاف للعبارة دون أن يعني ذلك ألا تكون للإنسان مطالب حياتية و حاجات يومية حيوية.

إنما ينبغي أن تتنزل في صميم رؤية واسعة تتجاوز الذات و لكن لا تلغيها أو تعزلها......فمن أبرز الأحلام التي راودتني و راودت الكثير من أبنء جيلي تغيير التركيبة الاجتماعية عندنا فما أشد ما كنا عليه من التوق إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع و ما أعنف ما كان يعصف بنا من الشوق إلى أن نمسك بالوسائل النافذة ... من القدرة على عجن المجتمع ثم نحته من جديد... "[8].

إلا أن هذه الرؤيا الهامة لم تمنع أحمد بن صالح و هو بمنصب الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل أن يدافع عن "دمج النقابة" بالحزب الحاكم. إذ اقترح "  المؤتمر السادس للاتحاد أن ينصهر بطم طميمه في بوتقة الحزب بما أنتجه من تاريخ و تراكمات و مضامين فكرية و منهجية و علاقات إقليمية و كونية"[9].

و يبدو أن كافة الفاعلين السياسيين التونسيين وقتها و على رأسهم بورقيبة لم يروا في هذه الفكرة سوى السعي للهيمنة على الحزب فأجهضوها. ذلك أن دائرة الصراع الحقيقة كانت دائما السلطة السياسية و كرسي السلطان. فبورقيبة نفسه سيمهد فيما بعد للسيطرة على المنظمة الشغيلة و لكن بأسلوبه الخاص و لخدمة سلطانه.

 

2.2.مرحلة المعارضة: الفرصة الأخرى الضائعة:

لقد أدت الهيمنة المطلقة التي بسطها بورقيبة على الحزب و الدولة و النقابة و باقي المنظمات الجماهيرية إلى مفارقة فالهيمنة التي أدمجت كل هذه المكونات في بناء "الوحدة الوطنية" أدمجتها داخل اللعبة السياسية و جعلتها معنية بتناقضات النظام السياسي بل وفاعلة فيها.

هكذا صار الصراع من أجل خلافة بورقيبة مجالا أيضا لنشاط قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل و خاصة الحبيب عاشور الزعيم النقابي التاريخي.

و في هذا الإطار من الصراعات السياسية الضيقة من أجل خلافة الرئيس المريض لم يتوان الحبيب عاشور عن مساندة الشق المحافظ في الحزب الدستوري ضد الشق الذي كان ينادي بدمقرطة الحياة السياسية. و هو شق استطاع الانتصار في المؤتمر الثــــامن للحزب ( أكتوبر 1971). انتصار رفضه بورقيبة الذي أطرد أحمد  المستيري زعيم   المجموعة الليبيرالية من الحزب قائلا: إن ما يفعله مؤتمر يلغيه مؤتمر آخر".

و سيواصل ضيق الأفق السياسي عرقلة الحركة العمالية عن لعب دور هام  في إصلاح النظام السياسي التونسي  في اتجاه مزيد من الديمقراطية رغم تنامي قوة الحركة النقابية التونسية ففي وسط السبعينات صار الاتحاد العام التونسي للشغل  فضاء جمع أهم قوى المعارضة و التجديد. و قد تزامن ذلك مع التغيرات الجوهرية التي شهدتها الطبقة الشغيلة الشابة. فبينما كان عدد المخرطين في النقابة لا يتجاوز 40.000 منخرطا سنة 1970 بلغ هذا العدد ما يقارب 600.000 منخرطا في ظرف 7 سنوات فقط (كريم 1997) تدنت نسبة الأمية بينهم إلى 20 بالمائة فقط. و كان أغلبهم لم يشهد زمن الحركة الوطنية مما يجعلهم أقل تأثرا من أسلافهم بالخطاب البورقيبي الذي يقوم أساسا على المشروعية التاريخية.

لقد أصبح الاتحاد العام التونسي للشغل في تلك الفترة أقوى منظمة جماهيرية على الإطلاق لها فروع في كل المدن التونسية و لم يعد من الممكن تصور مستقبل سياسي منظور للسلطة دون مشاركته الفعالة بأي شكل من الأشكال.

و لم يكن الحبيب عاشور رئيس ا-ع-ت-ش يخفي ابتهاجه بالتحولات التي كانت تحصل في المنظمة النقابية و لكنه لم يكن يرى فيها سوى ما قد يخدم جانبه في صراعه مع أطراف السلطة  الآخرين من أجل الخلافة. حيث كان الظرف السياسي يتميز بفشل البرنامج الاقتصادي الحكومي و احتدام الصراع بين مختلف مكونات السلطة من جهة و تجند المعارضة السياسية التي كانت تنشط في الجامعة بين الطلاب بوجه خاص للمطالبة بالتغيير من جهة أخرى.

كانت أي قراءة موضوعية للواقع السياسي و الاجتماعي التونسي آنذاك ستصل إلى نتيجة مفادها أن فرصة هامة  قد توفرت لإجراء تغيير هام يستفيد من واقع الأزمة المستفحل و تستطيع فيه الحركة النقابية أن تلعب دورا هاما من أجل فرض برنامج اجتماعي يعبر عم مصالح الطبقات الكادحة و يترافق مع تغييرات سياسية نوعية من أجل دمقرطة أجهزة الدولة.

و كانت الطبقات الشغيلة مستعدة فعلا للمعركة ضد القوى المحافظة التي كان يمثلها الهادي نويرة الوزير الأول حينئذ و محمد الصياح مدير الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم
و الرئيس بورقيبة طبعا الذي كان يريد بالأساس المحافظة على احتكار أبناء بلدته ( المنستير ) على السلطة.

فبينما لم يتجاوز عدد الإضرابات العمالية 150 سنة 1972 بلغت 372 إضرابا سنة 1976  و 452 إضرابا سنة 1977.

و يبدو أن القوى المحافظة المذكورة كانت الوحيدة التي قامت بقراءة موضوعية "سليمة" للواقع السياسي آنذاك فاختارت أن تدفع الاتحاد العام التونسي للشغل نحو مواجهة اختارت هي قانون لعبتها. فبعد اتهام قيادة الاتحاد بالإعداد لمؤامرة للإنقضاض على الحكم لصالح دولة أجنبية (ليبيا) قامت بعسكرة أجهزة السلطة بأن أطردت منها ذوي الرأي المختلف عنها و على رأسهم الطاهر بلخوجة وزير الداخلية و بدأت بالتحرش بقيادات المنظمة النقابية و إيقاف بعضها و بلغ الأمر إلى التهديد بقتل الحبيب عاشور بنفسه.

و في أجواء مشحونة و متوترة أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابا عاما إنذاريا بيوم واحد (26 جانفي 1978) احتجاجا على ما يحاك ضدّه.

و كانت القوى المحافظة مستعدة لاستغلال الإضراب و إغراقه في ممارسات عنف بالغ وقع تحميل مسؤوليته للقيادة النقابية. إذ أطلقت مئات من أعضاء الميليشيات الحزبية في شوارع العاصمة يحرقون و ينهبون و يشجعون فقراء الأحياء الشعبية المعدمين على تحطيم واجهات المحلات و المغازات و الإدارات العمومية مما خلق حالة من الفوضى الشديدة بينما لم تتدخل الشرطة بشكل حازم لمنع ذلك. فتم استدعاء الجيش و وقعت مجزرة سقط خلالها أكثر من 100 ضحية.

و أعقب ذلك اعتقال القيادات النقابية و تنصيب أخرى محلها. هذا و قد تزامن الاستيلاء على الاتحاد العام التونسي للشغل مع عملية قمع شاملة للحركة الديمقراطية الوليدة بتونس ليستقر الأمر للقوى المحافظة في السلطة و يعمّق من أزمة التغيير في المجتمع بشكل مهّد لصعود قوى الإسلام السياسيّ فيما بعد.

و رغم عنف الضربة استطاعت قواعد الاتحاد العام التونسي للشغل الصمود فحاصرت القيادة المنصبة و نجحت في فرض إطلاق سراح المساجين و عودة الحبيب عاشور إلى رئاسة المنظمة. و لم يكد النقابيون يهنئون بهذا النصر حتى قاد الوزير الأول الجديد هجوما كاسحا عليهم خلال سنة 1985 و بداية سنة 1986 ليعيد تنصيب قيادة موالية للسلطة عليهم.

و لئن تشابهت الظروف ظاهريا بين أزمة جانفي 1978 و أزمة جانفي 1986 فإن دوافع الفاعلين كانت مختلفة. الأزمة الأولى كانت سياسية بالدرجة الأولى و الثانية اقتصادية حيث ارتفع حجم التداين و بلغت البلاد حد الإفلاس. و لكن القاسم المشترك بين الأزمتين كان الضحية: الحركة النقابية التونسية التي دفعت ثمن فشل السلطة سياسيا و اقتصاديا.

 

3.2. مرحلة الوفاق، الوضعية الراهنة

لقد أدت الضربات العنيفة الموجهة الحركة النقابية في غياب قيادة تمثل فعلا مصالح الشغالين
و تحمل رؤيا سياسية و اجتماعية شاملة تتماهى بها مع حركة التاريخ الاجتماعي و السياسي إلى إضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل و إخراجه من دائرة الصراع الفعلي حيث قد يصنع التغيير.

و حين حصل تغير السابع من نوفمبر 1987  كانت الساحة الوطنية و الدولية قد شهدت متغيرات سارعت بجعله يستكين لدور " نقابة المشاركة" من خلال اندماجه  في بوتقة  إعادة بناء مفهوم الوحدة الوطنية التي قام عليها أساس الدولة التونسية الحديثة من جهة و حصر العمل النقابي في الجانب المطلبي الذي لا يخرج عن إطار " حدود الإمكانات الوطنية المتاحة
و " الحوار البناء".

على المستوى العالمي : يمكن اعتبار الضربة التاريخية التي وجهت لخطاب و روح و مثل
و قوى اليسار بسقوط الاتحاد السوفييتي عاملا هاما في تبرير حصر العمل النقابي في الجانب المطلبي المحض من طرف القادة النقابيين الجدد و السلطة. "فلقد انتهى عصر الأيديولوجيات

و صار الزمن محكوما بأولوية العمل من أجل تحقيق النمو الاقتصادي في ظروف عولمة   تفرض على البلدان السائرة في طريق النمو تكاتف  قوة العمل مع رأس المال لبلوغ أهداف يفرضها واقع السوق العالمي. و إذا كان واجبا على العمال أن يشمروا على سواعد الجد في مواقع الانتاج فإن على أرباب العمل أن يقتسموا معهم  شيئا من عوائد النمو  و ذلك باعتماد الحوار البناء الذي تقوم السلطة بالتحكيم فيه بين الشركاء الاجتماعيين[10].

و مقابل هيمنة هذا الخطاب انحسر مد الخطاب اليساري ذو البعد الطبقي و الذي كان سائدا خلال السبعينات و النصف الثاني من الثمانينات و الذي كان يطمح إلى مساعدة الطبقة العاملة على الوعي بذاتها و حركتها.

على المستوى الوطني : خلق تغير السابع من نوفمبر 1987 واقعا سياسيا جديدا اتسم بتجديد طاقات الدولة و إزاحة الطبقة  السياسية التي ميزت المرحلة البورقيبية و تعويضها بطبقة جديدة ذات بعد تكنوقراطي و طموحات سياسية ضيقة لا تطمح للمشاركة في أي شكل من أشكال التداول على السلطة كسابقاتها.

و لقد كانت القيادة النقابية الجديدة التي تزعمها إسماعيل السحباني[11] أمين عام اتحاد الشغل الجديد ضمن إفرازات العهد الجديد و مستفيدة منه و مدينة له. و قد عملت طيلة التسعينات في إطار ثوابت الوفاق الوطني و كأحد أسس النظام دون المشاركة في أطره القيادية كما كان الأمر مع الحبيب عاشور و من سبقه.

و هكذا شاركت المركزية النقابية بنشاط إلى جانب السلطة في معاركها السياسية فدافعت بشراسة في صراعها مع الإسلاميين و اعتبرت رئيس الدولة مرشحها في الانتخابات الرئاسية.

و لولا أحداث التاريخ السابقة لكان أي ملاحظ للحياة النقابية التونسية الحالية يشك فعلا أنها كانت حركة اجتماعية بارزة ساهمت بشكل فعال و جوهري في أهم المحطات التاريخية لتونس أثناء حركة التحرر الوطني و تأسيس الدولة ثم بناء نظامها السياسي من جديد و تحديد مضمون سياسته الاجتماعية.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى سيظل الوضع على ما هو عليه و آثار العولمة الاقتصادية السلبية قد بدأت بعد في الظهور بينما يرى الاقتصاديون أن القادم أسوأ؟ هل ستبعث الحركة النقابية من رمادها؟ و إذا حصل ذلك فبأي شكل و أي مضمون؟

 

3. الحركة الطلابية[12] :

1.3. الطلاب التونسيون و الحركة الوطنية:

لم تكن تونس تمتلك مؤسّسات  جامعية خلال الاستعمار باستثناء الجامعة الزيتونية التي كانت تقدم بالأساس تعليما دينيا تقليديا وتكوينا في اللغة العربية.

و لقد شارك الطلبة الزيتونيون بنشاط في الحركة الوطنية و أسسّوا منظمة تمثلهم و تعبر عنهم هي " صوت الطالب الزيتوني" و التي كانت إلى جانب عملها الوطني تطالب بتطوير التعليم الزيتوني و تطويره.

و من جهة أخرى فقد أدى اتساع قاعدة الطلبة التونسيين الدارسين بالخارج في فرنسا و الشرق خاصة، وفي إطار أوسع من الجامعة الزيتونية، إلى  ظهور الحاجة لتأسيس الاتحاد العام لطلبة تونس سنة 1952.

و قد كان هذا الاتحاد الفضاء الأساسي لتكوين نخبة النظام الجديد في تونس و تشكيل معدن النخبة التي ستحكم البلاد و تؤسس الإدارة. و هي نخبة فرنكفونية اللغة و التفكير في مجملها.

و رغم كونه مرتبطا  بالحزب الدستوري  فقد كان الاتحاد العام لطلبة تونس و بحكم تأثره بمحيط نشأته في فرنسا – حيث كانت الهيمنة لليسار على الحركة الطلابية- أو في الشرق العربي حيث كانت تهيمن الأفكار القومية، مجالا أيضا لظهور أفكار نقدية تعارضت مع الأفكار المحافظة لقيادة الحزب الدستوري خاصة في مسائل طبيعة النظام في تونس بعد الاستقلال
و طبيعته الاجتماعية و الاقتصادية.

 

2.3.الاتحاد العام لطلبة تونس بعد الاستقلال تحت هيمنة السلطة:

مع بداية الاستقلال توضحت رغبة السلطة الجديدة و بورقيبة بشكل خاص في الهيمنة على الطلبة  و منظمتهم. و تعطينا شهادة أحد المسؤولين السابقين[13] صورة حية عن الخطوات الأولى لمسعى الاستيعاب و الهيمنة:

 " يوم 8 جويلية 1957 كان بورقيبة يصعد بنشاط السلم المؤدي الطابق الرابع حيث مقر الاتحاد العام لطلبة تونس في. كانت البناية بدون مصعد. في صباح ذلك اليوم فقط أعلمنا برغبته في القدوم "لتدشين" مقرنا الجديد رغم أننا كنا نعمل فيه منذ أشهر طويلة. 

و المضحك أننا انتقلنا لهذا المقر الجديد بعد طردنا بأمر من الحبيب بورقيبة نفسه من مقرنا السابق...لأننا تجرأنا و زرنا السيد أحمد بن صالح الأمين العام المعزول للاتحاد العام التونسي للشغل....

و كان بورقيبة قد تهجم في السنة السابقة على الاتحاد العام لطلبة تونس في خطاب له يوم 27 ديسمبر 1956 في ضاحية الملاسين الشعبية بتونس العاصمة حيث تعرض لانتقادات المنظمة الطلابية للتوجهات الليبيرالية الاقتصادية الحكومية التي لاحظها في لوائحها العامة.

...جلس بورقيبة على مقعد الأمين العام مظهرا تجاهنا مشاعر حب و تقدير عظيمة.

ثم رافقنا مترجلا، و كان وقتها رئيس الحكومة، إلى مسرح البالماريوم حيث كان الاتحاد العام لطلبة تونس يفتتح " أسبوع الطالب"...و أخذ الكلمة ملقيا خطابا طويلا ليذكرنا بواجباتنا الوطنية...كان واضحا أن بورقيبة يريد استيعاب المنظمة الطلابية".

كانت هذه هي الخطوات الأولى المحتشمة لمسعى الهيمنة التامة على المنظمة و التي ستتحقق بعد سنوات قليلة.

غير أن الهيمنة على المنظمة الطلابية كمؤسسة لم تمتد بشكل فعال إلى الطلبة أنفسهم خاصة أولئك الذين كانوا يدرسون في فرنسا و دول الشرق العربي حيث تأثر عدد كبير منهم بالأطروحات القومية و اليسارية بما مهد لظهور تيارين طلابيين: قومي بعثي و اشتراكي يساري.

و قد أدت مواقف بورقيبة القريبة من الغرب  في مجال السياسة الخارجية إلى تصاعد معارضة هذين التيارين ضده. حيث ساند أمريكا في حربها ضد فيتنام من جهة و دخل في مواجهة مع جمال عبد الناصر بعد أن دعى الفلسطينيين إلى قبول قرار فلسطين محذرا إياهم من خطورة الديماغوجيا القومية.

و قد التقي غضب القوميين و اليساريين داخل الاتحاد العام لطلبة تونس مع غضب الجناح الليبيرالي داخل الحزب الدستوري و الذي تم قمعه سنة 1971 لينتج أغلبية معارضة ستعبر عن نفسها بوضوح خلال المؤتمر الثامن عشر للاتحاد العام لطلبة تونس.

و تزامن الغضب السياسي مع فشل الحكومة الاقتصادي الذي خلق صعوبات أمام استيعاب الخريجين من الجامعة في الوظائف الحكومية.

3.3. نشوء الحركة الطلابية الحديثة

شكل المؤتمر 18 للاتحاد العام لطلبة تونس الذي انعقد بمدينة قربة سنة 1971 و الأحداث التي ميزت أشغاله نقطة تاريخية و رمزية أساسية في ميلاد الحركة الطلابية التونسية الحديثة.

ففي هذا المؤتمر تكونت أغلبية من المؤتمرين تشكلت من يساريين و قوميين و دستوريين غاضبين ينتمون لشق أحمد المنستيري[14] استطاعت أن تفرض بشكل ديمقراطي لوائح تدعو للاستقلال المنظمة عن الحزب الحاكم. و كان رد الأقلية الدستورية بمساعدة أجهزة السلطة قيامها بالانقلاب على المؤتمر بالقوة.

و في بداية السنة الجامعية الموالية قام الطلبة من مجموعة الأغلبية بتكوين لجنة إعلام تولت شرح ما حصل للجماهير الطلابية و انعقد اجتماع عام في 5 فيفري 1972 حضره أكثر من 5 آلاف طالب قرر أن المؤتمر الثامن عشر لم ينه أشغاله و دعوا إلى إنجاز مؤتمر خارق للعادة لتصحيح وضع ما بعد الانقلاب بل إنهم اعتبروا اجتماع 5 فيفري 1972 نفسه دخولا في أشغال المؤتمر.

و قد ردت السلطة على الحركة الطلابية بقمع شامل، حيث هاجمت قوات البوليس المركب الجامعي بعنف بالغ، مضيفة واقعة دراماتيكية جديدة إلى الوعي الطلابي الذي سرعان ما صنع رموزه و أعاد تشكيل الأحداث التاريخية المرجعية بأسلوب أسطوري بنى حولها حركته الجديدة و رموزها.

و لقد وضعت حركة 5 فيفري 1972 أهم الشعارات التي أقامت عليها الحركة الطلابية شعاراتها وحدتها و أهدافها و رموزها:

-     إنجاز المؤتمر 18 الخارق للعادة للاتحاد العام لطلبة تونس مهمة مباشرة و ذات أولوية للحركة الطلابية

-     من أجل جامعة شعبية و تعليم ديمقراطي و ثقافة وطنية

-     الحركة الطلابية جزء لا يتجزأ من الحركة الشعبية

-     القضية الفلسطينية القضية المركزية لحركة التحرر الوطني العربية

-     من أجل مساندة حركات التحرر الوطني و معارضة الامبريالية العالمية

و مع تصلب مواقف السلطة ظهر في أواخر السبعينات أخطر شعار على الإطلاق:

-     من أجل القطيعة السياسية و التنظيمية مع السلطة !

و هو شعار أدى تطبيقه ميدانيا إلى حرمان الطلبة الدستوريين، طلبة الحزب الحاكم، من حق النشاط العلني في حرم الجامعة. بينما ازدهرت المنظمات السياسية الطلابية التي تزايد عددها خاصة مع انقسام التيارات اليسارية و القومية المنتظم و تفريخها لتشكيلات متناحرة.

و في وسط الثمانينات كانت أهم التشكيلات السياسية الطلابية الناشطة في الجامعة تتمثل في:

 

اليسار الماركسي: و يضم خاصة:

·  الوطنيون الديمقراطيون بالجامعة: وهم تشكيل ماركسي لينيني ماوي ينادي بإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية كحل لمشاكل مجتمع شبه مستعمر شبه إقطاعي

·  طلبة حزب العمال الشيوعي التونسي: و هم تشكيل ماركسي لينيني كان يدعو لإنجاز الثورة الاشتراكية كحل لمشاكل مجتمع رأسمالي تابع معتبرين أن الخطوة الأولى في  هذا الاتجاه هو إقامة الحريات العامة.

و كان يتواجد إلى جانبهم طلبة الحزب الشيوعي و التروتسكيين و حلقات صغيرة أخرى.

الإسلاميون:

يتكونون أساسا من طلبة حركة الاتجاه الإسلامي التي ستسمى فيما بعد حركة النهضة.

 

القوميون: يضمون خاصة:

·      الطلبة العرب الوحدويون التقدميون و كانوا يتبنون " نظريات" المفكر المصري عصمت سيف الدولة

·      الطليعة الطلابية العربية القريبة من  حزب البعث العراقي.

و لقد ساعدت هذه الشعارات و التنظيمات على بناء حركة قوية و نشطة أقلقت السلطة إلى أبعد الحدود وفي نفس الوقت بذرت هذه الشعارات و التنظيمات أسس نفي الحركة بتحميلها أكثر مما تستطيع ماهيتها الاجتماعية.

فالمشروع الثوري العام الذي حملت راياته جعل من الطلبة في نفس الوقت و حسب الطرف السياسي الطلابي: الشعب  و الطبقة و طليعة الأمة العربية و جيش المؤمنين ...إلخ و جعل من هذه الوحدات الرمزية واقع مزيفا تشقه الصراعات التناحرية مما أفقد الحركة قوتها الدافعة
و جعلها تضعف و تنهار.

لقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي بورديو[15] إلى الميزة الفريدة للحركة الطلابية حيث لا يشكل الوضع الطلابي وضعا اجتماعيا ثابتا "باعتبارهم مشاريع وجود" يمرون في زمن متحرك و غير واقعي و لكنهم في نفس الوقت ينتجون وحدة رمزية تقودهم إلى لعب أدوار سرعان ما تزول قاعدتها الموضوعية بخروجهم الحتمي و بعد سنوات قليلة من الجامعة.

و في غياب حركة شعبية قوية و ثابتة تسند و تؤطر الحركة  الطلابية تزداد الصعوبات المحيطة بالطموحات الثورية  الطلابية  و تسارع في إجهاضها. ففي وضع هذا الغياب تحدث حالة اختلال بين "المد الثوري" الطلابي الرمزي و "الخمول" الشعبي مما ينتج وضعية غير طبيعية لا تستطيع التغلب عليها سوى الخطب التحريضية و الإيحاءات الرمزية.

و يبدو أن الوعي العفوي بهذا الاختلال هو الذي أدى بالطلبة إلى السعي لتحقيق انغلاق الجامعة على ذاتها. و قد لعب شعار "القطيعة السياسية و التنظيمية مع السلطة" دورا رئيسيا في التنظير لهذا الانغلاق. كما ساعدت استراتيجية السلطة، التي عملت على خلق فراغ حول الجامعة الثائرة درءا للعدوى، على تكريس هذه العزلة[16].

و تمثلت المفارقة في أن إنجاز المهمة الرئيسية للحركة الطلابية أي انجاز المؤتمر الثامن عشر الخارق للعادة كان نقطة بداية انهيار العزلة الحامية و انكشاف وضع الاختلال. فحصلت العدوى المعاكسة!

 

3.4. تحقيق الهدف التاريخي و الانهيار ! :

بعد حصول تغيير السابع من نوفمبر 1987 و ما أعقبه من انفتاح سياسي نسبي توفرت الظروف لإنجاز المؤتملر الثامن عشر الخارق للعادة للاتحاد العام لطلبة تونس. و هو ماحصل فعلا  في ربيع 1988.

كان الوضع تراجيديا بالنسبة للتشكيلات الطلابية التي عملت في السرية السنوات الطوال ثم وجدت نفسها في العلنية فجأة و في قيادة الاتحاد العام لطلبة تونس الذي سارعت السلطة بالاعتراف بوضعه الجديد و سمحت له بالنشاط و الحصول على مقر رسمي بل و اعترفت به ممثلا للطلبة التونسيين و مفاوضا باسمهم  مع وزارة التعليم العالي.

ولم يهنأ طلبة اليسار بهذا الانجاز التاريخي حتى قامت السلطة في خطوة أخرى بالاعتراف بمنظمة نقابية "عدوّة" أنشأها الإسلاميون و سموها " الاتحاد العام التونسي للطلبة".

 

هكذا صارت انقسامات الحركة الطلابية ممأسسة أكثر و صارت تتحرك في زمنين:

-     زمنها الذاتي حيث تتصارع من أجل الزعامة على الطلبة و هو صراع ربحته الحركة الإسلامية

-  زمن موضوعي حيث صارت طرفا في اللعبة السياسية الوطنية من خلال علاقاتها بوزارة الإشراف في إطار العمل النقابي من جهة، و في خضم الصراعات السياسية التي كان أهمها صراع حركة النهضة الإسلامية لاحقا مع السلطة من جهة أخرى.

و لم يتطلب الأمر سوى ثلاث سنوات حتى استطاع الإسلاميون الأقوياء أن يجيشوا جانبا كبيرا من الطلبة في نزاعهم الدمويّ مع السلطة التي ما إن بلغت المواجهة ذروتها حتّى هاجمت الجامعة بشراسة و وضعتها تحت المراقبة المباشرة لوزارة الداخلية. فأصبح في كل مؤسسة جامعية مخفر شرطة ينتمي لسلك أمن جديد سمّي البوليس الجامعي.

و قد نجحت السلطة في استغلال ظروف العنف المتبادل بين قوات الأمن و ميليشيا الإسلاميين لتجعل من "احتلالها للحرم الجامعي ضرورة ليستتب الأمن بل و قدمته في صورة الدفاع عن قيم الجمهورية و المجتمع المدني ضد قوى الظلام. و استفادت من خلال هذا التوصيف في الحصول حتى على مساندة واسعة من قوى اليسار التي اعتبرت أن تناقضها مع الإسلاميين أشد رئيسية من تناقضها مع السلطة.

و لم تضع "الحرب" أوزارها حتى كان المشهد قد اختلف تماما. فلقد أحكمت السلطة قبضتها على الجامعة و قوضت كل مظاهر حرية العمل السياسي الذي كانت تتمتع به التشكيلات الطلابية في السابق.

أما الطلبة فقد كانت المعركة المفروضة عليهم قد أرهقتهم إلى أبعد حد. و ما أن عاد الهدوء حتى كانوا غير مستعدين لخوض معركة المحافظة على مكاسب "حرمة الجامعة" و حرية العمل السياسي.

أما ما تبقى من تشكيلات سياسية طلابية فقد شتتها القمع من جهة و نال منها احتداد الصراعات التناحرية خاصة بين فصائل اليسار داخل الاتحاد العام لطلبة تونس. كانت كل سنة جديدة تشكل تراجعا جديدا بلغ ذروته حين عاد الطلبة الدستوريون للنشاط بشكل علني من جديد بل وصاروا القوة  السياسية الأولى حيث يفوزون بانتظام بأغلبية مقاعد مجلس الكليات.

و لئن بقي الاتحاد العام لطلبة تونس قائما إلى حد الآن فإن الصراعات قد أنهكته و أصبح ضعفه الكبير حقيقة تعترف بها قيادته و تلاشى تأثيره الواسع السابق على جماهير الطلاب.

 

4. الحركة النسائية في تونس

يعتبر المؤرخون و المحللون لقضية المرأة في تونس ظهور كتاب الطاهر الحداد "  امرأتنا في الشريعة و المجتمع"[17] حدثا جوهريا في مسيرة الإصلاح الاجتماعي و الاجتهاد في تأويل النص الديني[18] التي مهدت لصدور مجلة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1956 مانحة المرأة حقوقا قانونية مازالت النساء العربيات لم تنلها إلى اليوم.

و رغم أهمية هذا الكتاب فإننا نعتقد أن جانبا تقديسيا مبالغا فيه قد أحاط به بما جعل قياس أهميته في إطاره التاريخي محكوما بما يشبه الأسطرة. فالطاهر الحداد كان رجل معزولا. و قد تعرض لهجومات بالغة الشدة من شيوخ الزيتونة و لم يجد حوله أي حركة أو تجمع فكري أو سياسي يسنده. بل إن الحركة الوطنية في تلك الفترة ،وعلى رأسها الحبيب بورقيبة الذي سيضع ثقله فيما بعد لصدور مجلة الأحوال الشخصية التونسية، كانت تتبنّى مواقف الدفاع عن حجاب المرأة التونسية بحجة الدفاع عن الشخصية  التونسية من الذوبان بفعل السياسة الاستعمارية.

و لعل ما يدفع العديد من المؤرخين و الباحثين في قضية المرأة التونسية إلى أسطرة الطاهر الحداد هو رغبتهم في إيجاد رواية تاريخية تعارض الرواية السائدة في " العهد البورقيبي"
و التي كانت تقول ببساطة أن بورقيبة الفرد هو الذي حرر المرأة التونسية.

جاء في خطاب بورقيبة في 13 أوت 1956، بمناسبة إصدار مجلة الأحوال الشخصية، ما يلي:

" ...و لقد بادرت برفع تلك المظالم عن المرأة بمجرد تسلمي للحكم ...ووضعنا القوانين التي ترفع من شأن المرأة و تعتبرها ذات حقّ".

و رغم كل الجهد التأريخي الذي يقوم به الآن من يريدون صنع رواية جديدة، باختلاف مقاصدهم و أهدافهم، فإن ما يبدو أقرب للحقيقة التاريخية أن التطور القانوني الذي أحرزته وضعية المرأة التونسية كان نتيجة مباشرة لإرادة السلطان السياسية. و هي إرادة قيدت المرأة التونسية و سلبت إرادتها في نفس الوقت الذي أعلنت فيه تحريرها.

و لعل ذلك ما يفسر لماذا لم تقم حركة اجتماعية نسائية فعلية في تونس ذات أفق نضالي

 

1.4. مشاركة النساء في الحركة الوطنية:

ساهمت المرأة التونسية بالأشكال المتاحة أمامها في حركة التحرر الوطني التونسية. فقد شاركت في  مظاهرة 8 أفريل 1938 احتجاجا على الاضطهاد المسلط على الحزب الحر الدستوري و في اليوم الموالي، 9 افريل، ألهبت المرأة حماسة الرجال بفضل تحركاتها الجماعية التي انطلقت من حي الحلفاوين فهبوا إلى نصرتها و مرت المظاهرة النسائية في صفوف متراصة في حين اندفع الرجال في أعقابها.

و حين ألقي القبض على القيادات و المسؤولين الدستوريين لم يدب اليأس في نفوس النسوة و إنما تواصلت الاجتماعات السرية بزوايا الأولياء الصالحين و الحمامات و المستشفيات. و هكذا تحولت الأماكن التي تعتبرها التقاليد "خاصة بالنساء"  إلى مواقع للنضال و التوعية و العمل الوطني. و في عام 1950 أسس الحزب الحر الدستوري الجديد فرعا نسائيا رسميا و شعبا نسائية في جميع المدن كان لها دور هام في تواصل المظاهرات نذكر  منها مظاهرة يوم 16 جانفي 1952 و مظاهرة يوم 19 جانفي 1952 أمام القنصلية الأمريكية و الإقامة العامة الفرنسية حيث ألقي القبض على 34 امرأة و زج بهن في السجن. و في 3 مارس 1952 انتظم اجتماع كبير بمبنى ضريح السيدة المنوبية و الذي انتهى بإيقاف العديد من المناضلات[19].

و قد أدت هذه الديناميكية النضالية إلى ظهور قيادات نسائية سرعان ما حاولت أن تجد فضاءات تنظم خاصة بها.

ففي 1938 تم بعث الاتحاد النسائي الإسلامي و كان قريبا من الأوساط الزيتونية التقليدية[20]. تقول المناضلة بشيرة بن مراد عن أهداف  بعث هذا الاتحاد:" لقد كنا نسمع باضطهاد فرنسا للوطنيين و الدساترة و المرأة عاجزة عن تقديم العون لهم فكانت تكتفي بالطبخ و الأكل و النوم و العناية بالأطفال، فاختمرت لدينا فكرة تكوين اتحاد خاص بالنساء لدعم الحركة الوطنية".

و ظهرت إثر ذلك منظمة نسائية أطلق عليها اسم "حبيبات الكشافة" و تولت هذه المنظمة التعريف بالحركة الكشفية في الأوساط  النسائية  حتى تدرك أهميتها في تربية الأجيال.

و تواصل نشاط المرأة التونسية في بعث الهياكل النسائية كالفرع النسائي لجمعية الشبان المسلمين الذي عمل على بث اللغة العربية و تأسيس مدرسة البنت المسلمة بباب منارة بالعاصمة.

كما شهدت سنة 1944 ظهور الاتحاد النسائي التونسي القريب من الحزب الشيوعي التونسي
و الذي تواصل نشاطه إلى حدود سنة 1963 تاريخ حظر الحزب.

و مع بداية فترة الاستقلال تحركت ثلة من النساء في مؤتمر انتظم يوم 26 سبتمبر 1955
و طالبن بمشاركة المرأة في المجلس التأسيسي و لكن عدم انتمائهن  إلى هيئة منظمة حال دون تلك المشاركة فازداد عزم المناضلات على جمع شتاتهن في صلب اتحاد وطني فتوالت الاجتماعات و تشكلت لجنة تأسيسية في جانفي 1956 للقيام بالإجراءات الإدارية اللازمة لتركيز الهيكل الجديد
[21].

و يمكن اعتبار ذلك المؤتمر أول تحرك نسائي فعلي حول مطالب نسائية فعلية. فقد حضرته قرابة 300 امرأة و صدرت عنه لائحة قدمت يوم 16 ديسمبر 1955 إلى رئيس الحكومة وقتها  الطاهر بن عمار، احتوت 5 مطالب:

-     الاعتراف بالمساواة في الحقوق المدنية و السياسية بمرجعية الإعلان العالمي للحقوق الإنسانية

-     الحق في الانتخاب و الحق في الترشح

-     إسناد منصب وزاري في الحكومة التونسية لامرأة

-     تعميم التعليم على النساء

-    إحداث مجلس وطني للنساء يعنى بقضاياهنّ[22].

 

و مما يلفت الانتباه أن هذه المطالب كانت سياسية في مجملها و سيقوم الرئيس بورقيبة بتلقفها
و تنفيذ عدد هام منها باعتبارها ثمرة عبقريته الخاصة و إرادته السياسية المحضة. و هو ما سيساهم بشكل أساسي في إجهاض تطور الحركة الوليدة.

 

2.4. المساهمة في بناء الدولة:

تأسس الاتحاد الوطني للمرأة التونسية في جانفي 1956 بمبادرة من مجموعة من النساء، قريبات لبورقيبة أو زوجات أعضاده، [23] تمثلن العائلات البرجوازية و الأرستقراطية في تونس العاصمة. و أسندت الرئاسة الشرفية  للسيدة وسيلة بن عمار التي ستصير فيما بعد حرم رئيس الجمهورية.

ومنذ سنة 1958  أصبح الاتحاد الوطني للمرأة التونسية تحت مظلة الحزب الحاكم الذي حوله إلى أحد المنظمات التابعة له.

هكذا اعتبرت لائحة مؤتمر المنظمة سنة 1960 أن الاتحاد..." سيحقق أهدافه طالما انضبط لتوجيهات منقذنا و محررنا و باعث نهضتنا المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة و للمبادئ التي لقنا إياها حزب الأمة القوي، الحزب الحر الدستوري"[24] .

و توجه اهتمام المنظمة النسائية لتقديم المساعدة للمرأة التونسية في مجالات عدة:

-  اقتصاديا: حيث بعث عدة مشاريع اقتصادية و إنتاجية خاصة في مجال النسيج ووزع القروض الصغير في إٌطار برنامج الأسرة المنتجة

-  اجتماعيا: بتوزيع المساعدات على النساء  و الأسر الفقيرة و توفير الرعاية و تنظيم الحملات التوعية ضد العادات البالية و من أجل الثقافة الصحية. و في هذا الإطار تم بعث سلك المرشدات الاجتماعيات اللاتي تنقلن إلى أعماق الريف.

-  تشريعيا حيث اقترح الاتحاد العديد من التعديلات على مجلة الأحوال الشخصية. و استجاب المشرع التونسي لهذه التعديلات خاصة في مواضيع جماية المرأة عند و بعد الطلاق و ضمان حقوق المرأة العاملة.    
و قد بلغت فروع المنظمة سنة 1983 436 فرعا و بلغ عدد منخرطيه سبعون ألفا.

و تتشكل قيادة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية من قيادة تنتمي للشرائح العليا من المجتمع
و خاصة من المتعلمات و الكوادر العليا. أمّا عموم المنخرطين فيتشكّلن أساسا من النساء الفقيرات المحتاجات لخدمات رعاية اجتماعية محددة. و تقوم معهن علاقة من النمط الزبائنيّ.

و لكن، و بشكل عام، يمكن القول أن الاتحاد الوطني للمرأة التونسية قد ساهم بتقديم خدمات هامة و واسعة للنساء التونسيات خاصة في الريف حيث ساهم بتحسين مستوى عيشهنّ على عديد المستويات.

 

4.3. ظهور المعارضة النسائية و الوضع الحاليّ:

كان للأزمة الاجتماعية و السياسية  الحادة التي عرفتها تونس، خاصة في العلاقة بين الاتحاد العام لتونس في الشغل و السلطة نتائج هامة في ساهمت في خلق أرضية اجتماعية واسعة لمعارضة الاختيارات الرسمية.

و قد طالت هذه التطورات المجال النسائي الذي كان يقبع تحت سلطة احتكار السلطة الكامل،
و ميدانا لتفرد الرئيس بورقيبة الذي كان أحد ألقابه الرئيسية هو: محرر المرأة. إذ تحوّل "تحرير المرأة" إلى إنجاز شخصي للرئيس و أحد مصادر شرعيته "التاريخية".

و شهد النصف الثاني من السبعينات بداية التحرّكات الأولى  التي أدّت إلى تأسيس منظّمات جديدة:

 

الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات

لقد تكونت هذه الجمعية بصفة قانونية في 6 أوت 1989 و هي جمعية بدأت تتلمس طريقها منذ أواخر السبعينات حيث كانت مجموعة من النساء المثقفات تلتقي في نادي الطاهر الحداد. و قد توسعت تحركات هذه المجموعة بإصدار مجلة نساء التي صدر منها 8 أعداد ( 1985-1987) مما دفع بهن إلى التفكير بتكوين هذه الجمعية التي تضم نساء من حساسيات مختلفة و التي تعمل على إلغاء كل مظاهر التميز ضد المرأة و توعية النساء بحقوقهن و الدفاع عن مكاسبهن و العمل على تغيير المنطق الأبوي السائد ثقافيا و تحقيق المواطنة الكاملة للمرأة.

و قد كان للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات و ما يزال دور سياسي أيضا. فمنذ نشوؤها شاركت الجمعية بنشاط في الصراع ضدّ حركة النهضة الإسلامية. كما ساهمت في نقد التوجهات السياسية للسلطة في ميدان حقوق الإنسان خاصة في النصف الثاني من التسعينات.

و قد نوعت الجمعية من مجال نشاطها بتنظيم الورشات و المؤتمرات و الدورات التدريبية والتشبيك النشط على المستوى العربي و الدولي. كما أسست فضاء تضامنيا خاصا لدعم النساء ضحايا العنف قانونيا و نفسيا.

 

جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية

تأسست هذه الجمعية في فيفري 1989 و هي فرع من جمعية النساء الإفريقيات حول التنمية و هي منظمة تأسست منذ حوالي 10 سنوات و مقرها داكار و تتمثل أهداف هذه الجمعية في القيام ببحوث و دورات تدريبية و تقديم خدمات حول إدماج المرأة في التنمية و تشجيع المشاركة الواعية و النقدية للمرأة في بلورة و اتخاذ القرارات و تقييم الأولويات ضمن مشاريع التنمية من أجل إعطاء بعد جديد لإدماج المرأة فيها.

و رغم أنها جمعية بحثية و غير سياسية فإن المقاربات النقدية الجريئة للباحثات التي تتشكل منها الجمعية و أغلبهن جامعيات قد جعلها تعتبر موضوعيا في خانة المعارضة للسلطة.

هذا وقد نوعت الجمعية من مجال نشاطها خاصة في سنوات 2000-2002 بأن أسست فضاء " تناصف" لدعم النساء قانونيا و سياسيا كما أصبحت تنجز برامج تدريبية في مجال النوع الاجتماعي.

و رغم أهمية التجربتين فإن الملاحظ أنها بقيت حبيسة في فضاء النخبة الحضرية المتعلمة
و المعارضة بشكل أو بآخر للسلطة. فأهدافها الأساسية منذ البداية لم تكن التأسيس لعمل جماهيري واسع. وهو ما سهّل عزلها بل و تهميشها في أغلب الأحيان.

 

5. استخلاصات:

يقودنا هذا الاستعراض التاريخي إذا وضعناه على محك اختبار تعريف الحركة الاجتماعية  إلى استنتاجات شبه بديهية. فدراسة النماذج الثلاثة ( العمال-الطلبة-النساء) و رغم الاختلافات الهامة بينها في الطبيعة و التطور التاريخي لها قواسم مشتركة تتعلق بالنقاط التالية:

 

إشكالية الوعي بالذات في التاريخ:

فالمتأمل للنماذج الثلاثة التي درسناها سيلاحظ دون عناء أنها إما ضخمت و عيها بذاتها بما في ذلك دورها في صنع التاريخ مثل الحركة الطلابية أو كان وعيها مشوشا بصدد ما يجب القيام به في اللحظة الحاسمة مثل الحركة النقابية و إما ذات وعي تابع كحال أهم المنظمات النسائية.

 

إشكالية القيادة:

في الحالات الثلاثة المدروسة كانت القيادة في وضع تنافر مع حركتها الاجتماعية. فالقيادة النقابية في أهم لحظات الأزمة  السياسية و الاجتماعية كانت تبحث عن تحقيق انتصارات شخصية ضيقة. و القيادات الطلابية ( اليسار و القوميون) كانت معلقة في السحاب الأيديولوجي أو تريد استغلال الحركة لخدمة مشروع سياسي خاص ( أسلمة المجتمع).

 

إشكالية الرمزية:

للتعبئة الرمزية دور هام في تكوين الحركة الاجتماعية. و لكن في الحالات الثلاثة المدروسة نلاحظ غياب هذه التعبئة بالشكل الذي يمكن من بناء اللحمة الضرورية و الوعي بضرورة القيام بدور تاريخي فاعل.

وقد نستثني الحركة الطلابية من هذا الحكم. فلقد استطاعت أسطرة أحداث معينة من تاريخها
و خاصة حركة 5 فيفري 1972 و لكن بنائها الرمزي كان هشا إذ حام بمجمله حول إنجاز المؤتمر 18 الخارق للعادة. و لما أنجزت هذه المهمة سنة 1988 لم تجد التنظيمات الطلابية ملاجئ رمزية أخرى للحركة  تعطيها نفسا جديدا.

كما أدى ظهور التنظيم الإسلامي إلى حصول شرخ كبير في وحدة المرجعية الرمزية الطلابية. فالإسلاميون أعادوا منابع شرعية الحركة الطلابية إلى صوت الطالب الزيتوني أي إلى نوع آخر من المعارك يرتبط بالهوية لا بقضايا الديمقراطية و التحرر الوطني.

أما الحركة النقابية فإن رمزيتها  الأساسية كانت مرتبطة بفترة التحرير الوطني ( محمد علي الحامي و فرحات حشاد) و لم تحول تضحيات النقابيين من أجل الديمقراطية و العدالة الاجتماعية ( معارك جانفي 1978 و 1985) إلى غذاء رمزي أساسي لها.

أخيرا في حال المنظمات النسائية كانت المرجعية الرمزية إما تابعة مرتبطة فقط برمز الحبيب بورقيبة، محرر المرأة، بالنسبة للاتحاد الوطني للمرأة التونسية أو يتيمة فقيرة ( الطاهر الحداد) بالنسبة للقوى الجديدة. و الملاحظ أن أهم رمزين للتحرر النسائي من جنس الذكور.

و هنا يطرح سؤال خطير نفسه بنفسه: هل أننا نواجه حالة ضعف الوعي التراكمي للتاريخ أم أننا نواجه ضعف التاريخ نفسه؟

 

إشكالية التشتت:

يافت تشتت مكونات النماذج المذروسة انتباه الباحث. فالانقسامات كانت تبلغ درجة عالية من التنافر خاصة في حال الحركة الطلابية و "الحركة النسائية". فالاختلاف بين الفاعلين داخل الحركة الواحدة هو إلغاء للآخر و تعريف الذات يشترط نفي الذوات الأخرى.

لقد كان وجود اليسار الطلابي مشروطا دراماتيكيا بإلغاء الوجود الإسلامي و في أحلك ظروف المواجهة بين الحركة الطلابية و السلطة لم نلاحظ تنسيقا أو عملا مشتركا بين الطرفين.

أما داخل "الحركة النسائية" فلقد قام بين من هم مع السلطة أو ضدها و لم تستطع قضية النوع الاجتماعي التمييز بين من هم مع السلطة و من هم ضدها ولم تستطع قضية "النوع الاجتماعي" أن تجد أرضية مشتركة يعمل من أجلها الطرفان. و رغم أن التنظيمات الجديدة كانت تضع في قائمة أهدافها ضرورة الدفاع عن مكاسب المرأة القانونية مثلا فإنها لا تعترف للاتحاد الوطني للمرأة التونسية بدور في تحقيق هذه المكاسب و لا تعتبر أن قيامه بدور في تحقيق هذه المكاسب مدعاة للاشتراك معه في الحفاظ عليها.

أما هذا الأخير فإن رغبته في احتكار قضية المرأة و ارتباطه السياسي و التنظيمي في السلطة يجعله يمارس بشكل احتكاري إقصائي يزيد من تشجيع و تبرير انكماش الطرف الآخر.

 

و مما يلفت الانتباه أيضا الطابع الدراكاتيكي للاختلاف "الثقافي" بين مكونات الحركة الواحدة. فبين التصورات "الثقافية الحديثة" و ما يرفقها من أنماط سلوك و خطاب و العودة للأصول
و الارتباط بالجذور هوة ليس بينها توسّط حقيقي. إذ لا يمكن اعتبار "الحل الوسطي" الذي تقدمه السلطة: الدمج بين الحداثة و الأصالة تشكيل نموذج ثقافي جديد، إذ تغلب عليه التلفيقية و يترواح حسب المصلحة السياسية بين هذا القطب و ذاك.

 

إشكالية التغيير الاجتماعي:

خلاصة القول تبدو النماذج المدروسة غير فاعلة بشكل جوهري في التغيير الاجتماعي و هي على الأغلب متلقية سلبية للتراكمات و نتيجة لها.  فالمسؤول الأول عن شروق الشمس على المجتمع  و غروبها عنه هي الدولة أولا و التغيرات الدولية ثانيا.

و ببلوغنا هذه الخلاصة يصير مشروعا لنا أن نطرح أسئلة لأجوبتها نتائج هامة على موضوع الدراسة: هل عرفت تونس فعلا حركات اجتماعية؟ و إن وجدت هذه الحركات فإلى أي مدى أعقب نشوؤها نضجها أم أنها أجهضت و هي تتلمس أول طريقها؟ و ما هي أسباب الفشل؟

 

6. أي حركة اجتماعية ضد العولمة:

في نفس هذا الإطار من الأسئلة المتشائمة يطرح البحث عن حركة اجتماعية ضد العولمة في تونس. إذ يمكن القول بثقة أن المؤشرات الحالية لا تنبئ بوجود هذه الحركة، هناك نصوص
و مجموعات نخبوية صغيرة و أسطر في بعض البيانات أما حركة اجتماعية بالمعنى المعروف، فلا.

و يجب ربما أن ننتظر احتداد الآثار الاجتماعية و السياسية للعولمة الاقتصادية على الفئات
و الشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة و من بينها الطبقة الوسطى، لنشهد ميلاد مثل هذه الحركة.

و لكن السؤال الإضافي الذي سيطرح ذاته أيضا عندها هو: كيف سيكون الإطار السياسي لمثل هذا الميلاد؟ نقصد المسألة الديمقراطية.