[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

الحركات الاجتماعية في الأردن

التطور، البنية، الدور الراهن والمستقبلي

 

 

هاني الحوراني، ورياض الصبح

1- نظرة تاريخية :

يرتبط الحديث عن نشوء وتطور الحركات الاجتماعية في الاردن بالحديث عن التطورات السياسية الهامة التي شهدتها المنطقة العربية بشكل عام، ولا سيما تلك التطورات التي أدت إلى تأسيس الدولة الحديثة في الاردن في 11 نيسان عام 1921 بشكل خاص. لقد أخذت ملامح الحركات الاجتماعية بالتشكل في إطار الاحداث والتطورات التي عرفها الشرق الاوسط منذ الحرب العالمية الاولى وحتى التسعينات من هذا القرن، وقد برز تأثير هذه الاحداث على الاردن أكثر من مرة، وعلى وجه خاص خلال الفترة الفاصلة بين الحروب العربية - الاسرائيلية عامي 1948 - 1967، وللتعرف على الخارطة الراهنة للحركات الاجتماعية في الاردن لا بد من متابعة ولادة وتطورات بنى الحركات الاجتماعية الأردنية عبر أربع مراحل أساسية:

المرحلة الأولى: 21/1948 (الارهاصات الاولى)

إن الإطار العام الذي يميز هذه المرحلة هو نشوء الدولة الأردنية، حيث شهدت هذه المرحلة البدايات الأولى لتبلور التنظيمات الاجتماعية، على الرغم من عدم مواءمة البيئة الاجتماعية والسياسية والقانونية. فالنظام الاجتماعي ذو الطبيعة العشائرية العائلية حينذاك، إضافة الى العوائق الناتجة عن المعاهدة البريطانية - الأردنية، وتطورات القضية الفلسطينية التي كانت تلقي بثقلها على علاقة الحكم بالمواطنين، أدت الى تقليص حرية التنظيم الاجتماعي والسياسي، وهذا ما عكسته القوانين التي صدرت آنذاك، مثل قانون العقوبات المشتركة لسنة 1928، وقانون النفي والأبعاد لسنة 1928، وقانون الاجتماعات العامة لسنة 1933، وقانون الدفاع لسنة 1935، وقانون الجمعيات لسنة 1936 .

وعلى الرغم من ذلك فإن سعي النظام للحفاظ على شرعيته الشعبية قاده الى ايجاد توازن ما بين التزاماته التعاقدية تجاه بريطانيا وبين الضغوط الشعبية - وقد ظهر هذا من خلال إقامة المجلس التشريعي (29/1946) والسماح بإنشاء التنظيمات المدنية والأحزاب وإباحة حرية الاجتماع والتعبير والنشر بحدود معينة - وساعد في ظهور الجيل الأول للمنظمات الاجتماعية الأردنية، حيث شهدت هذه المرحلة نشوء ما يزيد على خمسين منظمة اجتماعية، مثل الغرف التجارية والجمعيات الاجتماعية والنوادي الرياضية والثقافية والسياسية، كما ضمت قائمة كبيرة من الأحزاب السياسية، وإذا أضيف إليها النوادي ذات الطابع السياسي فإنها تصل إلى ما يقارب نصف المنظمات التي قامت خلال هذه الفترة. ويلاحظ هنا ضآلة عدد الجمعيات والنوادي الاجتماعية والرياضية، حيث لا يزيد عددها عن (13) خلال المرحلة بأكملها، وقد تأسس معظمها على يد الأقليات الدينية والإثنية والحجازية.

المرحلة الثانية: 48/1967 (الانبثاق والضمور)

تقع هذه المرحلة ما بين الحربين العربية - الإسرائيلية الأولى والثانية، وهي مليئة بالأحداث والتطورات التي انعكست على تشكيلة القوى المختلفة في الحركات الاجتماعية الأردنية، حيث شهدت انبعاثاً قوياً لعشرات المنظمات التي شكلت جسم الحركة الاجتماعية الرئيسي ولعدة عقود لاحقة نتيجة للهجرة الكثيفة للاجئين الفلسطينيين وضم الضفة الغربية للأردن بعد حرب 1948، مما ضاعف عدد السكان إلى ثلاثة أمثال عددهم قبل ذلك، ودخول الأردن مرحلة الاقتصاد الحديث والرسملة والانفتاح على السوق العالمي، وانتشارالتعليم وازدياد وزن المدن ونمو عددها وتنامي التمركز الحضري في العاصمة، بالاضافة الى تطورات سياسية وتشريعية هامة منها إقرار الدستور الأردني الحالي في مطلع 1952، وتشكيل مؤسسات الدولة الحديثة وإقرار تشريعات حديثة شكلت الاطار القانوني لعمل المؤسسات الاجتماعية.

ومن اجل تبيان معالم هذه المرحلة يمكن تقسيمها زمنياً إلى فترتين متمايزتين:

أ- السنوات 48/1957

تصدرت الحركة التطوعية انطلاقة المنظمات والحركات الاجتماعية في هذه المرحلة، حيث تزايد عدد الجمعيات الخيرية من (65) عام 1953 إلى (196) عام 1958، وبلغ عدد النوادي بمختلف أشكالها (116) نادياً في عام 1951، وقد ظهرت في هذه المرحلة المزيد من الجمعيات والنوادي الخاصة بالطائفة المسيحية (أهمها جمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية عام 1957) والأقليات الاثنية (الجمعية الخيرية الشيشانية في الزرقاء عام 1958).

وظهر الجيل الأول من النقابات المهنية منذ عام 1950، وكانت اولها نقابة المحامين، ثم نقابات أطباء الأسنان (1952)، والأطباء (1954)، والمهندسين (1958)، حيث لعبت هذه النقابات دوراً حيوياً في الحياة السياسية، كما شهدت هذه المرحلة إقرار أول تشريع يعترف بحقوق التنظيم النقابي للعمال، حيث صدر قانون نقابات العمال رقم 35 لسنة 1953، وقد تلا صدور هذا القانون تأسيس (10) نقابات عمالية في النصف الأول من عام 1954، حيث توحدت الاخيرة في الاتحاد العام لنقابات العمال، ولم يلبث أن ارتفع عدد النقابات العمالية إلى (39) نقابة في نهاية عام 1957 .

وقد ظهرت بعض التنظيمات النسائية التي سعت إلى تنظيم جهود الإغاثة والعون الصحي للاجئين، مثل جمعية الشابات المسيحيات عام 1950، كما تأسس اتحاد المرأة العربية عام 1954، والذي لعب دوراً هاماً في التوعية السياسية للمرأة إلا أنه حُلّ في عام 1957، وقد ظهرت بعض منظمات أصحاب العمل مثل غرفة تجارة إربد عام (1952)، وغرفة تجارة الزرقاء عام (1958)، وظهرت خلال هذه المرحلة الأحزاب المعارضة: البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب والحزب الشيوعي الأردني، وحزب التحرير الاسلامي المتشدد، إضافة إلى بعض الاحزاب الوسطية والمحافظة.


 

ب- السنوات 57/1967

شهدت هذه المرحلة انقلاباً جوهرياً في المناخ السياسي الداخلي فقد جُمّدَ العمل بقانون الأحزاب، وفُرِضَ العمل بالأحكام العرفية بعد اقالة حكومة سليمان النابلسي الائتلافية (نيسان 1957)، ولوحقت احزاب المعارضة، فيما جمدت بقية الاحزاب نشاطها، الأمر الذي دفع النقابات المهنية لملء الفراغ السياسي، بينما انخفض عدد النقابات العمالية إلى (16) نقابة عام 1961، تحت تأثير التحول الدرامي في المناخ السياسي، لكنه لم يلبث ان ارتفع  إلى (40) نقابة خلال عقد من الزمن. وقد ازداد عدد الجمعيات الخيرية إلى أن وصل إلى (226) منظمة في نهاية الستينات، وأنشئت أول جمعية بيئية في الأردن عام 1966،  وقد ارتفع عدد الغرف التجارية إلى (7) غرف، وتأسست أول غرفة صناعية، وهي غرفة صناعة عمان في عام 1962 .

بوجه عام، فإن المنظمات والحركات الاجتماعية التي نمت بسرعة هي الجمعيات الخيرية والنوادي الرياضية والاجتماعية والتي حافظت على نموها بالرغم من الظروف السياسية السائدة، وهكذا أصبحت الجمعيات الخيرية تشكل 12.2 من إجمالي المنظمات الاجتماعية خلال السنوات 48/1957 ثم باتت تشكل 7.8% من إجمالي المنظمات خلال السنوات العشر اللاحقة. وفي هذه الاثناء لجأت الاحزاب المعارضة إلى العمل السري، وتلاشت التنظيمات الطلابية والنسائية، فيما نشطت الحركة الطلابية الاردنية خارج البلاد.

المرحلة الثالثة:67/1989 (نضوج الحركات الاجتماعية)

تأثرت هذه المرحلة بانعكاسات حرب حزيران 1967 على الدولة والمجتمع، وقد بدأت بفقدان الضفة الغربية وانتهت بفك الارتباط القانوني مع الضفة الغربية في تموز 1988 . وفي أثناء هذه الفترة ظهرت الهوية الفلسطينية من جديد كهوية تتحدى الاحتلال الصهيوني، ورفعت منظمة التحرير الفلسطينية شعار اقامة الدولة الفلسطينية على أراضي الضفة الغربية وغزة المحتلة عام 1967، وانعكس هذا التطور على بروز الهوية الفلسطينية في اوساط المواطنين ذوي الأصول الفلسطينية.

شهدت هذه الفترة أوسع عملية تنموية متصلة بالأردن، حيث بدأت عام 1973 واستمرت حتى عام 1985، وكان من ابرز مظاهرها نمو الناتج المحلي الإجمالي للأردن بنسبة 13% سنوياً ونمو معدل الدخل الفردي بنسبة 7.5 سنوياً، وكان من آثار هذه التنمية السريعة بناء البنية التحتية للأردن المعاصر وانتشار التعليم والتحولات الاجتماعية التي نقلت المجتمع الأردني من تكوينه الريفي - البدوي إلى المجتمع الحديث.

فرضت هذه المرحلة تحديات كبيرة أمام التنظيمات والحركات الاجتماعية التي قُيِدت حرياتها منذ مطلع السبعينات، فبعد سنوات قليلة من الانفراج السياسي الناجم عن تواجد فصائل المقاومة الفلسطينية في الاردن (1967 / 1971)، فقد شددت السلطات العمل بالأحكام العرفية وقوانين الدفاع، ولوحقت الأحزاب السياسية وشنت الحكومة حملات اعتقال مكثفة، وإثر ذلك عادت النقابات المهنية إلى الصدارة حيث عملت على تعبئة الفراغ السياسي، كما تمتعت تنظيمات  الحركة العمالية بتأثير قوي وقدرة تفاوضية عالية، خاصة ابان الفورة النفطية التي وسعت قاعدة الطلب على الايدي العاملة.

وهكذا فقد شهدت هذه المرحلة استمرار الجيل الأول من المنظمات والحركات الاجتماعية، التي اكتسبت المزيد من القوة والمتانة تجاه التحديات والمستجدات مثل: الجمعيات الخيرية، النقابات المهنية ومنظمات أصحاب العمل، كما شهدت أيضاً بدايات جديدة للتنظيمات النسائية، لا سيما الاتحاد النسائي الاردني (عام 1974)، والتنظيمات الثقافية مثل رابطة الكتاب الأردنيين عام 1974، ورابطة المسرحيين (عام 1977)، ورابطة الفنانين التشكيليين (عام 1977).

وشهدت هذه المرحلة كذلك، نشوء انواع جديدة من المنظمات التطوعية، تعمل في مجالات البيئة والتنمية الاجتماعية ورعاية المعوقين، كما ظهرت أيضاً، ولأول مرة، مؤسسات تعمل على حواف الحركات الاجتماعية في مجالات التنمية الاجتماعية والثقافية مثل : مؤسسة نور الحسين، صندوق الملكة علياء، مؤسسة عبد الحميد شومان، إضافة إلى بعض المنابر الفكرية والحوارية (منتدى الفكر العربي).

المرحلة الرابعة: 89/2002 (التصاعد  - الفاعلية)

إن أهم ما يميز هذه المرحلة هو انطلاق عملية الانفراج السياسي، والتي افتتحتها الانتخابات العامة في تشرين الثاني / نوفمبر 1989، والتي جرت بمشاركة غير رسمية لأحزاب المعارضة. وقد تأثر الأردن في هذه المرحلة بحدثين أساسيين على المستوى الاقليمي: اجتياح العراق للكويت في آب 1990، الذي نجم عنه عودة نحو 300 ألف مغترب من بلدان الخليج للأردن خلال عامي 1990/1991، وتوتر العلاقات الأردنية الخليجية. وكذلك انطلاق عملية السلام بين العرب وإسرائيل والتي دشنها مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في 31 تشرين الأول / اكتوبر .

لقد شهد عقد التسعينات نمواً عددياً ملحوظاً للمنظمات والحركات الاجتماعية، فقد استعادت، من ناحية اولى، معظم الاحزاب السياسية المعارضة شرعيتها، وسُجِلت إلى جانبها احزاب اخرى تمثل التيارين الوسط والمحافظ، وبذلك ارتفع عددها إلى (20) حزباً  في نهاية 1998، ووصل عدد النقابات والجمعيات المهنية الى (14)، فيما ارتفع عدد الجمعيات الخيرية من (433) إلى (695) والهيئات الثقافية من (43) إلى (256)، كما انبثقت (10) منظمات معنية بحقوق الإنسان والتنمية الديمقراطية ونشأت جميعها بعد عام 1989، واستقر عدد النقابات العمالية على (17) نقابة.

وفضلاً عن النمو العددي للمنظمات والحركات الاجتماعية، فإن اهم ما يميز هذه المرحلة نوعياً هو ظهور منظمات اجتماعية جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات التحول الديمقراطي، والتي يعتبر وجودها ثمرة لهذا التحول، مثل: منظمات حقوق الإنسان وجمعيات ومؤسسات التنمية الديمقراطية، ومراكز الأبحاث والدراسات، وجمعيات حماية البيئة والمنابر الفكرية، والجمعيات الأكاديمية، ونوادي المعلمين، والمنظمات النسائية المتخصصة، وجمعيات حماية المستهلك.


 

2- توصيف خارطة الحركات الاجتماعية في الاردن:

الخارطة الحالية للمنظمات والحركات الاجتماعية تظهر وجود نوعين من المنظمات والحركات: فهي تضم منظمات ذات طابع تقليدي مثل الروابط والجمعيات الخيرية القائمة على خدمة المواطنين الذين ينتمون إلى طائفة أو مجموعة اثنية أو منطقة أو عائلة، وتضم من ناحية أخرى منظمات حديثة كالنقابات العمالية والمهنية وغيرها، كما يلاحظ من قراءة خارطة الحركات الاجتماعية أنها تمثل منظمات حظيت بالوجود الشرعي والقانوني والاعتراف الرسمي منذ عدة عقود مثل الجمعيات الخيرية ومنظمات أصحاب العمل ومراكز الشباب .. الخ، وباتت تضم ايضاً منظمات وحركات لم تحظ بالشرعية والاعتراف القانوني بشرعية عملها إلا مؤخراً، مثل تنظيمات الطلبة (الاتحادات والجمعيات الطلابية)، والمنظمات النسائية.

وتقوم الحركات الاجتماعية الراهنة في الأردن على ما يقارب اثني عشر (12) فئة من التنظيمات التي تعكس بنية التنظيم الاجتماعي والمجتمع المدني، وهي تضم أكثر من 2000 منظمة، ويقدر عدد أعضاء هذه التنظيمات بحوالي 800 ألف شخص، أي (17%) من إجمالي السكان الذين يبلغ عددهم 5.4 مليون نسمة عام 1999، وتصل نسبة أعضاء المنظمات الاجتماعية إلى السكان النشيطين اقتصادياً إلى حوالي 29.

ومن اهم خصائص هذه التنظيمات هو ذلك الانتشار والتوزع الجغرافي الملحوظ لها، فبينما كانت متمركزة في العاصمة وبعض المدن القليلة الأخرى، أظهرت المؤشرات الإحصائية الحديثة أن اقل من ثلثها هو الان في العاصمة عمان، حيث بلغت نسبتها (32.2%)، مقابل (12.8%) في إربد، و(6%) في كل من البلقاء والزرقاء، و(8%) في المفرق، وحوالي (4%) في الكرك، فيما توزعت البقية على محافظات معان، عجلون، مأدبا، والطفيلة.

إن الوصف السابق لخارطة المنظمات والحركات الاجتماعية في الأردن، لاتكتمل قيمتها وتبرز جدواها دون التعرف على أداء وفاعلية هذه المنظمات، وهنا يجب أن نسأل عن تأثيراتها المختلفة في مجريات الأحداث السياسية، وطريقة تفاعلها واستجابتها لمخرجات الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعمل فيه.

3- الحركات الاجتماعية كقوة ضغط على السياسات القائمة:

إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تمثل المنظمات والحركات الاجتماعية الأردنية في الأردن قوة ضغط ام قوة تغييرية للسياسات الجارية؟ قبل هذا، يجب أن نسأل: ما المقومات والوسائل والعوامل التي تجعل الحركات الاجتماعية الأردنية قوى حقيقية فاعلة؟! وهل هذه المقومات موجودة لدى الحركات الاجتماعية في الأردن؟

إن فاعلية المنظمات الحركات الاجتماعية تتجسد من خلال تمتعها بالاستقلالية، وبتعدد مصادر قوتها المادية والبشرية، وتوافر نظام اجتماعي ديمقراطي حديث تباح فيه حريات التنظيم والنشاط والحماية القانونية لعملها .

ان الشواهد التاريخية الموضوعية تشير إلى أن المنظمات والحركات الاجتماعية الأردنية قد نشأت وترعرت في إطار ظروف عمل غير مواتية، حيث النظام الاجتماعي العشائري-العائلي، والسياسات الحكومية والتشريعات القانونية المقيدة، وتحكم الدولة بعدد من المؤسسات التي تجعلها أدوات للضبط السياسي واستقرار للحكم مثل القوات المسلحة والإعلام المرئي والمسموع، هذه الأدوات تمثل وسائل فعالة في تعطيل فاعلية المنظمات والحركات غير الحكومية، وهكذا فإن النشأة التاريخية لهذه التنظيمات كانت مأزومة واستمرت عبر مراحل تطورها في إطار عام مأزوم يتخلله مراحل من الانفراج النسبي.

وفي ما يلي يمكن متابعة أبعاد البيئة المحيطة بعمل التنظيمات والحركات الاجتماعية، وذلك عن طريق المحاور الرئيسية التالية:

أ- البيئة السياسية:

إن الحديث عن البيئة السياسية في المجتمع الاردني يعني أساساً الحديث عن الدولة الاردنية، فمنذ مطلع العشرينات والدولة الأردنية تشغل الحيز الأكبر من المجال العام، مما أرسى قاعدة سياسية وقانونية تعمل لصالح الدولة وعلى حساب المجتمع في أغلب الاحيان.

وتعبيراً عن هذه الحقيقة، قررت دساتير الأردن المتعاقبة (1928، 1946 و1952) دوراً مميزاً للسلطة التنفيذية مقارنة بالسلطتين التشريعية والقضائية. ومع أن الملك هو رأس السلطة التنفيذية، الا أن مؤسسة العرش سعت لحماية شرعية الحكم بوسائل معينة لم تلبث أن أصبحت جزءاً من تقاليد النظام السياسي، منها تشجيع قيام مؤسسات تمثيلية والمشاركة الانتخابية. كذلك اتسم السلوك السياسي للدولة الأردنية بالاعتدال والوسطية والتسامح تجاه المعارضة، وتفادي وصول التناقضات الاجتماعية والسياسية الى نقطة الانفجار. وفي الأوقات الحاسمة كان العرش يفصل نفسه بوضوح عن الحكومة وينتقد سياساتها ويتبنى احياناً مطالب الاصلاح والتغيير.

ونتيجة للتجارب السابقة، فقد اتخذت السلطة التنفيذية موقفاً سلبياً صريحاً، ولعدة عقود، من الأحزاب السياسية واعتبرتها مسؤولة عن تهديد أمن الكيان الأردني واستقرار الحياة السياسية. وحتى بعد اقرار قانون الأحزاب السياسية في عام  وتكريس شرعية وتعددية الأحزاب السياسية استمر هذا الموقف السلبي. وبالمثل فقد تعاملت بحذر وأحياناً بعُدائية تجاه الحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية التي تقودها قوى المعارضة وتلعب دوراً سياسياً، وتسعى الى تعبئة أعضائها والرأي العام لاتخاذ مواقف سياسية لا تتفق بالضرورة مع سياسات الحكم. لكن في المقابل فإن الدولة الأردنية اتخذت موقفاً مشجعاً للمنظمات المدنية ذات الطابع الاجتماعي والإنساني وشجعت على قيام العديد منها، ورعت مباشرة المبادرات الخاصة بإنشاء مرافق أو جمعيات تعنى بمكافحة الأمراض والإعاقات أو حماية البيئة.

كما اتخذ النظام موقفاً داعماً للأقليات الإثنية والدينية وللفئات الضعيفة سياسياً مثل المرأة. وفي أحيان عدة تحولت هذه الرعاية الى ما يشبه الوصاية على أنواع من المنظمات غير الحكومية، خاصة العاملة منها في مجال التنمية.

ب- البيئة القانونية:

تعتبر القوانين والتشريعات التي تحكم وتنظم عمل المنظمات والحركات الاجتماعية من أهم العوامل التي تحد من قدرة هذه المنظمات على ممارسة نشاطاتها المختلفة. لقد أكد الدستور الاردني، على حق الاردنيين في تأليف الجمعيات والاحزاب السياسية على أن تكون غايتها مشروعة ووسائلها سلمية ولا تخالف أحكام الدستور، وأن تخضع في تنظيمها للقانون وخاصة في مصادر إمداداتها المالية، كما أكد الميثاق الوطني (حزيران 1991)- وهو وثيقة ادبية ليس لها صفة القانون الملزم-  على حق جميع الفئات الاجتماعية في تنظيم نفسها في إطار تكريس التعددية ودولة القانون والمؤسسات. ومن أهم القوانين المنظمة لعمل المنظمات والحركات الاجتماعية في الاردن: قانون الجمعيات والهيئات الاجتماعية رقم 33 لسنة 1966 وتعديلاته، وهو القانون الذي تستند اليه السلطات في ترخيص معظم الجمعيات والمنظمات الاجتماعية والثقافية والرياضية، اضافة الى قانون العمل والاحزاب والنقابات المهنية وغرف الصناعة والتجارة.

إن نصوص كثير من القوانين ، قد أعطت صلاحيات للجهات الحكومية المعنية بالاشراف على المنظمات التي تقع ضمن اختصاصها أو في الترخيص لها أو حلها، وفيما يلي تعريف موجز ببعض هذه القوانين:

أولاً: قانون الجمعيات والهيئات الاجتماعية رقم 33 لسنة 1966 وتعديلاته.

ينظم هذا القانون شروط ترخيص وعمل المنظمات غير الحكومية، وعمادها الرئيسي الجمعيات الخيرية والتطوعية التي تتبع في عملها لوزارة التنمية الاجتماعية. ولكن هذا القانون ينظم كذلك عمل قسم كبير من المنظمات والحركات الاجتماعية التي تقع تحت اشراف وزارات أخرى وبخاصة وزارة الداخلية (نوادي الخرجيين والجمعيات والمؤسسات الثقافية والفنية) ووزارة الشباب (النوادي الرياضية ومراكز الشباب).

ويعرف القانون "الجمعية الخيرية" بأنها "أية هيئة مؤلفة من سبعة اشخاص فأكثر غرضها الأساسي تنظيم مساعيها لتقديم الخدمات الاجتماعية للمواطنين دون أن تستهدف من نشاطها أو عملها جني الربح المادي وإقتسامه أو تحقيق المنفعه الشخصية أو تحقيق أية أهداف سياسية"، ولا يشمل هذا التعريف الجمعيات السياسية أو الجمعيات أو الهيئات التي تنشأ بموجب قانون خاص، ولم يعرف المشرع عبارة "أهداف سياسية" حيث تركت مطلقة لتقدير وزير التنمية الاجتماعية.

أما "الهيئة الاجتماعية" فقد عرفت بأنها: "كل هيئة مكونة من سبعة أشخاص أو أكثر تقدم خدمات اجتماعية سواء كانت تلك الخدمات علمية أم ثقافية أم تدريبية أم خيرية أم فنية، ويشمل هذا التعريف المراكز الاجتماعية والفرق الفنية والمسرحية والمعاهد الموسيقية ومعاهد الثقافة الخاصة على أن يكون هدفها خدمة المجتمع دون جني الربح المادي واقتسامه أو تحقيق أية منافع شخصية أو تحقيق أية أهداف سياسية".

ومن الناحية الاجرائىة فقد أعطى القانون للوزير مهلة ثلاثة أشهر لإصدار القرار الذي يراه مناسباً بشأن طلب التسجيل. ولم يمنح الجمعيات والهيئات الاجتماعية حق الاعتراض على قرار الوزير لدى المحاكم. حتى جاء قانون محكمة العدل العليا لسنة 1992 الذي بات يفسح المجال للطعن بالقرارات الادارية. كما منح القانون الادارة العامة سلطات اشرافية واسعة على أية جمعية خيرية أو هيئة اجتماعية أو اتحاد وأن يفحص سجلاتها وأوراقها للتثبث من أن أموالها تصرف في الأغراض التي خصصت لها. وللتأكد بوجه عام من أنها تقوم بأعمالها وفق القانون، وللوزير الحق في أن يأمر بحل أية جمعية أو هيئة اجتماعية أو اتحاد إذا اقتنع أنها خالفت نظامها الأساسي، أو تصرفت بأموالها على غير الاوجه المحددة لها.

ثانياً: القوانين الناظمة لعمل النقابات المهنية 

تتميز النقابات المهنية من الزاوية التشريعية في أن  كل نقابة مهنية تتمتع بقانون خاص بها والشيء نفسه ينطبق على الأنظمة التي هي أحكام تفصيلية لتنفيذ القوانين. ومع أن نشأة النقابات المهنية هي خطوة تالية لسن قوانينها، إلا أن هذه القوانين الغيت واستبدلت بأخرى. وتصدر آلية التشريع الخاصة بقوانين وأنظمة النقابات المهنية عن الهيئة العامة للنقابة، ولكنها لا تصبح سارية المفعول إلا بعد مرورها بالمراحل الدستورية الاعتبارية مع الملاحظة أن مشاريع تعديل القوانين أو اقتراح القوانين الجديدة يتم في العادة من قبل الحكومة وتحال إلى مجلس النواب، وبالرغم من الاستقلالية الادارية لكل نقابة إلا أن كل واحدة منها تتبع في بعض شؤونها إلى إحدى الوزارات.

وتبرز مظاهر سلطة الاشراف التي تمارسها الحكومة على النقابات المهنية في القضايا التالية: مراقبة انتخابات مجلس النقابة وإجراء فحص كشرط من شروط القبول في النقابة، ومنح رخص مزاولة المهنة، وإخضاع شهادات المهنيين للمعادلة، واشتراط حصول المهني على خبرة لقبوله عضواً في النقابة، وحلف اليمين القانونية، وترأُس الوزراء المعنيّين للمجالس التأديبية النقابية، كما تتمتع الحكومة بصلاحية حل مجلس أي من النقابات المهنية لمقتضيات الامن والسلامة العامة. ولكن تجدر الاشارة الى أن هذا الحق المعطى قانوناً للحكومة لم يستخدم إطلاقاً على امتداد تاريخ النقابات المهنية، علماً بأن القوانين الجديدة التي صدرت في الاعوام الاخيرة، كما هو الحال بالنسبة لقانوني نقابة الفنانين او نقابة المهندسين الزراعيين لم تتضمن ما يخول الحكومة صلاحية حل مجلس النقابة.

ثالثاً: قانون العمل رقم 8 لسنة 1996

ينظم هذا القانون في فصله الحادي عشر تسجيل وعمل فئتين من المنظمات والحركات الاجتماعية هما النقابات العمالية ونقابات أصحاب العمل، إذ تنص المادة (98) فقرة أ من القانون على شروط تأسيس النقابة العمالية من قبل مؤسسين لا يقل عددهم عن خمسين شخصاً من العاملين في مهنة واحدة أو متماثلة، وتحدد الفقرة (ب) من المادة (108) شروط تأسيس جمعية أصحاب العمل من قبل مؤسسين لا يقل عددهم عن ثلاثين شخصاً في مهنة واحدة أو مهن متماثلة.

ويشترط القانون لتسجيل أي نقابة أو جمعية جديدة أن يقدم طلب التأسيس موقعاً من المؤسسين إلى مسجل النقابات والجمعيات في الوزارة مرفقاً بالنظام الداخلي وبأسماء أعضاء الهيئة الادارية الاولى المنتخبة من قبل المؤسسين.

ويعطي القانون لوزير العمل صلاحية التقدم بدعوى إلى محكمة البداية طالباً فيها حل أي نقابة إذا ارتكبت أي مخالفة لأحكام قانون العمل ولم تستجب إلى الانذار بإزالة المخالفة خلال المدة التي يحددها، وكذلك في حالة التحريض على ترك العمل أو الامتناع عنه أو الاعتصام أو التظاهر في الحالات التي يحظر فيها القانون ذلك.

عند النظر في نصوص القوانين التي صيغت بالاستناد إلى الدستور الاردني، نجد أنها أعطت صلاحيات واسعة للجهات الحكومية المشرفة، وغالباً دون تحديد شكلها، بحيث تبيح لها تقييد حرية العمل . وتتضمن هذه الصلاحيات الحق في رفض الترخيص أو حل منظمة قائمة، ويكون القرار غالباً غير قابل للطعن ، فضلاً عن ذلك فقد أجازت بعض القوانين للجهات الامنية حق التدخل في العضوية والاجتماعات، وأي شيء تراه متصلاً بحماية الأمن، الأمر الذي حد من قدرة المنظمات خلال فترات طويلة على استقطاب النشطاء اجتماعياً وسياسياً وثقافياً للعمل معها.

جـ- البيئة الاجتماعية والثقافية:

ان المجتمع الأردني مجتمع فتي تشكل الفئة العمرية دون سن  سنة ما نسبته . من السكان. وهذا يعني أن نحو نصف السكان هم خارج المشاركة في الحركات الاجتماعية. واذا أضفنا الى ذلك تدني نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة وبالتالي في النشاط الاقتصادي، فإن هذا يخفض طاقة المجتمع الموجهة نحو المشاركة في النشاطات السياسية والاجتماعية.

لكن المجتمع الأردني في المقابل مجتمع متغير بسرعة، حيث تضاف الى قوى العمل طاقات  شابّه جديدة بصورة دائمة، وهم في الغالب مزودون بتحصيل تعليمي جيد مما يفتح الباب أمام توسيع القاعدة الاجتماعية للمشاركة في المؤسسات الاجتماعية والمدنية وتقبل اشكال التنظيم الحديثة.

ويتسم المجتمع الأردني بارتفاع نسبة التحضر، حيث أدت الهجرات الريفية الى المدن الى ارتفاع نسبة سكان الحضر الى . من اجمالي السكان. وتصل هذه النسبة الى  في محافظة العاصمة والى  في محافظة الزرقاء و. في محافظة اربد. وهذا يعني توفير بيئة مناسبة لانتشار قيم وأشكال التنظيم الاجتماعي، غير أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها تناقضات معقدة، فالهجرة الى المدن بقدر ما تحمل من فرص للتحول الثقافي والاجتماعي، إلا أنها تمثل، على الأقل، في المدى القصير، "ترييفاً للمدن"، اي نقل للقيم التقليدية الى المدن.

ولقد أظهرت تجربة السنوات العشر الأخيرة ضعف التنمية السياسية، فالانتخابات البرلمانية الثلاثة (1989، ، ) برهنت على ان المشاركة السياسية والانتخابية كانت أقرب إلى اعادة انتاج العلاقات القرابية والجهوية، واصبح الانتماء للهويات الفرعية التقليدية غالباً هو العامل الحاسم في الانتخابات، لا سيما في ظل ضعف الأحزاب أو مقاطعة بعضها للانتخابات كمقاطعة الحركة الاسلامية لانتخابات 1997 . وحتى بالنسبة للذين انتقلوا للعيش والعمل في المدن الكبيرة (عمان، الزرقاء)، فقد كانت مشاركتهم السياسية تتم في كثير من الأحيان، في محافظاتهم الأصلية، وعلى أساس الانحيازات القرابية والجهوية وليس على اساس البرامج السياسية للمرشحين، وهو الأمر الذي أثار علامات تساؤل مقلقة حول الإطار المرجعي للانتماء: هل هو الوطن بأسره أم العشيرة والعائلة او الرابطة الجهوية؟!

إن أحد الملامح الهامة للبيئة الاجتماعية والثقافية هي الانقسام في المجتمع حسب الأصول الوطنية للاردنيين. فقد تجنب قطاع هام من السكان من اصل فلسطيني المشاركة السياسية في المؤسسات ذات الطابع الوطني العام، كالأحزاب والبرلمان، حيث اقتصرت هذه المشاركة، اما على الفئات المثقفة التي تعتنق مذاهب أيديولوجية محددة أو تسعى للتغيير الشامل لخارطة المنطقة، أو على الفئات التي اندمجت بصورة كاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية الأردنية وتسعى لحماية هذه المصالح. في المقابل فقد حرصت الغالبية الساحقة من سكان المخيمات والاحياء الفقيرة الى تجنب الاندماج السياسي والحفاظ على هويتها الوطنية الأصلية من خلال اشكال التعبير والتنظيم التي تعيد انتاج العلاقات الاجتماعية والثقافية والقيم والرموز المتصلة بأصولها الوطنية أو الجهوية الاصلية في فلسطين. ولجأت أكثرية من المثقفين ذوي الأصل الفلسطيني الى النشاط من خلال مؤسسات ومنظمات نقابية أو ثقافية تفسح المجال أمامها للتعبير عن اهتمامتها السياسية مثل النقابات المهنية وبعض المنظمات النسائية او الروابط الثقافية. ذلك ان استقلالية هذه المنظمات عن النفوذ الحكومي افسحت المجال أمام تحميلها برامج ونشاطات ذات طابع سياسي وثقافي ترتبط بهموم وتطلعات هذه الفئات، مثل دعم كفاح الشعب الفلسطيني وانتفاضته ضد الاحتلال، او مكافحة الصهيونية والتطبيع مع اسرائيل.

4- فاعلية الحركات الاجتماعية في الأردن:

يحتاج تقييم فاعلية الحركات الاجتماعية في الأردن عبر تجربتها التاريخية الى تقييم لأدواتها المستخدمة لتحقيق اهدافها، والمعوقات والنواقص التي تجابهه نشاطها وتقدمها، في حين ان مستقبل حركتها مرهون بالتحولات الدولية وما تفرضه من آثار على الدولة والمجتمع في الأردن.

أ- آليات عمل الحركات الاجتماعية في الأردن

تعكس البيئة السياسية والقانونية والاجتماعية نفسها على سبل وآليات عمل الحركات الاجتماعية في الأردن، على الرغم من تنوع مجالاتها وأشكالها. فالهامش المحدود من الديمقراطية والحريات والاستقرار السياسي المتوفر في الأردن يساهم بشكل هام في اتخاذ الحركات الاجتماعية آليات عملها، بحيث لا تغدو تتجاوز حدود هذا الهامش فقد يؤدي ذلك الى قمعها أو حتى منع نشاطها من قبل الحكومة، ولا تصل بها الأمور الى التراجع عن أهدافها وقيمها، وفي سبيل تحقيق الحركات الاجتماعية الأردنية لأهدافها فإنها تقوم بتنظيم عملها عبر لجان متخصصة حسب الموضوع والأسلوب، وأغلب اللجان المتوفرة دوماً (اللجنة الإعلامية، اللجنة التثقيفية، اللجنة الاجتماعية) في اغلب الجمعيات، أما الجمعيات التي يتركز فيها النشاط السياسي والمناهض للسياسات القمعية والاستغلال الاجتماعي، فيظهر فيها لجان اخرى الى اللجان السابقة مثل لجان (الحريات، نصرة العراق وفلسطين، المساعدة القانونية). ويمكن تحديد آليات عمل الحركات الاجتماعية في الأردن بالتالي:

1- الأسلوب الإعلامي: تقوم عديد الحركات الاجتماعية باستخدام وسائل الإعلان لتحقيق أهدافها، سواء باصدارات اعلامية ذاتية، او بالتعاون مع وسائل الإعلام المختلفة، ولا تكاد تخلو اي من الحركات الاجتماعية من استخدام هذه الوسائل الإعلامية المختلفة التي تسعى الى تحقيق غايتين، الأولى تقديم مطالب وضغط على صانع القرار لتحقيق مطالب وأهداف معينة، وتستخدم في هذا المجال اسلوب اصدار بيانات إعلامية والتي غلباً ما تكون مطالبها تعديل سلوك صانع القرار في مجالات اصدار قوانين او حيال الحريات العامة والديمقراطية، او تكون حركة احتجاجية اعلامية لقضايا عربية ودولية، وخاصة فلسطين والعراق، وغالباً ما يجابه هذا الأسلوب بالاحتواء او القمع من قبل الأجهزة الحكومية، وتخف كثيراً في حالة اذا كان البيان اخذ شكل اصدار بيان مكتوب. وتستخدم هذا الأسلوب غالباً النقابات والمنظمات النسائية وحقوق الانسان.

وأما الغاية الثانية، فهي تقديم منظمة الحركة الاجتماعية الى المجتمع لتعريف الناس عليها، وذاك يكون باستغلال الفرص الاعلامية المسموعة والمقروءة. أو بأن تقوم الحركة الاجتماعية ذاتها باصدار نشرة إعلامية لذلك، ويلجأ جزء لا بأس به من المنظمات والحركات الاجتماعية لهذه الاصدارات الا انها تجابه بمشكلة ضعف الإمكانيات المالية لهذه الحركات مما يجعل جزء ليس بقليل من الحركات الاجتماعية لا تقوم باصدار نشرات، او عدم الاستمرارية في نشرها.

2-  الأسلوب التثقيفي: تلجأ أغلب الحركات الاجتماعية على اختلافها الى الاسلوب التثقيفي وان كان بدرجات متفاوتة، ومن هذه الأساليب وأكثرها هو تنظيم الندوات والمحاضرات حول مواضيع مختلفة منها سياسية حول الاوضاع الاقليمية كالصراع العربي الصهيوني وغيرها، وحول قضايا اردنية مثل الديمقراطية والحريات والوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية وغيرها، أو قضايا اجتماعية تعنى بالمرأة والشباب والصحة الإنجابية والطفولة والبيئة والتنمية الاجتماعية وغيرها. وتستخدم هذا الاسلوب اغلب المنظمات الثقافية ومراكز الدراسات وحقوق الانسان والبيئة والمرأة والنقابات والأندية والجمعيات الاجتماعية الخيرية، ولا تجابه هذه النشاطات بقيود امنية الا بعض المواضيع السياسية، وخاصة بعد تعديل قانون الاجتماعات العامة في آب 2001 الذي يقيد الاجتماعات العامة بحيث تضررت كل من المسيرات الاجتماعية والندوات بشكل خاص من هذا القانون.

ومن الأساليب الأخرى تنظيم الدورات والورش التدريبية، الا ان فئاته المستفيدة اقل من الندوات وتكون متخصصة في مجالات معينة، وتستخدم بعض المنظمات هذا الاسلوب كالمنظمات النسائية وحقوق الانسان، واما اسلوب اعداد الدراسات واصدارها، فهو مقتصر على بعض المنظمات مثل مراكز الدراسات وبعض المنظمات الثقافية والسياسية والنسائية.

ويعد الأسلوب التثقيفي من اهم النشاطات للحركات الاجتماعية في الأردن لأنه يفتح سبلاً متعددة للاتصال مع المجتمع الأردني وتوجيه قيمه، الا ان درجة استخدام هذه السبل تختلف بين المنظمات والحركات الاجتماعية تبعاً للإمكانيات المادية التي تحتاجها بعض هذه النشاطات، الا أنه وبلا شك، كان لهذه النشاطات أثر هام في توجيه قيم وسلوك واهتمامات المجتمع الأردني.

3- أسلوب الرصد والمراقبة: ويتمثل هذا الأسلوب في رصد الظواهر الاجتماعية وتوثيقها وتبويبها، ويمكن أن تستخدم كمادة أساسية للإعلام والدراسات وغيره، وتستخدم بعض المنظمات والحركات الاجتماعية الأردنية هذا الأسلوب في مجالات حقوق المرأة وحقوق الانسان والبيئة والديمقراطية والطفولة، اي في القضايا الحقوقية للمجتمع الأردني، ويواجه هذا الأسلوب قلة الإمكانيات المادية لما يحتاج هذا الاسلوب من كوادر بشرية فنية مستمرة في نشاطتها، كما يواجه انتقادات حكومية وعدم ارتياح من قبلها لهذا الأسلوب. فهي تنظر له على ان الحركات الاجتماعية ترى في نفسها وصياً او مقيماً على المجتمع الأردني.

4- اسلوب تقديم الاستشارات: تستخدم بعض المنظمات والحركات الاجتماعية اسلوب تقديم الاستشارات في مجالات عديدة كقضايا المرأة والطفولة وحقوق العمال وأوضاع المهنيين وحقوق الانسان وغيرها، وغالباً ما تسعى هذه الحركات بتقديم الاستشارات لصانع القرار على مستوى السلطة التنفيذية او السلطة التشريعية في سبيل تعديل تشريعات او سلوك حكومي منافي لمصالح المجتمع والأفراد، او لتقديم مبادرات تأسيسية للحكومة بهدف حماية فئة اجتماعية او تحسين اوضاع معينة. او على العكس من ذلك، ان تبادر الحكومة، وأحيانآً قليلة مجلس النواب،  الى الطلب من المنظمات لتقديم الاستشارات، وعلى الرغم من عدم احتياج هذا الأسلوب الى الامكانيات المادية، الا أنه يعتمد على درجة التعاون والانفتاح بين الحكومة والحركات الاجتماعية، وهذه الدرجة ما زالت محدودة.

كما تقدم بعض الحركات الاجتماعية في الأردن كمنظمات المرأة وحقوق الانسان والنقابات بعض الاستشارات القانونية للأفراد، مثل ما تقدمه المنظمات النسائية استشارات للنساء المعنفات.

5- اسلوب تقديم المساعدة المباشرة للأفراد: حيث تقوم بعض الحركات الاجتماعية الأردنية بتقديم مساعدات مباشرة للأفراد دون مقابل، مثل ما تقوم به الجمعيات الخيرية والاجتماعية بتقديم المساعدات المادية (مال، طعام، ملابس، احتياجات مدرسية للأطفال،) الى المحتاجين والفقراء وخاصة في المخيمات والارياف، وأثناء المناسبات الدينية.

كما تقوم بعض الحركات الاجتماعية بتقديم المساعدة القانونية، لا فقط على مستوى الاستشارة بل التوكيل والدفاع عن المضطهدين، مثل ما تقوم به بعض منظمات حقوق الانسان والمرأة بتقديم المساعدة القانوية بالتوكيل عن المضطهدين في المحاكم الأردنية، او بمخاطبة السلطات الرسمية لوقف الاضطهاد او ارجاع الحق لصاحبه.

وفيما يحتاج اسلوب المساعدة المادية الى توفير مداخيل لهذه المنظمات لتقديمها للمحتاجين، فإنها تسعى للحصول عليها بسبل شتى من بعض المتبرعين افراداً ومؤسسات، وهي بذلك ساهمت في تخفيف بعض الاوضاع البائسة للمحتاجين، الا أنها وبكل الأحوال ليست بديلاً عن الحاجة الى برنامج اجتماعي اقتصادي وطني لمجابهة مشكلات الفقر والبطالة.

وفيما ان اسلوب المساعدة القانونية يحتاج الى متطوعين أكفاء ناشطين بشكل مستمر، الا ان هذا الاسلوب لا يستفيد منه في الأردن الا بعض الفئات والحالات، مثل حالات الاعتقال السياسي، وبعض ما تقوم به المتطوعات من النساء، الا أن جزءاً كبيراً من المضطهدين في الأردن لا يستفيدون من هذا السبيل. كما ان الحكومة الأردنية غير متعاونة بشكل كاف حين مخاطبتها من بعض المنظمات، فلقد اشار تقرير المنظمة العربية لحقوق الانسان في الأردن لعام 2001 الا ان الحكومة لم تستجب سوى الى 10 من طلباتها.

6- أسلوب الترفيه الاجتماعي: فتعمد اغلب الحركات الاجتماعية في الأردن الى هذا الاسلوب، وتهدف منه الى توطيد الاواصر الاجتماعية بين اعضاء المنظمات والحركات الاجتماعية في سبيل تحقيق الاستمرارية للعضو في المنظمة وتعزيز القيم الاجتماعية التعاونية.

على الرغم من جميع ما أحاط ويحيط بالمنظمات والحركات الاجتماعية في الأردن من تقييدات وضوابط وتعطيل للعمل، إلا أنها استطاعت أن تحقق ما يثبت قدرتها وجدواها، فأحداث نيسان 1989 وما تلاها من انفراج سياسي هي أحد الأمثلة القوية التي تبين قدرة الحركات الاجتماعية على التأثير في سياسات الحكم وتصحيح معادلة النظام السياسي الذي هو حسب الدستور "نظام نيابي ملكي" وإلى تفعيل الجانب البرلماني والتعددي في النظام السياسي.

وقد شهدت السنوات الاثني عشرة الأخيرة جملة من الاختبارات الهامة للمنظمات والحركات الاجتماعية التي اكدت قدرتها على التأثير في السياسات العامة للحكم وإجراءاته، ولعل أبرز هذه الاختبارات ما يلي:

1- شهدت السنوات الأولى من بدء التحول الديمقراطي1991/90 محاولات وجهود مكثفة لإقامة اتحاد للشباب وآخر للطلبة، وقد نجح الطلبة في إقامة اتحادات موقعية لهم في مختلف الجامعات، بينما فشل الشباب في تحقيق مطلبهم.

2- جاءت مبادرة الاتحاد العام للجمعيات الخيرية عام 1992 في إنشاء مركز الأمل للسرطان وجمع التبرعات له، وقد بدت هذه المبادرة كمحفز لمبادرات مدنية جديدة لإنشاء جمعيات للعناية بأمراض التلسيميا والسكري والمعاقين وغيرها، وكما شكلت ضغوط المجتمع المدني الأساس لفرض قوانين وتشريعات متطورة، ومنها تشغيل ما نسبته  من الموظفين في المؤسسات العامة من المعاقين حركياً.

3- لعبت الحركات الاجتماعية دوراً حيوياً في مقاومة التطبيع مع إسرائيل، اذ ان موافقة مجلس النواب على معاهدة وادي عربة 1994/11/26 بأغلبية () صوتاً من أصل (80) عضواً ثم موافقة مجلس الأعيان بإجماع الأعضاء الحاضرين (34 من أصل 40)، قد أدخل الانقسام إلى المجتمع الأردني، وقد تركزت المعارضة في النقابات المهنية على مقاومة بعض ترجمات تطبيقها مع إسرائيل وهو ما عرف باسم "مقاومة التطبيع"، وبرغم انزعاج السلطة التنفيذية من النشاطات المعارضة للتطبيع خلال الفترة الأولى بعد توقيع المعاهدة إلا أنهم انتهوا إلى التسليم عملياً بمشروعية المواقف والنشاطات السلمية المناهضة للتطبيع.

4- أظهرت غرف الصناعة والتجارة وجمعية رجال الأعمال مقاومة شديدة في وجه الحكومة عندما فرضت قانون ضريبة المبيعات في عام 1995، وعلى الرغم من نجاح الحكومة في فرض القانون إلا أنها اضطرت إلى ممارسة بعض التكتيكات غير المألوفة مثل نشر دراسات تدعم قانون ضريبة المبيعات في الصحف اليومية على شكل إعلانات تجارية في وجه المعارضة الواسعة للقانون، وقد مررت الحكومة القانون في البرلمان بعد أن تعهدت بتنفيذه على مراحل.

5- تعرضت النقابات المهنية إلى مضايقات ومحاولات تستهدف الحد من دورها السياسي ودعوتها للانصراف إلى واجباتها المهنية، لكن هذه الحملات فشلت في مس أوضاع النقابات المهنية، وانتهت جميع المحاولات بمصالحة مع النقابات.

6- لقد دعت اكثر من نصف الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وبعض المنظمات النسائية إلى مقاطعة الانتخابات النيابية العامة عام 1997، إثر عدم استجابة الحكومة لعدد من المطالب الشعبية وفي مقدمتها تعديل قانون الانتخاب وقانون المطبوعات والنشر، ومع أن المقاطعة لم توقف الانتخابات إلا أنها شككت في نتائجها وأفقدتها قدراً من شرعيتها.

7- خلال السنتين السابقتين على انتخابات عام 1997 البرلمانية، انتظمت حملة نسائية لضمان تمثيل لائق للمرأة في البرلمان، وتشكلت لجان نسائية لممارسة الضغوط على البرلمان والحكومة إلا أن هذه الجهود فشلت في تحقيق نتائج تذكر، وقد دعم تجمع لجان المرأة الأردنية الذي تقوده الأميرة بسمة حملة لترشيح مجموعة من النساء للبرلمان إلا أن هذه الحملة قد فشلت أيضاً. لقد أسفر فشل هذه المحاولات في بلورة اتجاه ضاغط لصالح اعتماد حصة من مقاعد المجلس النيابي تخصص للمرأة (Quota) بالتنافس الحر بين النساء، كما قاد إلى رعاية الأميرة بسمة، أخت المغفور له الملك الحسين للتوجه نحو قضية المرأة والعمل النسوي ودعم تشكيل تجمع نسائي كبير ومركز متخصص لشؤون المرأة.

8- شاركت عشرات المنظمات المدنية في رفض قانون المطبوعات لسنة 1998، وفي مقدمة هذه المنظمات: النقابات المهنية ورابطة الكتاب واتحاد الناشرين ونقابة الصحفيين ومراكز الأبحاث وغيرها، ومع ذلك نجحت الحكومة في إقرار القانون في البرلمان، الا أن الحكومة التالية وعدت بتطبيق القانون بصورة مخففة بعيداً عن فرض العقوبات القاسية التي نص عليها. واستجاب الملك عبد الله الثاني بعد توليه العرش لدعوات الصحفيين لتعديل القانون، فأوعز للحكومة للاستجابة الى تلك المطالب، فتقدمت الى البرلمان بعدد من التعديلات الجوهرية على القانون.

9- واجه الأردن في صيف عام 1998 أزمة جديدة تتعلق بتلوث مياه الشرب في العاصمة، ورغم محاولات تكتم السلطات الحكومية وإخفائها المعلومات عن الجمهور إلا أن الجهود المشتركة للصحافة المستقلة والبرلمان وبعض منظمات المجتمع المدني استطاعت كشف حقائق فضيحة تلوث المياه الأمر الذي أجبر وزير المياه على الاستقالة وحولت الحكومة المتهمين المسؤولين عن تلوث المياه إلى المحاكم.

10- قامت المنظمات والحركات الاجتماعية في الأردن وعلى اختلاف اصنافها بالعديد من المسيرات والمظاهرات جابت مختلف مناطق الأردن مع بدء انتفاضة الاقصى في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 2000 منددة بالعدوان الاسرائيلي، مما عزز من توجه الحكومة الأردنية بدعم الموقف الفلسطيني ووقف التطبيع الدبلوماسي مع الاسرائيليين.

11- رفعت العديد من المنظمات النسائية وبعض ناشطي حقوق الانسان في الأردن مطالبات الى الحكومة لتعديل المادة 340 والمتعلقة فيما يعرف بجرائم الشرف، وعلى الرغم من رفض مجلس الأمة لمشروع تعديل المادة، الا ان الحكومة الأردنية وبدعم من القيادة الهاشمية تم تعديل المادة بصيغة قانون مؤقت.

هذه اهم الشواهد الواقعية على ما حققته بعض الحركات الاجتماعية في الأردن من ضغط على الحكومة نحو تحقيق اهدافها، الا ان هنالك الكثير من الامور والمطالب لم تستجب لها الحكومة وذلك لارتباط القرار الحكومي بالعديد من المتغيرات الاخرى، واهمها النظام الدولي والتي اصبحت أكثر من اي وقت مضى مؤثرة على حركية الحركات الاجتماعية حاضرها ومستقبلها.

5- مستقبل الحركات الاجتماعية الأردنية في ظل العولمة

يحتاج تقديم تصور مستقبلي للحركات الاجتماعية الأردنية في ظل العولمة الى معرفة التحولات الحاصلة على بنية النظام الدولي المعاصر باتجاه نسق العولمة، واتجاهات اثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الدولة الأردنية، ومن ثم تقديم ملامح مستقبلية للحركات الاجتماعية الأردنية.

أ- بنية النظام الدولي المعولم.

يرتبط الحديث ببنية النظام الدولي المعولم بالصراعات الحاصلة باتجاه تشكيل النسق الجديد لهذا النظام الدولي، فالعولمة لم تكتمل عناصر تشكلها تماماً، بيد ان هنالك اتجاهات صراعية يعيشها النظام الدولي المعاصر، فهناك اتجاه صراعي مترابط قائم على التمركز  والتشتت، اي التمركز في النظام الاقتصادي الرأسمالي من اندماج للشركات والبنوك والبورصات والتكتلات الإقتصادية وتكامل الاقتصاد العالمي، يقابله تشتت اجتماعي من تمزق للدولة وللصراعات الأهلية وحالة الاغتراب الثقافي وما ينتج عن هذا الاتجاه مرتبط بظاهرة صراعية اخرى بين النظام الرأسمالي والدولة القومية، فالنظام الرأسمالي يعيد تشكيل وظيفة الدولة القومية، فلم تعد هي الاداة الوحيدة الفاعلة لحماية حركية النظام الرأسمالي، ومن ثم، فدور الدولة اصبح يختلف حسب الموقع في النظام الرأسمالي الآخذ هذا الأخير شكل الامتصاص لصالح المركز على حساب الاطراف، وما ينتج عنه من تحول في مهام الدولة القومية بالتراجع عن دورها الاجتماعي طبقاً لسياسات التكيف الهيكلي والتصحيح الاقتصادي والخصخصة وفتح الاسواق والاستثمار لرؤوس الاموال العالمية.

ويعكس هذا تحولات في بروز الظاهرة الصراعية الثالثة وهي الصراع بين قيم السوق والديمقراطية، فإذا كانت الديمقراطية وانتشارها من احد الأولويات الأساسية في القرن العشرين كقيم سياسية للمجتمعات والدول، فإن قيم السوق تفرض مفاهيمها المنافسة لقيم الديمقراطية في بداية القرن الحادي والعشرون.

هذه الاتجاهات في الصراع داخل النظام الدولي المعولم، أدت الى تحولات بدت تضح في بنية النظام الدولي من حيث تعدد وحداته الفاعلة، فلم تعد الدولة هي الفاعل الوحيد في النظام الدولي، بل هنالك فواعل آخرين فيه ويمكن ذكر  فواعل النظام الدولي المعولم والتحولات الجارية فيه بالتالي:

1- الدولة القومية: ويمكن ذكر اهم التحولات الحاصلة عليها.

- تراجع مكانة الاقليم للدولة.

- ربط البعد المحلي بالبعد العولمي.

- تنحي الدولة كمتغير تابع في المجتمع العالي.

فثورة المعلوماتية وتكامل السوق ادى الى هذه التحولات الهامة ومن ثم تغير حجم تأثيرها ودورها، وفيما يخص علاقتها بالمجتمع فلم تعد الدولة هي المسؤول الوحيد عن نشاط المجتمع، فالجانب السياسي للدولة متأثر بالمنظمات الدولية والاعلام العالمي، مع اختلاف تأثير ذلك حسب موقع الدولة في النظام الدولي، فهذا ينطبق اكثر في دول العالم النامي من الدول القوية، وأما الجانب الاقتصادي فأصبح مرهون أكثر بحركة السوق العالمي وبالشركات متعددة الجنسية، واما الجانب الاجتماعي فإن الدولة بتخليها عنه لاعتبارات السوق العالمي الرأسمالي والمنظمات الاقتصادية الدولية فإن المنظمات غير الحكوية والحركات الاجتماعية تعمد ما أمكن الى سد هذا الفراغ. وبهذا فإن نشاط الدولة في ظل نظام العولمة ينحى تجاه التفتت.

2- القوى الاقتصادية الدولية: كالشركات متعددة الجنسيات والتكتلات الدولية والمنظمات الاقتصادية، فتعمد الشركات متعددة الجنسيات الى اعادة هيكلة النظام الرأسمالي وارتهانه بها خارج الحدود الضيقة للدولة، وهي بذلك تسيطر على مجالات هامة في الاقتصاد الرأسمالي، فتسيطر على اكثر من 70 من حجم التجارة العالمية، وعلى اكثر من ثلث الانتاج العالمي، وامتلاكها 90 من ايرادات الاختراع، وتصل قوى بعض الشركات منها الى اكبر من قوة قارة امريكا اللاتينية او افريقيا. وهي بهذا تعتمد في هدفها الربحي على تحقيق تمركز لرؤوس الأموال بشبكة امتصاصية اعدت لذلك من جميع مناطق العالم حيث يرنو عدد فروعها على ربع مليون في جميع انحاء العالم، ومع ما تملكه من قوى اقتصادية فإنها تمتلك ادوات هامة متعددة في اسلوب الضغط على الدول (خاصة النامية منها) لتحقيق منافعها بتوسيع حرية الحركة عبر الدول تفادياً للعقبات القانونية والضريبية التي تواجهها في بعض الدول.

واما عن التكتلات الاقليمية، فهي تتسع بحيث لا يكاد يوجد منطقة في العالم تخلو من التنظيم الاقليمي، فيوجد في العالم في عام 1995 حوالي 45 نطاقاً من انظمة التكامل الاقتصادي، وأكثر من 100 منطقة تجارة حرة واتحاد جمركي.

وبهذا فإن الدولة اصبحت توكل عديد مهامها الاقتصادية الى تنظيمات دولية بسبب عدم قدرتها على ذلك، فالدول الغنية الرأسمالية تسعى الى التنظيم الاقتصادي الاقليمي في سبيل تعزيز سبل تعظيم سيطرتها على الاقتصاد العالمي، فيما ان الدول النامية تسعى في هذا الاتجاه في سبيل حماية ما بقي لديها من امكانات وثروات.

واما المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي فهما يمارسان سياسات تسهم في هيكلة النظام الاقتصادي الدولي نحو دمج دول العالم النامي بالسياسات التراكمية للنظام الرأسمالي وحماية لمصالح الدائنين، وهذا بدوره يكون على حساب مصالح الدول النامية، مخلفة وراءها مشاكل اجتماعية عند تعزيزها سياسات الانفتاح والخصخصة والتقشف مما يؤدي الى زيادة ظاهرة الفقر والبطالة نتيجة لهذه السياسات.

3- المنظمات والحركات الاجتماعية غير الحكومية: فنتيجة لهذه السياسات الاقتصادية، وتراجع لدور الدولة، خاصة الاجتماعية منه، وتعاظم المشكلات الاجتماعية في ظل الاتجاه نحو نسق العولمة من تنامي ظواهر الفقر والبطالة والمشكلات البيئية وانتهاك حقوق الانسان والنزاعات الأهلية التي تزيد بكثير عن الحروب الدولية، بدأ دور المنظمات والحركات الاجتماعية غير الحكومية يزداد عدداً ودوراً في سبيل سد الاحتياجات الانسانية والاجتماعية التي تعيشها المجتمعات خاصة في دول العالم النامي.

وعلى الرغم من تاريخية نشوء هذه الحركات والمنظمات الى ان أبرز ملامح المرحلة المعاصرة والمستقبلية هو تنامي نشاطها على الصعيد الدولي، وهذا بالطبع انعكاس لحركية تفاعل النظام الدولي من تفاعلية العلاقات الدولية (International relations) الى تفاعلية العلاقات عبر الدول (transnational relations)، ومن تفاعلية النشاط السياسي والعسكري بالدرجة الاولى الى تفاعلية النشاط الاقتصادي بالدرجة الاولى، وبذلك فبدت حركية الحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية تنحى بشكل اوسع في مجالات تهم المجتمعات من الناحية الانسانية لترابط الظواهر والمشكلات في عديد المناطق كالبيئة وحقوق الانسان والفقر والجوع والبطالة التي هي ظواهر عالمية وليست محلية، اي وجودها في عديد المناطق، وان لم توجد في مناطق محددة كدول العالم المتقدم اقتصادياً فإن ارتباط اسبابها في حركية النظام الرأسمالي يجعل الظاهرة تأخذ شكلاً عالمياً، ومن هنا فإن الحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية أخذت هذه الحركية كذلك انعكاساً للتحولات الاقتصادية والاجتماعية الدولية.

وهذا بدوره ما ادى الى تطوير نشاط هذه الحركات والمنظمات وذلك بالتالي:

1- ولوجها للمنظمات الدولية، حيث حصلت المنظمات غير الحكومية على الصفة الاستشارية في الأمم المتحدة، على الرغم من محدودية الذين حصلوا على هذه الصفة منها، الا ان نشاطها يتسع في مجال مشاركتها في المنظمات الدولية التي تعقدها الامم المتحدة ويكفي الاشارة في تنامي دورها ما قامت به هذه المنظمات والحركات في مؤتمر دربان لمناهضة العنصرية ومدى قدرتها على احراج الدول العظمى كالولايات المتحدة واسرائىل.

2- تنامي عددها والتحول في اهتماماتها، حيث اشار تقرير التنمية البشرية لعام 2002 ان عدد المنظمات غير الحكومية الدولية وصل 37281 منظمة عام 2000 بنسبة زيادة عن العام 1990 حوالي 19.3 واما عن التحول في اهتماماتها فإن موضوعات هذه المنظمات التي تعنى بها قد شهد زيادة في عدد المنظمات المعنية بالخدمات الاجتماعية، الصحة، القانون والمحاماة، الدين، الزراعة، التعليم، البيئة، الدراسات، التنمية الاقتصادية، وشهدت المنظمات المعنية بالسياسة واجراءات الدفاع تراجعاً في عددها.

3- اتباعها سبل الشبكة فيما بينها لاستحواذ اهتمام العالم، ويظهر ذلك في المؤتمرات والمحافل الدولية وتستفيد بذلك من فرص ما توفره وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات.

4- توفير المساعدة، ويتأتى لها ذلك بشقين، الاول تقديم المساعدات المادية للفقراء والمعوزين في دول العالم الثالث، وهي تتعاون بذلك مع بعض المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية في المناطق الغنية، والثاني هو توفير المعلومات الهامة حول حالة الانسان والاضرار الواقعة عليها نتيجة لسياسات العولمة في مجالات البيئة وحقوق الانسان والفقر والبطالة .. الخ.

وبهذا فإن تنامي نشاط الحركات والمنظمات الاجتماعية يعكس اهميتها ومدى قدرتها على درئ الأخطار ما أمكن على الانسان وتعزيزها للقيم والأخلاق وهي بذلك تمثل المنظور المعياري المعاكس للمنظور الواقعي للعولمة، الا أنها ما زال نتاج نشاطها على المستوى الدولي وقدرتها على تحقيق اهدافها محدوداً والحكم عليها ما زال مبكراً.

ب- آثار العولمة على الأردن

يتباين تأثير العولمة على الدولة وفقاً لموقعها في النظام الدولي، والأردن دولة صغيرة اقتصادياً وسكانياً وجغرافياً وموارده محدودة، وهو يعتمد على المساعدات الدولية الى جانب انتاجه البسيط لسد احتياجاته الأساسية، ولا يمتلك سلع استراتيجية للتصدير كالبترول وغيره، وبهذا فهو يعد دولة نامية من دول العالم الثالث، اي دولة تابعة اقتصادية في ظل النظام الرأسمالي المعولم، ويمكن وصف آثار العولمة على الأردن بالتالي:

(1) على الصعيد الاقتصادي.

كان للعولمة آثار هامة على الأردن من الناحية الاقتصادية، حيث ارتبط اقتصاد الأردن بسياسات التكيف الهيكلي والاصلاح الاقتصادي مع مؤسستي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي منذ عام 1989 وما زال حتى الآن في سبيل تأمين عوائد لسداد الديون المترتبة عليه للدائنين، وقد تطلب ذلك انتهاج سياسة الخصخصة وفتح الاسواق للمستثمرين الاجانب، حيث باعت الحكومة الأردنية اهم الشركات التي لديها للقطاع الخاص بحجة اعادة هيكلة اقتصادية نحو تحسين النشاط الاقتصادي، بيد أن عوائد التخاصية لم تستثمر بشكل مفيد نحو تعزيز الانتاجية او استثمارات جديدة بل كانت توضع ضمن الموازنة كإنفاق احلالي لا اضافي دلالة على الركود الاقتصادي وعدم قدرة ارتباط الخصخصة بسياسات التنمية بشكل جاد.

وعلى الرغم مما فتحته الخصخصة من فرص جديدة للعمل حيث ازدياد الحاجة الى بعض المهن والفنيين في مجالات محددة وجديدة، الا انه ايضاً كان من نتاجات ذلك الاستغناء عن بعض العاملين، واستغلال الاستثمار الأجنبي للعمالة الأردنية.

(2) على الصعيد السياسي

فعند تتبع مسيرة التحولات الاقتصادية في الأردن، خاصة بعد الارتباط بسياسات التكيف الهيكلي والتصحيح الاقتصادي، يظهر أن حالة انفتاح سياسي في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان منذ الفترة 1989-1993 واكبها، الا ان ذلك بدأ في حالة تراجع بعد عام 1993 نحو تقييد اوسع للحريات والديمقراطية وحقوق الانسان حتى العام الحالي 2003، من حيث تقييد نشاطات الاحزاب وعدم قدرتها على تمثيل ذاتها في البرلمان، وتوقف الحياة البرلمانية لمدة اكثر من عام ونصف، ومضايقات على صعيد الممارسة والتشريع للصحافة، واعتقالات واسعة واجراءات امنية للمشاركين في المسيرات واصدار تشريع يحظر عقد الاجتماعات الا بموافقة الحاكم الاداري، وتوسيع صلاحيات محكمة أمن الدولة العسكرية وغيرها من الامور التي تحد من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. بهذا فإنه مع الاستمرار بسياسات التكيف الهيكلي والاصلاح الاقتصادي والخصخصة ومجمل الظروف الاقليمية والدولية في ظل نظام العولمة نحى الأردن بسياسات تقييدية في مجال الديمقراطية بالرغم من بعض المظاهر الديمقراطية التي تطرح من وقت لآخر من قبل الحكومة الأردنية، الا انها لم تكن بالمستوى الذي يمكن به اعتبار الديمقراطية في حالة تطور، بل هي بين مرحلتي المراوحة والتراجع.

وضمن هذه الظروف التي يعيشها الأردن في ظل النظام الدولي المعولم وآثارها السياسية والاقتصادية تأثرت الحركات والمنظمات الاجتماعية في نشاطها وحركتيها، ومع استمرار التحولات المفترضة نحو نسق العولمة فإن مستقبل حركية وتطور الحركات والمنظمات الاجتماعية في الأردن يرتبط بها.

جـ - سيناريوهات مستقبل الحركات الاجتماعية في الأردن

يمكن تقديم ثلاثة سيناريوهات مستقبلية للحركات الاجتماعية الأردنية تتعدد اتجاهاتها نحو التطور والمراوحة والتراجع. سيناريو تطور الحركات الاجتماعية (المصالحة)

يتجه مستقبل الحركات الاجتماعية الأردنية لينسجم مع التطورات الدولية والاقليمية المعززة لدور الحركات الاجتماعية في العالم، اي الانطلاق من فرضية تعزيز دور الحركات الاجتماعية في العالم.

فمع احتمال استمرار تراجع الدولة، وزيادة عدد المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية في العالم واستمرار تحول اهتماماتها نحو القضايا الاجتماعية والصحية والتعليمية والبيئة والمرتبط باستمرار الاشكاليات السلبية للعولمة في مجالات حقوق الانسان والبيئة والعمال والحقوق الاجتماعية والمرأة، واستمرار الفجوة في الدخول ومستويات التنمية بين الدول الغنية والفقيرة، واستمرار تعزيز قيم حقوق الانسان والمشاركة والتنمية عبر المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وما تشيعه من اتفاقيات دولية في هذا الاطار، كل ذلك يساهم في تعزيز حركية المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية في العالم.

واذا ما اضيف الى ذلك الظروف الاقليمية للأردن من توتر وعدم استقرار واحتمالية تغيرات وتحولات واسعة او محدودة على سلوك الانظمة العربية بعد موجات الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والضغوط الدولية والامريكية على الانظمة العربية في هذا المجال، فإن ذلك يخلق اجواء واسعة او محدودة نحو توسيع افق المشاركة السياسية والاجتماعية وتعزيز دور المجتمع المدني، ومع ما تطرحه الحركات الاجتماعية من قضايا وطنية وتنموية وحاجة الانظمة الى تحويل شرعيتها المستند الى الاعتراف الدولي والعلاقات "الحسنة" مع الغرب الى استناد شرعيتها على القواعد الشعبية.

واذا ما أخذ بعين الاعتبار توجهات النظام الاردني في خطابه على الاقل في توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتوجهاته نحو تعزيز دور المرأة والمجتمع المدني امكن حينئذ افتراض تصور قائم على المصالحة بين المجتمع والدولة نحو اكثر تشاركية في الدولة الأردنية انسجاماً مع التحولات الاقليمية والدولية، ومن ثم توسيع الحريات وتعزيز دور الحركات الاجتماعية، ومن ثم تطورها.

سيناريو المراوحة للحركات الاجتماعية الأردنية (التوتر)

ينطلق هذا السيناريو من حالة التضارب في التحولات الدولية والاقليمية وبالتالي انعكاسها على الأردن والحركات الاجتماعية فيه.

فالنظام الدولي ما زال في مرحلة تحول نسقي نحو منظومة العولمة، اي ان العولمة لم تكتمل صياغتها بعد وهي تحمل في طياتها صراعات ما بين سيادة الدولة ومصلحة النظام الرأسمالي، وما بين قيم السوق وقيم الديمقراطية، وما بين نزعة التمركز الاقتصادي ونزعة التمركز الاجتماعي. وبالتالي فإن افتراض استمرار تطور الحركات الاجتماعية مرهون بمدى القيم المعيارية الانسانية التي سيحملها النظام المعولم المستقبلي وما يمكن ان يفتحه من فرص لهذه الحركات والمنظمات غير الحكومية في العالم أمراً مؤثراً على حركية ومنظومة النظام الدولي، وهي بهذا الاطار محدودة التأثير في المرحلة الحالية، وان كان لها عديد الايجابيات تجاه مصالح الفئات الاجتماعية المهمشة في مرحلة التحول نحو منظومة العولمة.

واذا ما اضيف الى ذلك التوتر الحاصل في المنظومة الاقليمية للأردن، فهو يقع بين أكثر مناطق العالم صراعاً، اي بين فلسطين والعراق. وفيما أن السياسة الامريكية والدولية حيال قضايا الشرق الأوسط تشي بحالة من استمرارية الصراع والتوتر لعديد السنوات، واذا ما اضيف من احتمالية اتساع الصراع من صراع حول القضية الفلسطينية الى صراع اكثر شمولية ووضحاً حيال الأنظمة العربية وقيمها، وفيما ان التوجه الدولي غير واضح المعالم حيال صورة العلاقة بين الأنظمة العربية والغرب. وحول مدى جدية التوجه نحو تعزيز قيم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والمشاركة والتنمية، وعدم وضوح مستقبل سياسات الأنظمة العربية حول توسيع المشاركة، فإنه يمكن القول أن حالة عدم الوضوح وحالة التوتر في النظام الدولي والمنطقة العربية حيال حركية الحركات الاجتماعية ستنعكس على السياسة الأردنية بحيث لا يتم توسيع نطاق المشاركة السياسية والاجتماعية فعلاً، وعدم ترك الفرصة لهذه الحركات الاجتماعية المناهضة في توجهاتها للسياسات الامريكية والغربية ولمنظومة العولمة من ان تعبر عن ذاتها.

وبذلك يتصور هذا السيناريو ان العلاقة بين الدولة والمجتمع الأردني ستبقى على حالها قائمة على التوتر وعدم الاستقرار، وبالتالي تنامي الحركات الاجتماعية وتطورها في بعض الحالات والمجالات وتراجعها وضعف دورها في حالات اخرى.

سيناريو تراجع الحركات الاجتماعية الأردنية (تقييد)

يربط هذا السيناريو نشاط الحركات الاجتماعية الأردنية بمدى اندماج الأردن في نظام العولمة كدولة تابعة.

فالتصور القائم ان العولمة ستكتمل منظومتها وستكتسح الليبرالية باتجاهاتها الاستغلالية لصالح الدولة الغنية الرأسمالية على حساب الدول النامية والفقيرة، ومن هنا تتصارع الحركات الاجتماعية مع قوى العولمة وستعمل الأخيرة على قمع هذه الحركات والمنظمات على مستوى العالم مع بقاء هامش للمشاركة السياسية والاجتماعية في الدولة الرأسمالية الغنية، وفرض كل سبل القمع ودعم الأنظمة المتماشية مع هذه السياسات ضد الحركات الاجتماعية وسبل المشاركة السياسية والاجتماعية.

ومع تصور اكتساح السياسة الامريكية ونظام العولمة للمنطقة العربية وفرض مصالحها واستمرار دعم اسرائيل وهيمنتها على المنطقة، فإن النظم العربية وبدعم امريكي غربي ستعمد على تقييد نشاط الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني واي سبل للمناهضة لسياسات العولمة والتوجهات الامريكية، وبالتالي ستعمد الحكومة الأردنية على تقييد نشاطات هذه الحركات الاجتماعية وعدم ترك الفرصة لها لمناهضة العولمة والسياسات الغربية، مع ما يمكن ان ينتج عن هذا السيناريو من توتر وعدم استقرار أمني واجتماعي داخل الأردن.

5- خاتمة:

إن عملية رصد بعض المحاولات والتحركات العملية للمنظمات والحركات الاجتماعية الأردنية تقودنا إلى جملة من الإستنتاجات التي تتعلق بالمقومات الذاتية الداخلية لقدرتها على التأثير في القرارات والسياسات الحكومية، ومن هنا فإن أهليتها لممارسة نشاطاتها في ممارسة ضغوط على السلطات من أجل تبني سياسات معينة أو تعديلها أو إلغائها تتوقف على عدة شروط ومقومات أهمها:

- أن يتوافر لدى المنظمات والحركات الاجتماعية قيادة واعية وخبيرة ومستقلة عن السلطات في قيادة عملها ومتابعته بأشكال مناسبة للتأثير على مختلف مؤسسات صناعة القرار.

- أن تقنع المنظمات والحركات الاجتماعية جماهير الشعب بضرورة وجودها وحيوية وأهمية مطالبها وتأثيرها على حياة المواطنين ومصالحهم المباشرة.

- ارتكاز المنظمات والحركات الاجتماعية على قواعد قوة متينة من حيث المصادر المالية والطاقة البشرية التي تؤهلها لممارسة ضغوط قاعدية تجاه القرارات والسياسات الحكومية.

على ان مستقبل الحركات الاجتماعية في الأردن وقدرتها على تعظيم دورها يعتمد على انتهاج سياسات متنوعة في علاقته بالحكم، فهي مطالبه في بعض الأحيان باعتماد اسلوب المواجهة ضد السياسات التسلطية او التي تمس بالحريات العامة او استقلالية المنظمات الأهلية، لكنها مطالبه ايضاً بالتصرف على اساس انها شريك للحكم في عمليات التنمية البشرية والاجتماعية وفي رعاية وتنفيذ البرامج التي تتعلق بصحة المواطنين وتعليمهم وتنشئتهم. وفي ملء الفراغ الذي شغر جراء تخلي الدولة عن بعض وظائفها السابقة جراء سياسات العولمة. من هنا فإن على كل من الدولة والحركات الاجتماعية ان يجدا المعادلات الملائمة بين دوريهما، والتي تسمح من ناحية للحركات الاجتماعية بأن تحافظ على استقلاليتها وان تساهم في الشأن العام بحرية، وان تزج بطاقات الحركات الاجتماعية وكل المجتمع المدني، من الناحية الأخرى، في عمليات التنمية ومكافحة الفقر وتمكين الفئات الاجتماعية الضعيفة من تحقيق مشاركتها الفعالة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتوجيه البرامج اللازمة للنهوض باوضاعها.

وبكلمات أخرى، فإن الحركات،الاجتماعية، وفي الظروف الراهنة التي يمر بها الأردن، معنية بلعب عدة أدوار، فهي مدعوة لأخذ دورهاكاملاً في دفع العملية الديمقراطية الى الأمام، وبناء دولة القانون والمؤسسات وتكريس حقوق المواطنة وتقوية المشاركة السياسية وإعمال مبادئ وقيم التسامح والحق في الاختلاف والقبول بالآخر ونبذ الضعف والتطرف وتغليب الأساليب الديمقراطية في حسم الخلاف.

واذا كان هذا الدور يضع الحركات الاجتماعية في حالات محددة في حالة اشتباك او مواجهة مع الحكم، فإن الدور الرئىسي الثاني لها تضعها في خانة الشريك للدولة في تحمل مسؤوليات واعباء التنمية والتوعية والرعاية وتكون الحركات الاجتماعية بذلك قد وضعت سبلاً عملية نحو تعزيز مشاركتها وتفاديها لقوى العولمة المناهضة لحركتيها. وعلى هذا الشق من أدوار الحركات الاجتماعية ندعو القوى الحية والمنفتحة في جانبي الشراكة للبحث عن ترجمات عملية تعزز من دور الحركات الاجتماعية الأردنية كشريك للحكومة، وتخلق الارضية الملائمة لتقليص الاحتكاكات والاصطدامات بينهما. وما من شك ان تعميق الاصلاحات السياسية وتجذير الديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات يوفر المناخ الملائم لتفجر ابداعات الحركات والمنظمات الاجتماعية وتعظيم مساهمتها في عمليات التنمية ولخلق علاقة ايجابية بين طرفي المعادلة: الدولة والحركات والمنظمات الاجتماعية.

 

!أتصلوا بنا ألفهرس أبحث

 

الرجا إرسال أية أسئلة أو ملاحظات إلي ألمنتدي
ftm.messages@ifrance.com

Copyright © 2003  منتدى العام الثالث
Last modified: 01/23/04