[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

الحركات الاجتماعية في الجزائر

بين أزمة الدولة الوطنية وشروخ المجتمع

عـبد الــناصر جابي

جامعة الجزائر-مركز البحوث الاقتصادية من اجل التنمية  - cread

 

 

تمهيـــــد عـــــام

 

ورثت الجزائر بعد الاستقلال وضعا اقتصاديا واجتماعيا كارثيا.كنتيجة منطقية للاستعمار الاستيطاني الطويل وسنوات الحرب المدمرة ، فقد أنتجت الحالة الاستعمارية الاستيطانية الطويلة في الجزائر-  132 سنة-  مجتمعا جديدا من سماته الاساسية  الفقر والحرمان الاقتصادي والثقافي، اللذان مسا أغلبية  أعضائه ،بعد عمليات نزع الملكية العنيف و الواسع الذي تعرضت له الكثير من القوى الاجتماعية الريفية على وجه التحديد ، وهو ما أنتج حالة تهميش – البعض تكلم عن  عملية تشريد clochardisationواسعة مست المدينة والريف .

الحرمان الثقافي من منابع العلم والمعرفة كانت من السمات الأساسية الاخرى لهذا المجتمع الجزائري الذي انتجته الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية[1]، فساد الجهل كقاعدة عامة بين مختلف شرائحه الاجتماعية   بعد تحطيم الهياكل والمؤسسات العلمية التقليدة للمجتمع .حالة مجتمع كلونيالي لم تشذ عن خصائصه الكبرى هذه، الا بعض الفئات القليلة  المرتبطة عضويا بالظاهرة الاستعمارية التي استغلت مواقعها  داخلها لتحسين وضعيتها الاقتصادية –الاجتماعية  بواسطة الاستحواذ بمختلف الأشكال على ملكيات زراعية كبيرة ومتوسطة .الاستفادة من المدرسة الكلونيالية كان من الاستراتيجيات المفضلة لهذه الفئات الوسيطة التي استطاعت ان تفرض ابنائها في الكثير من مواقع السلطة قبل وبعد الاستقلال ضامنة بذلك الكثير من شروط إعادة الانتاج .   

 هذه التجربة التاريخية الجماعية بمختلف مراحلها الكبرى –الاستعمار –فترة الحركة الوطنية –الثورة وبعد ذلك الاستقلال   – أفرزت الكثير من الخصائص التي ميزت الثقافة السياسية الشعبية ، فسادت الجذرية عند المطالبة الاقتصادية-الاجتماعية ،كما عممت النظرة المساواتية الرافضة للتمايز الاجتماعي المستهجن من قبل هذه الثقافة السياسية الشعبية .بعض هذه القيم السائدة إجتماعيا  هي التي سنلاقيها وراء الكثير من الحركات الاجتماعية الاحتجاجية بعد الاستقلال التي ستكون بمختلف اشكالها ومحتوياتها موضوع هذه الورقة .قيم منحت-بضم الميم - محتوى اقتصادي –اجتماعي  في الغالب  بتشجيع من خصائص النظام الاقتصادي الريعي نفسه ، الذي ساد بعد الاستقلال. قيم تجسدت في ممارسات اجتماعية بينية أكثر ديموقراطية في الحياة اليومية بين المواطنين ،وبين مختلف شرائح وطبقات المجتمع وحتى في العلاقات مع المؤسسات الرسمية ورموزها ،  وفي لغة تعامل يومي أكثر مباشرة .

الخيارات السياسية والاقتصادية التي تمت بعد الاستقلال مثلها مثل التركة الاستعمارية  الطويلة كان لهما الأثر الأكبر على نوعية وحجم  التحولات الاجتماعية الاقتصادية التي تمت بعد الاستقلال[2]  .فقد كان خيار" الاشتراكية" بخصوصياتها المعروفة ، على غرار الكثير من دول العالم الثالث في تلك الفترة ،وسيطرة الدولة الاقتصادية والأحادية السياسية من السمات التي أثرت على خصائص التركيبة الاجتماعية والتحولات التي عاشتها لاحقا الجزائر، وبالتالي نوعية الحركات الاجتماعية  وخصائها المميزة، نفس الحال بالنسبة لميزان القوى العام داخل المجتمع الجزائري بين مختلف طبقاته وشرائحه .فالمعطيات المتوفرة حول ظاهرة الحركات الاجتماعية تسمح لنا بالقيام بنوع من التوليف بين الكلي والجزئي بين المؤسسات والهياكل الاجتماعية وبين معايشات وتجارب الافراد المجندون داخل وبمناسبة هذه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية  [3].

فقد قامت الدولة الجزائرية بسلسلة من التأميمات للمصالح  الاقتصادية الفرنسية والغربية في  الكثير من القطاعات مباشرة بعد الاستقلال، ليس في القطاع الصناعي فقط،  بل في الميدان الزراعي كذلك  ، فأممت الاراضي الواسعة التي كان يملكها المعمرون رمز الاستعمار الاستيطاني الأكثر قساوة وبروزا.في نفس الوقت الذي انطلقت فيه عمليات استثمار واسعة اعتمادا على مداخيل النفط والغاز ، فيما بعد لخلق قاعدة صناعية جسدتها مشاريع التنمية والمخططات المختلفة التي استغرقت طول فترة ما بعد الاستقلال ولغاية بداية الثمانينيات.قاعدة ومؤسسات اقتصادية- اجتماعية ، كونت الاطار الذي لايمكن من دونه فهم نوعية وخصائص هذه الحركات الاجتماعية .

سمحت عمليات الاستثمار الواسعة والسريعة ، هذه بخلق قاعدة اقتصادية ونواة عمالية في القطاع العام المملوك للدولة ، بالإضافة إلى تلك المتواجدة في القطاع الخاص، الذي لم يتوقف عن النمو خلال هذه الفترة ، حتى ولو كان بوتائر اقل من تلك المسجلة في القطاع العام .القطاع الخاص الذي اعتمد على نفس المنطق الريعي السائد وطنيا من خلال العلاقات المتميزة التي أوجدتها القوى المالكة له مع مستويات عدة من مراكز القرار السياسي والاقتصادي الرسمي[4].القطاع الخاص الوطني الذي لم يستثمر خارج بعض الصناعات الخفيفة التحويلية والخدمات وهو ما لم يسمح له بخلق تمركز عملي وصناعي ، كما سيكون  الشأن بالنسبة للقطاع العام الجديد الذي اعتمد على  سياسة صناعية اكثر تنوع ، ركزت على ما سمته بالصناعات المصنعة ، مما منح للدولة الوطنية مكانة رب العمل الاول مما اضفى بالضرورية ابعاد سياسية على كل الحركات الاحتجاجية والعلاقات التي ميزت عالم الشغل والمؤسسة الصناعية .

التحولات التي تمت في القطاع الزراعي تحت تسمية الثورة الزراعية ابتداء من بداية السبعينيات وقبلها من خلال تجربة التسيير الذاتي الستينيات - اعتمدت على نفس المنطق الريعي السائد وطنيا وقواعده التسييرية الشعبوية .فقد أممت الملكيات الخاصة  الكبيرة  الوطنية والأجنبية  لتدمج  داخل لقطاع الزراعي العام التابع للدولة الذي ظهرت عليه بسرعة الكثير من السلبيات ،كضعف الإنتاج، سوء التوزيع  والندرة،  مما ساهم  بقوة في بروز الشروخ الأولى على نموذج التنمية هذا الذي قادته فئات بيروقراطية  وتكنوقراطية دون إمتدادات شعبية سياسية  منظمة  وفعلية رغم اصولها الاجتماعية الشعبية في بعض الاحيان .

المنطق الريعي التوزيعي الذي اعتمده نموذج التنمية المعتمد على الدولة  كفاعل مركزي بل احادي ،ليس في الميدان الاقتصادي فقط بل حتى في الميادين الاخرى ،السياسية والثقافية ، عرف بروز الكثير من الشروخ ابتداء من النصف الثاني من السبعينيات ،عبرت عن نفسها من خلال حركات احتجاج عمالية وشعبية  واسعة [5] .فقدت ظهرت للسطح الكثير من تناقضات النموذج العام ، ليس  على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فقط ندرة المواد الاستهلاكية  من كل نوع حتى تلك الأشد  ضرورة. استفحال أزمات السكن والنقل في المدن الكبرى خاصة بروز ظاهرة  البطالة بل حتى على المستوى السياسي والثقافي فقد طرحت مسألة التعريب[6] بكل تداعياتها الثقافية والسياسية ،  في نفس الوقت الذي أخذت فيه المطالب الثقافية الأمازيغية أبعاد جديدة بعد المظاهرات الشعبية التي عرفتها منطقة القبائل والعاصمة-افريل 1980- .هذه الوضعية التي شجعت بعض الشخصيات الوطنية على التعبير السياسي الجماعي والعلني للمطالبة السياسية في قضايا وطنية ودولية .[7]  تعبيرات  لم يكن ممكنا لولا حالة الضعف التي بدأت تعتري النظام السياسي القائم في نفس الفترة التي  عرفت تنظيم المظاهرات العلنية  الاولى للتيار الاسلامي المكتفي حتى  هذه الفترة  بالعمل السري المحدود [8]

 

في البدء كانت الحركات الاجتماعية الكلاسيكية .

 

ضمن هذا السياق العام ،لا يمكن تصور أشكال من الحركات الاجتماعية إلا تلك الكلاسيكية منها في الشكل والمحتوى، والتي يأتي على رأسها الحركة العمالية والنقابية  .فقد شهدت الجزائر منذ بداية الستينيات، ظهور الكثير من الحركات الاحتجاجية داخل عالم الشغل، أخذت شكل الإضرابات العمالية وحتى بعض الأشكال الأخرى الأقل جماعية التي تعكس بدقة موازين القوى بين الحركة العمالية  الجنينة  والقوى الاجتماعية الحاكمة الجديدة التي لازالت في حالة صعود .كما لم يكن غريبا أن تكون أغلبية هذه الحركات المطلبية حتى نهاية النصف الثاني من السبعينيات  متمركزة في القطاع الخاص الوطني والأجنبي الذي كان يكتنـز تجربة نقابية وعمالية طويلة تستمد جذورها من فترة ما قبل الاستقلال  .

هذه الإضرابات  التي ركزت حول المطالبة بتحسين ظروف العمل المباشرة  داخل مكان العمل من خلال حركات احتجاجية قصيرة ذات طابع اقتصادوي، لم تطرح مسألة الملكية وعلاقات العمل إلا نادرا وفي ظرف سياسي خاص[9] . في نفس الوقت الذي  أهملت فيه هذه الحركات الاحتجاجية  في الغالب الأعم التحولات المختلفة التي كان المجتمع الجزائري مسرحا لها خارج مكان العمل الرأسمالي الذي حافظ على خصائصه القديمة  لفترة ما قبل الاستقلال حتى وان تجز أر رب العمل . الرأسمالي الجزائري الذي فرض الكثير من خصائصه وعلاقاته بمحيطه الاقتصادي والسياسي على مؤسسته ونوعية العلاقات داخلها .فقد قبل رب العمل الجزائري، مع الوقت، موقعا يتسم بالكثير من الهامشية بل وعدم الشرعية،  أظفاه عليه الخطاب السياسي الرسمي المهيمن ذو النكهة الشعبوية ، فكان ان استكان الى هذه المواقع الذي منحه اياه الخطاب الشعبوي ، فاكتفى بالدور الاقتصادي المطلوب منه دون طموحات اخرى سياسية او إجتماعية ،فلم يساهم القطاع الخاص الوطني في انتاج نخب أو وجوه معروفة أجتماعيا او سياسيا ، كما لم تعرف عنه مشاركة من أي نوع في الحركية  التي ميزت المجتمع الجزائري .موقع تأثرت  به المؤسسة الصناعية  وعمالها ، بما فيها الحركات الاحتجاجية التي عرفتها ، فلم تبرح هذه الحركات مكان العمل ولم ترتبط بالتحولات العميقة التي عاشها المجتمع الجزائري فاكتفت بالطرح الاقتصادوي الدفاعي في الغالب الأعم   .    

فقبل ظهور عمال القطاع العام بخصوصياته المعروفة تمركز عمالي كبير تكنولوجيات حديثة نوعية تسيير موارد بشرية مختلف –علاقات مختلفة نوعيا بالمحيط ..الخ  .كان الفاعل الرئيسي داخل هذه الحركات الاجتماعية  المغلقة حول نفسها داخل مكان العمل وعالم الشغل  عموما عمال القطاع  الخاص قبل  أن يقودها عمال القطاع العام ابتداء من نهاية السبعينيات، بعد أن أثمرت نتائج الاستثمارات التي قامت بها الدولة في تكوين نسيج صناعي عام ولد نواة طبقة عاملة جديدة  تختلف في نوعية العلاقات التي أقامتها مع المحيط الاجتماعي والسياسي  العام . [10] فبدل تجربة ومطالب  العامل –المواطن  وحركاته الاحتجاجية ، التي ميزت القطاع الخاص في علاقاته بمحيطه ، انتجت التجربة العمومية المواطن –العامل في مطالبه وعلاقاته بالمحيط العام .

فالجديد هذه المرة ،لم يكن فقط في المطالب التي استمرت في غالبيتها داخل الطرح الاقتصادوي ، بل في حصول هذه الإضرابات والحركات الاحتجاجية داخل القطاع العام في حد ذاته باعتباره قطاع دولة. فقد طرح هذا التمركز للحركات الاحتجاجية في القطاع العام ،مسألة سياسية من الدرجة الأولى، نتيجة خصائص رب العمل نفسه ، الدولة الوطنية  بكل خصوصياتها السياسية .الدولة التي قررت إضفاء خصائص  وصفات على القطاع الاقتصادي الذي تملكه –من خلال مواثيقها وخطابها السياسي والاعلامي – تختلف نوعيا عن تلك التي اضفتها على القطاع الخاص ، فقد صنف القطاع العام بكونه قطاعا اشتراكيا يخلوا من كل اشكال الاستغالال ، في حين تكلمت الايديولوجية الرسمية عن قطاع خاص مستغل –بكسر الغين -.

التمركز العمالي الكبير، التحاق الموظفين برحاب المطالبة،التمفصل الخاص بين السياسي والاقتصادي في ظل التجربة الجزائرية ،كلها عوامل جعلت هذه الاحتجاجات رغم استمرارية طرحها الاقتصادوي في الغالب، تخرج إلى مجالات سياسية أوسع .فرغم القطيعة التي سادت في الغالب  داخل  هذه التجربة بين الفاعل النقابي المنظم  و الفاعل العمالي الجماعي، مما جعل الحركات الاحتجاجية تبقى حبيسة مكان العمل  ، فقد كانت هناك إستثناءات تمثلت في بعض المحطات  قطاعات معينة فترات زمنية رغم محدوديتها - عرفت نوع من اللقاء بين المستويين العمالي والنقابي ، منحت أبعاد اكثر شمولية للفعل العمالي المطلبي، فظهرت الإضرابات الوطنية الواسعة مست أكثر من مكان عمل  في نفس الوقت ودامت أكثر -. فقد استفادت هذه الاضرابات من خصائص القطاع التكنولوجية والتنظيمية ، كما حصل في قطاع النقل بكل فروعه –البحري –السكك الحديدية –الموانىء ..الخ –ناهيك عن قوة تمركز اليد العاملة في هذه القطاعات الخدماتية والصناعية –الحديد والصلب  .

 على مستوى اخر لابد ان نشير ان  الفاعل النقابي كان الواسطة التي تمكن منها السياسي والحزبي من ولوج عالم الشغل والتقرب منه . فقد تمكنت فعلا بعض قوى اليسار التي يغلب عليها العنصر المثقف المفرنس  القريب  من السلطة  إجتماعيا وسياسيا رغم بعض مظاهر الخطاب النقدي ، التقرب من عالم الشغل في بعض القطاعات التي تملك تجربة مطلبية متميزة وقوة حضور عمالي  بالقرب من المدن الجامعية  الكبرى-الجزائر العاصمة ، وهران ، قسنطينة ...الخ  التي يتمركز بها  العمل السياسي و  الحزبي   الرسمي والمعارض .

قبل مرحلة الانتكاسة التي دخلتها الحركة العمالية المطلبية بفاعلها المركزي العمالي العمومي ، عاشت حوالي عقدين ما يمكن تسميتهما بعصر القوة والامل ، ساد فيهما المنطق الهجومي ، فتنوعت المطالب لتشمل مطالب نوعية ،  وزادت جذرية الاضرابات العمالية التي اصبحت أكثر طولا من حيث مدتها واوسع مشاركة ، من جراء الطابع الوطني الذي اصبح من ميزاتها الاساسية ، اضرابات أداتية ، تختلف عن تلك  الاضرابات التعبيرية التي كانت سائدة قبل هذه الفترة والمعروفة بقصر مدتها وطابع مطالبها الاقتصادي وضعف المشاركة العمالية فيها بل وحتى انعدام التفاوض كمرحلة في عمر الاضراب يتم من خلالها الاعتراف الفعلي بالحركة العمالية كفاعل جماعي  مستقل  . عكس الاضراب التعبيري فقد تميزت  الاضرابات الاداتية  ببروز المفاوض العمالي والتفاوض كمحطة هامة ضمن سيرورة الاضراب ، كتعبير عن النضج الذي وصلته الحركة العمالية المطلبية .رغم هذا فقد فشلت الحركة العمالية في إنجاز تحالفات واسعة داخل عالم الشغل وخارجه مع قوى قريبة منها موضوعيا ، كالاطارات المسيرة في القطاع العمومي وحتى بعض الفئات  العمالية الادارية والمؤهلة  التي اتخذت منها الكثير من القوى العمالية مواقف اقصائية نتيجة سيطرة رؤية "عمالجية "  l ouvrierisme  ،جسدتها الكثير من الممارسات النقابية .فقد فشلت الحركة العمالية في تكوين كتلة إجتماعية فاعلة داخل عالم الشغل ، كان يمكن ان تكون نواة دفاع عن الحركة العمالية وكل عالم الشغل بعد دخوله المرحلة الدفاعية[11] بكل موازين قوتها الوطنية والدولية  .

 دخول عالم الشغل بمختلف مكوناته العمالية والنقابية  في المرحلة الدفاعية الواضحة  التي يعيشها منذ أكثر من عقد  ،كان من المؤشرات الهامة ذات الدلالة عن المأزق الذي يعيشه نموذج التنمية الرسمي المعتمد على الدولة الوطنية منذ الاستقلال.فقد ساد الانكماش الاقتصادي وتوقف الاستثمار المنتج العام منذ بداية الثمانينيات.فبدأت عمليات التسريح الواسعة للعمال من جراء غلق الكثير من المصانع .لتسود البطالة والنشاطات الاقتصادية غير الرسمية.أزمة زادها عمقا دخول كل التيارات السياسية المؤيدة أو القريبة من عالم الشغل كالتيارات اليسارية أو حتى الوطنية العصرية  في مأزق فكري واضح .في الوقت الذي عادت  فيه للسطح تيارات دينية و محافظة  لا تعرف الشيء الكثير عن عالم الشغل، إن لم تعاديه أصلا في توجهاته وأهدافه وهو ما ظهر جزئيا من خلال العنف الرسمي  الذي قوبلت به بعض الحركات العمالية  الاحتجاجية في بداية الثمانينيات على سبيل المثال .

التعددية النقابية التي تم الاعتراف بها في الوقت الذي كانت فيه الحركة العمالية المطلبية في حالة ضعف أكيدة لم تكن عامل مساعد على الخروج من هذه الوضعية الدفاعية .فقد بادر الموظفين أساتذة-عمال القطاعات الصحية والإدارة العمومية بل وحتى عمال بعض المؤسسات الصناعية العمومية  الخ لتكوين نقابات مستقلة عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين ،النقابة الرسمية الوحيدة حتى الان ، وهي النقابة التي  تدهورت تمثيليتها العامة أكثر ،فلم تحافظ الا على القوى العمالية الأقل تأهيلا، بعد قرار الكثير من القوى العمالية والاجيرة المؤهلة مغادرتها  مفضلة تجربة الاستقلالية.

تكوين النقابات المستقلة الذي كان في بعض محطاته تحت تأثير مباشر لتوجهات ايديولوجية وسياسية كذلك ، فقد دشن التيار الاسلامي الجذري ممثلا بالجبهة الاسلامية للإنقاذ تنظيم نقابة اسلامية للعمل S.I.T ، تمكنت بسرعة من الاستحواذ على قاعدة عمالية واسعة نسبيا  والقيام بعدة اضرابات مطلبية خلال هذه الفترة التي ميزها صعود قوي للجبهة الاسلامية بعد نجاحاتها في الانتخابات السياسية المحلية –جوان 1990 .علما بان النقابة الاسلامية للعمل التي تم تعليقها بعد حل الجبهة الاسلامية في 1992 ، قد أعادت انتاج نفس علاقة الهيمنة  التقليدية بين السياسي –الحزبي والنقابي التي عرفتها التجربة الوطنية كما برزت بين جبهة التحرير والاتحاد العام للعمال الجزائريين  ،في ثوب سياسي وديني جديد-قديم ، لم يقطع صلاته كلها بالتجربة النقابية الاحادية المنتقدة وموروثها السياسي الفكري ، مظيفا اليها خطابا دينيا عاما .[12]

علما بأن هذه   النقابات المستقلة  لم تستطع حتى ألان وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على تكوينها من حل الكثير من المشاكل التي تعترضها كتلك المتعلقة بالجوانب التنظيمية و حقها في المشاركة في العملية التفاوضية المركزية رغم الاعتراف القانوني بوجودها وقوة تمثيليتها القطاعية.

 هذه النقابات المستقلة التي بادرت بتكوينها  بعض الفئات العمالية التي لازالت في مواقع اقل دفاعية من موازين القوى التي يفرزها  الوضع العام، لجأت في السنوات الأخيرة إلى  لكثير من الحركات الاحتجاجية الجذرية إضرابات طويلة لبعض الأشهر، كما  هو حال   أساتذة الجامعة - اعتمادا على تقييم قطاعي جزئي   لموازين القوى ، لم يأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الاجتماعية –السياسية  العامة  التي ليست في صالح الحركة العمالية .هذه النقابات المستقلة التي لم تصل بعد إلى مرحلة التضامن فيما بينها لطرح مشاكلها والخروج من مرحلة العمل النقابي الفئوي coorporatisme  .[13]رغم بعض محاولات تكوين كنفدرالية عمالية جديدة ، المشروع الذي تقف في وجه الكثير من القوى النقابية والسياسية نظرا للادوار السياسية التي لازال يقوم بها الاتحاد العام للعمال الجزائريين داخل اللعبة السياسية الوطنية بكل تشعباتها وثناياها .ادوار لازال النظام السياسي في حاجة اليها  جراء استفحال أزماته المتعددة مما يجعله يرفض وجود منافسين اخرين  لازال غير متأكد  الان من لعبهم للادوار المطلوبة منهم كما يقوم بذلك الاتحاد العام للعمال الجزائريين بنسب نجاح متفاوتة .

 

الحركة الطلابية من النخبوية إلى ديموقراطية التعليم

 

إذا كان التمركز والكم قد لعب لصالح دور أكبر للحركة العمالية المطلبية ، فان التضخم في العدد  والتوسع الجغرافي كانا في غير صالح الحركة الطلابية التي فقدت الكثير من حركيتها واستقلاليتها  مع تطور عدد الطلبة وازدياد عدد الجامعات .فقد كونت الحركة الطلابية التي كانت محصورة في عدد قليل من المدن الجامعية  الكبرى حتى بداية السبعينيات إحدى بؤر الحركات الاجتماعية  الفاعلة في المجتمع الجزائري . فطرحت  الكثير من القضايا السياسية الوطنية والدولية  التي كانت تملك لها  قراءات ، ليست بالضرورة هي نفس قراءات السلطة . قبل أن يتم القضاء على استقلاليتها التنظيمية والسياسية كما حصل قبل ذلك  بقليل مع الحركة النقابية بين نهاية الستينيات وبداية السبعينيات  .

 مرحلة  القوة والصعود التي سيطر فيها سياسيا على الحركة الطلابية الفكر اليساري بمختلف ألوان طيفه مع سيطرة واضحة للاطروحات القريبة من النموذج التنموي الرسمي ذو النزعة الاقتصادوية، وهو  نفس الاتجاه الذي كان وراء حركة التطوع الطلابي لصالح الثورة الزراعية خلال عقد السبعينيات [14].

الحركة الطلابية التي فقدت مع نخبويتها الكثير من استقلاليتها وحركيتها،  انقسمت على نفسها هي كذلك على أساس ثقافوي-سياسي ابتداء من نهاية  السبعينيات وبداية الثمانينيات.فقد سمحت ديموقراطية التعليم بكل مراحله بدخول الكثير من أبناء الفئات الشعبية والوسطى الريفية الجامعة .في الوقت الذي طرحت فيه مسألة التعريب بكل تداعياتها السياسية والثقافية، وما أنتجته من تحالفات وعمليات فرز داخل الحركة الطلابية وخارجها . وهي نفس الفترة التي بدأ فيها النموذج الرسمي للتنمية يعرف عثراته الأولى مما سمح ببروز تيارات فكرية وسياسية  معارضة  بما فيها التيار الإسلامي والبربري  فمقابل مرحلة التعثر والتشكيك التي دخلها الخطاب السياسي الرسمي وتلك المؤيدة له ازدادت شرعية وقوة تجنيد التيارات المعارضة داخل الحركة الطلابية .وهو ما ينطبق  حتى بعض أشكال  اليسار الجذري الذي استفاد كثيرا من قواعده الطلابية عندما حانت فرصة تكوين الأحزاب السياسية بعد الاعتراف بالتعددية .هذه الفترة التي ظهرت للسطح ظاهرة بطالة الخريجين وتوقفت جزئيا  المنظومة الجامعية عن القيام بدورها كوسيلة ترقية اجتماعية للكثير من القوى الشعبية التي استفادت في السابق منها وعولت عليها .

الحركة الطلابية التي فقدت الكثير من إشعاعها وقوة تأثيرها بعد الاعتراف الرسمي بالتعددية السياسية والنقابية رغم ظهور الكثير من التنظيمات الطلابية التي برزت تحت سيطرة واضحة للإسلام السياسي الإخواني وطنيا [15]والبربري جهويا-منطقة القبائل والعاصمة جزئيا. فقد ابعد اليسار وحتى التيارات الوطنية من الجامعة أو استمرت مع تنظيمات قديمة من دون تأثير فعلي .

من ميزات الوضع الجزائري أن الحركات الاجتماعية الشعبية الجديدة لم تعول كثيرا على الحركة الطلابية حتى بعد ركوبها من قبل التيار السلفي .فبدل مواقع  القيادة تحولت الحركة الطلابية في علاقاتها بالحركات الاجتماعية الفاعلة إلى علاقة ذيلية واضحة .

 عوامل عدة  سوسيولوجية تحديدا يمكن أن تفسر هذه  العلاقة الذيلية منها ما هو متعلق بالتدهور الكبير الذي لحق بمكانة الطالب في مجتمعاتنا من جراء البطالة وانسداد الآفاق المهنية الاجتماعية .ومنها ما هو مرتبط بخصائص التيارات الدينية المسيطرة نفسها .فالفكر السلفي مثلا و رغم وجود الكثير من المتعلمين واصحاب الشهادات بين صفوفه  إلا انه أكثر اعتمادا على قواعده  الشعبية وجذريتها  .فالنصية التي تميز علاقاته بالتراث لا تترك أي مجال لعمل فكري تجديدي يمكن أن يمنح دورا متميزا للعدد الكبير نسبيا من المتعلمين [16]الذين استطاع هذا التيار تجنيدهم وهو في حال صعود  وقبل أن يدخل في مأزق العنف  والإرهاب . استراتيجية المواجهة المباشرة وغياب الابعاد الفكرية الاصلاحية  بين ابناء التيار السلفي المسيطر جزائريا لم يكن هو الآخر عامل مساعد على الاهتمام بالعناصر المثقفة والطلابية  داخل هذه الحركة الاجتماعية التي يغلب عليها طابع عدم الانسجام والكلية .

 

الحركة النسوية التنمية هي الحل

 

الخطاب السياسي الرسمي السائد وطنيا بعد الاستقلال  ذو المحتوى الاقتصادوي ، ساعد على  تغليف نزعة محافظة  لدى النخب الريفية الرسمية الحاكمة  عندما تعلق الامر بالمرأة وحقوقها ، مانحا نبرة "عصرية "ضعيفة الحضور في الاصل لدى هذه الفئات الحاكمة  . هذا الخطاب بالغلاف "العصري " الذي اوجده لنفسه وجد في المقابل صدى قوي نسبيا  لدى الكثير من قوى اليسار المشبعة بالطرح الستاليني  ذات الحضور على مستوى الحركات الاجتماعية و  السياسية  المنادية بتحرر المرأة وحقوقها  ،. فقد تم شبه توافق و إجماع إيديولوجي بين عدة اطراف فاعلة في السلطة و المعارضة  شبه الرسمية ، مفاده  بأن المرأة الجزائرية  لا تملك خصوصيات في طرح قضاياها منفصلة عن قضايا واهتمامات المجتمع  الاجتماعية ، الاقتصادية والثقافية الكلية  ، مما اثر سلبا على تكوين حركات نسوية مستقلة و فعالة خلال هذه الفترة.

المرأة الجزائرية التي خرجت بعد الاستقلال  بقوة للتعليم بكل مراحله  بما فيها الجامعي ، دون أن تتمكن من القيام بتسجيل نفس الحضور  القوي عندما تعلق الأمر بالعمل[17]والنشاط الاقتصادي خارج المنزل  .فقد تبين أن القيم المحافظة السائدة اجتماعيا كانت بالمرصاد لخروج المرأة عندما تقرر ذلك من اجل العمل ،فلم يقبل خروجها للعمل إلا بشروط كان  على رأسها   التأهيل العلمي العالي أو المتوسط على الاقل ، على أن يكون العمل في  مجالات محدودة مقبولة إجتماعيا ، تتميز بكونها في البعض منها امتدادا  لنشاطات المرأة التقليدية في المنزل وداخل الاسرة ، التعليم الصحة والإدارة -.[18]

نخبوية ظاهرة خروج المرأة للعمل، التي تكون قد انعكست بالإضافة إلى عوامل إيديولوجية وسياسية أخرى على الحركات النسوية التي لم تبارحها  نخبويتها حتى بعد الإعلان عن التعددية و ظهور الكثير من الجمعيات النسوية.علما بان ظروف الأزمة  الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية منذ بداية التسعينات على وجه الخصوص، قد فرضت على العائلة الجزائرية إعادة النظر في شروطها فيما يتعلق بعمل المرأة ، فاصبح من الممكن جدا ان تشاهد الكثير من النساء الجزائريات يشتغلن بمهن ضعيفة التأهيل وغير قارة ضمن سوق العمل غير الرسمية التي ظهرت بقوة بعد التحولات التي عاشها الاقتصاد الجزائري في السنوات الاخيرة ، خروج للعمل المأجور قد يفقد المرأة الجزائرية الكثير من الحقوق وأشكال التغطية القانونية التي كانت تتمتع بها تقليديا داخل سوق العمل الرسمي العام تحديدا .فقد يزيد هذا الخروج  للعمل في القطاعات غير الرسمية وضعيفة التأهيل وضع المرأة هشاشة ، علما بأن العمل النقابي النسوي داخل هذه الفضاءات الاقتصادية غير الرسمية مفقودا تماما ولايعول عليه في الدفاع عن حقوق هذه الفئات العمالية الجديدة التي التحقت بسوق العمل المأجور في هذه الظروف الذي  توجد فيه الحركة العمالية والنقابية في مواقف دفاعية واضحة [19] .

 شبه اعتراف  حصلت عليه المرأة  بشرعية خصوصيات الحركة والمطالب النسوية .بعد تجربة طويلة سابقة  لم يكن معترف بها للمرأة بالعمل الجمعوي المستقل الخاص بها ،حتى لدى التيارات الفكرية المساندة إيديولوجيا للمرأة وإنشغالاتها.لقد فقد كان  مقررا ضمن هذه الرؤى الإيديولوجية المهيمنة ، أن تحرر المرأة لن يتم إلا في إطار التحولات الاقتصادية والاجتماعية العامة للمجتمع  من خلال التعليم والعمل  أساسا، فهي مسألة وقت و آجال فقط .قضية كم وليس نوع كما ظهر فيما بعد وتبنته الكثير من التنظيمات النسوية التي ظهرت مع التعددية ،كاتجاه دولي قوي الحضور  .

التعددية لم تستفد منها الحركة النسوية في اكتساب قوة أكثر داخل المجتمع لتستمر في طابعها النخبوي حتى إن تعددت أشكالها التنظيمية  وبرزت  الكثير من الوجوه النسائية  التي احتلت مواقع سياسية وحكومية هامة وزيرات [20]نائبات برلمانيات  زعيمات أحزاب -. فقد فشلت التنظيمات النسائية في الإنغراس بين الطالبات مثلا رغم التأنيث الكبير للجامعات  أو حتى عالم الشغل  النسوي المؤهل بحكم تكوينه وتمركزه لتقبل مثل هذه الأفكار .ناهيك عن عالم المرأة الريفية التي أهملت تماما ،بحكم أن هذه الحركات لم تغادر المدن الكبرى والعاصمة تحديدا التي نشأت فيها في الاصل .

 لقد كان من شروط تطبيق المشروع البومديني بخصائصه السياسية والفكرية  المعروفة القضاء على كل استقلالية سياسية أو تنظيمية  لهذه القوى الاجتماعية العمالية والطلابية التي انتفت لديها وسائل التعبير السياسي الحر والمستقل حتى وان اقتربت موضوعيا من المشروع في خطوطه العامة وأيدته،  مما لم يساعد على تكوين ونشر ثقافة العمل الجماعي الديموقراطي والطوعي بين المواطنين للدفاع عن مصالح وقناعات مشتركة  .كما أن  فترة التعددية التي ارتبطت بالأزمة الاقتصادية ،الاجتماعية والامنية لم تكن مواتية هي الأخرى لتطور هذه الحركات الاجتماعية الكلاسيكية  التي لم تعرف كيف تتكيف مع المحيط الجديد المطبوع بأزمة متعددة الاشكال لتفقد  الكثير من قوة حضورها لصالح أشكال جديدة من الحركات الاجتماعية بعد تدخل اوسع للقوى الاجتماعية الشعبية الأقل تجانسا من الناحية السوسيولوجية والاكثر تنوعا في اشكالها التعبيرية ومطالبها .

 

الحركات الاجتماعية  الجديدة بين الديني والثقافي المحلي  .

 

أ  الحركة الاجتماعية الشعبية ذات الغطاء الديني  

 

    رفض الأشكال التعبيرية الحرة والمستقلة لمختلف الفاعلين الاجتماعيين وعجز الأطر الرسمية والبيروقراطية  منها في خلق إمتدادات شعبية حقيقية ، مضافا إليها الشروخ الكبيرة التي بدأت في البروز على مستوى المشروع الأقتصادي والاجتماعي الرسمي العام ،كالبطالة وأزمة السكن والندرة التي استفحلت .بالإضافة للمعوقات الجديدة التي ظهرت  ،كالهجرة الريفية نحو المدن الكبرى والنمو الديموغرافي الهائل  . كلها شروط مهدت لظهور أشكال جديدة من الحركات الاجتماعية من سماتها، عدم التأطير أو ضعفه في أحسن الأحوال و النزعة إلى الفعل المباشر وحتى العنف في بعض الأحيان الذي يستعمل كأداة تعبيرية[21] في الغالب .زيادة على تمركزها في المدن الكبرى-داخل الأحياء الشعبية تحديدا - التي أصبحت تضم أغلبية الجزائريين بعد الهجرة الداخلية الكثيفة التي قام بها الجزائري نحو المدن والساحل [22]  بعد الاستقلال على وجه التحديد  .

الحركات الاجتماعية التي حملت معها فاعلا اجتماعيا جديدا... شباب المدن والأحياء الشعبية الذين عبروا عن رفضهم لأوضاعهم المعيشية الفردية والجماعية كوسط اجتماعي، بلغة سياسية جديدة يغلب عليها الإبهام والغموض، بعد العودة المسجلة للتراث الاسلامي ، رجاله ومحطاته الكبرى ، بل حتى لغته الدينية  وتعابيره الفصيحة  ،بالمقارنة مع وضوح خطاب الحركات الاجتماعية الكلاسيكية –العمالية ، النقابية ، الطلابية -المألوف والمرمز ، فقد اخترعت الحركات الاجتماعية الشعبية  لغة مطلبية ذات قوة تعبيرية هائلة ، استطاعت بسرعة ان تكون وسيلة تجنيد قوي بعد توظيفها القوي  للمرجعية الدينية –الثقافية للمجتمع .وهو ما فشلت في القيام به الفئات الوسطى المفرنسة في الغالب ، المسيطرة على تأطير الحركات الاجتماعية الكلاسيكية  بمختلف مكوناتها الطلابية ، النسوية وحتى النقابية جزئيا .

من ميزات هذه الحركات الاجتماعية الجديدة التي تحولت إلى فاعل مركزي في جزائر النصف الثاني من الثمانينات كذلك، شمولية وكليانية  الخطاب الذي لا يفرق بين السياسي ،الديني و الأخلاقي. الفردي والجماعي مع نزعة نحو الجذرية في الطرح لا يضاهيها إلا القبول الذي وجدته هذه الحركات لدى الكثير من الأوساط الاجتماعية  والشعبية  على وجه الخصوص  وعلى رأسهم الشباب الذين اقتحموا العمل الجماهيري المعارض  بكثافة نادرة[23] .

هذه الحركات الاحتجاجية التي ظهرت في البداية متمركزة حول الكثير من القضايا الحياتية السكن التعليم أشكال التهميش المختلفة التي تم التعبير عنها بمفهوم الحقرة[24] عبرت عن نفسها في فضاءات جديدة لا علاقة لها بفضاءات الحركات الاجتماعية الكلاسيكية المعروفة - المصنع والجامعة فقد غزت هذه الحركات الملعب بمناسبة مقابلات كرة القدم  والحي الشعبي على هامش المدن الكبرى،  قبل انتقالها إلى المسجد في مرحلة لاحقة . المسجد الذي كان  تاريخيا  من احتكار الكبار في السن تقليديا داخل الفضاء الثقافي والديني المغاربي ، احتل هذه المرة  من قبل فئات شابة متدينة حديثا ، أحضرت معها اشكال ورموز من التدين الجديد وخطاب مسجدي مسيس و معارض ، جعل الشيخ والكبير في السن يهجر هذا الفضاء الديني-الاجتماعي الذي كان من نصيبه، يقضي جل يومه فيه او بالقرب منه  في القرية والمدينة  .

هذه الحركات الاجتماعية الشعبية "الخام" التي كانت بعيدة في بدايتها  الاولى ،عن كل تأطير سياسي لا من قبل التيارات السياسية الوطنية المثقلة بتسييرها الرسمي أوحتى  اليسارية التي يغلب عليها الطابع النخبوي المفر نس  المستند على الفئات الوسطى الحضرية ،بل حتى من قبل التيار الديني التي كان يرى فيها تياره السلفي المسيطر  وصاحب الحضور الاجتماعي الشعبي، حركات "دهماء" "وعوام " لا تتوفر على درجة النقاء الديني المطلوبة التي تسمح له بالوقوف معها او دعمها  .

   كنعبير عن هذه الشمولية التي ميزت هذه السيرورات ، صاحب ظهور هذه الحركات الاجتماعية الكثير من الجديد على المستوى الفني كظهور أغنية الراي المتمردة على القيم والسلوكات الاجتماعية والمنادية بحرية أكبر في القول والممارسة[25] .ظاهرة  التمرد العام التي  حاول التيار السلفي تحديدا و بنجاح متفاوت احتوائها ومنحها أبعاد دينية سلفية يغلب عليها الطابع الشكلي التجسيدي في غياب ثقافة دينية حقيقية لدى هؤلاء المتدينين الجدد اصحاب المستويات التعليمية المتوسطة والدنيا في الغالب الأعم  الذين دخلوا كأوساط اجتماعية وجيل في اول علاقة واسعة مع النص المكتوب [26] .

كان لابد من انتظار حالة الصعود القصوى التي وصلتها هذه الحركات الاجتماعية بمناسبة أحداث أكتوبر 1988 لكي يتم ذلك اللقاء التاريخي بين هذه الحركة الاجتماعية الشعبية والتيار الديني الجذري،  ممثلا في بعض تيارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ السلفية . وهو اللقاء الذي فشلت في القيام به كل التيارات السياسية  بما فيها الدينية  على غرار  تيار الإخوان  المسلمين[27] الذي كان أقرب للفئات المالكة والوسطى عموما رغم بعض القواعد الشعبية .

هذا الركوب الذي قام به التيار الديني الجذري للحركة الشعبية مانحا إياها أبعاد لم تكن موجودة  لديها في الأصل .فقد منح الإسلام السياسي الجذري أبعاد أخلاقية  قيمية ودينية يغلب عليها الطابع السلفي لهذه الحركات التي كانت في الاصل ذات مطالب "عصرية " مرتبطة بهموم الحياة اليومية لأغلبية سكان المدن الجدد والشباب منهم خصوصا .كما منحها شمولية ربطت بين الدنيوي و الديني لدى فئات شابة  ولدت و تربت في عز قوة وصعود مرحلة  سيطرة الخطاب الاشتراكي الشعبوي المفعم بقيم الوطنية [28] المتاثرة في بعض خصوصياته بنوع من الطرح العلماني  المستمر معها منذ مرحلة الحركة الوطنية ،نتيجة الاحتكاك الذي قامت به مع الحركة العمالية والنقابية الفرنسية قبل الاستقلال في ديار المهجر على وجه التحديد.

التيار الديني الجذري الذي قاد هذه الحركات الاجتماعية إلى مواجهات عنيفة ليس مع الدولة الوطنية و أجهزتها المختلفة  فقط ،بل مع الكثيرمن القوى الاجتماعية الأخرى التي استعداها بخطاب وسلوكات إقصائية وعنيفة  .مولدا حالة العنف التي ساهمت في تفريخ  الإرهاب الذي ضرب بقوة بين صفوف أبناء الفئات الشعبية التي كانت القاعدة الاجتماعية الأساسية لهذه الحركات الاجتماعية  الشعبية .

مرحلة انحصار الإرهاب و أعمال العنف المختلفة منذ بداية الالفية الجديدة صادفت عودة حالة الانتفاضات و التمردات العنيفة التي عاشتها الكثير من المدن الجزائرية حول الكثير من المسائل المرتبطة بالقضايا الاجتماعية عمل توزيع السكن مسألة الماء الصالح للشرب تعامل مؤسسات الدولة مع المواطن بما فيها الاجهزة الامنية المختلفة ، مما سمح ببروز قوي لجمعيات حقوق الانسان  التي طرحت قضايا جديدة بعيدة عن الشأن الاجتماعي والاقتصادي السائد حتى الان ، كمعاملة المساجين وحقوق المواطنة والعلاقة مع أجهزة العدالة المختلفة   الخ . هذا الطرح  الجديد من منظار حقوق الانسان  الذي تدعم بقاعدة شعبية واسعة نسبيا من كل ضحايا حالة العنف والارهاب  التي عاشتها الجزائر، فتكونت جمعيات عديدة  للمطالبة بحل مسألة المفقودين وضحايا الارهاب ..الخ لجأت الى الى شكال تجنيد قامت بها أمهات وعائلات الممفقودين وضحايا الارهاب شبيهة بتلك التي عرفتها بعض دول امريكا اللاتينية في نهاية السبعينيات والثمانينيات كاحتلالها للساحات العمومية وتجنيدها للرأي العام وفرضها موضوع  الخروقات التي تتعرض لها حقوق الانسان في الجزائر كموضوع نقاش سياسي  عام .حركات احتجاجية كان من ميزاتها الاخرى بروز المرأة –الأم والزوجة  كفاعل رئيسي حتى لدى الجمعيات القريبة من التيارات الدينية المنادية بحل مسألة المفقودين  .[29]

في المقابل نجد ان الحركات الاحتجاجية التي بدأت في البروز  على السطح بعد العودة الى حالة الاستقرار الامني ابتداءا من الالفية الجديدة ، عادت اليها الكثير من خصائص ما كان سائدا لدى الحركة الاجتماعية الشعبية  قبل مرحلة ركوبها من قبل التيار الديني السلفي وكأنها تسجل عودة ثانية مع أجيال جديدة لمرحلة ضعف التنظيم والهلامية التي كانت تتميز بها في الثمانينيات من القرن الماضي  .من أوجه التشابه الملاحظة  الاخرى نجد الدور الذي يلعبه الشباب في اندلاعها ، الطابع الغير منظم أو ضعيف التنظيم ، الاستعمال التعبيري للعنف ، إمكانية التكرار وتنقل هذه الحركات الاحتجاجية لتشمل اكثر من منطقة ومدينة في حالة عدوى شبه عامة  حول نفس المطالب وبنفس اشكال الاحتجاج والتعبير ..

قد تكون هذه الخصائص الأخيرة وحالة العدوى التي ارتبطت بها ، هي التي جعلت بعض الملاحظين يربطون بين هذه الحركات الاحتجاجية وبعض أوجه الأزمة السياسية التي يتخبط فيها النظام السياسي الجزائري .لدرجة  التفكير انه قد تكون فيها هذه الحركات أو جزء منها على الأقل مستعملا من قبل قوى سياسية داخل وخارج النظام  في إطار الصراعات المختلفة  المحتدمة  للتأثير حول الكثير من القرارات السياسية والاقتصادية في الجزائر .كما طرحت هذه الحركات الاحتجاجية بقوة مسألة التسيير المحلي للشأن العام كنتيجة منطقية للانتخابات المحلية التي تمت في 1997 وفاز بها التجمع الوطني الديموقراطيRND،  في جو من الشكوك الكبيرة حول مصداقيتها  وكل ما أفرزته من نتائج وميزان قوى سياسي محلي  وما تولد عنها من ممارسات سلبية كثيرة في تسيير البلديات[30] ،علما بان تسيير الشأن المحلي و حضور  الدولة قد عرف الكثير من الاضطراب  والانقطاع ،بعد حل المجالس الشعبية البلدية والولائية التي انتجتها انتخابات 1990 التي فازت بأغلبيتها الجبهة الاسلامية للانقاذ في اول تجربة تنافسية تعددية تعرفها الجزائر .عمليات التخريب ، الحرق والتفجيرالتي عرفتها عشرية الارهاب التي مست الهياكل القاعدية للدولة، زادت الوضع تدهورا وعمقت نتائج غياب الدولة ومؤسساتها محليا، ليس في المناطق الريفية فقط ،بل حتى داخل المدن الكبرى وأحيائها  الشعبية  على وجه الخصوص التي غابت فيها الكثير من  رموز الدولة .

 

ب  الحركة الاجتماعية الثقافية .

 

لو كان في نيتنا احترام التسلسل التاريخي لظهور الحركات الاجتماعية ، لفضلنا الكلام عن الحركة الثقافية الأمازيغية قبل الحديث عن ما سميناه بالحركة الاجتماعية الشعبية ذات الغطاء الديني .فقد عبرت عن نفسها  هذه المطالب الجماعية ذات الطابع الجهوي الثقافي في مرحلة متقدمة . قبل الاستقلال-1949[31]- وبأشكال متنوعة حتى ولو طغى عليها الطابع النخبوي الثقافوي.

 بعد الاستقلال مباشرة عبرت عن نفسها هذه المطالب المتعلقة بالأبعاد الأمازيغية للثقافة الجزائرية  بشكل مزج بين العمل السياسي الحزبي والشعبي وبين العمل العسكري المسلح 1963/64 -.لكن الأحادية السياسية التي فرضت بعد الاستقلال مباشرة ومرحلة الصعود التي كان يعيشها النموذج السياسي الرسمي الوطني، جعلت الخطاب الثقافوي الأمازيغي يتقلص إلى بعض الجيوب النخبوية التي فرضت عليها الهجرة والمنفى أو العمل الثقافي –السياسي المحدود  في فرنسا بين صفوف ابناء الجهة المتواجدين بقوة بين أعضاء الجالية الجزائرية  .

رغم المضايقات من كل نوع ،فقد استطاع هذا التيار التعبير ولو جزئيا من خلال البعض من أحزاب المعارضة وحتى الأشكال الأخرى للحركة الاجتماعية الكلاسيكية في أبعادها العمالية النقابية والطلابية . فقد عرف عن  أبناء منطقة القبائل  الهجرة القوية خارج الجزائر والمنطقة .كما عرفوا باستفادتهم المبكرة من المنظومة التعليمية قبل وبعد الاستقلال[32] مما جعلهم يتميزون بحضور قوي داخل النخب المختلفة السياسية ،العلمية والاقتصادية ليس بعد الاستقلال فقط بل حتى قبله . فقد منحت المنطقة الكثير من القيادات للحركة العمالية والنقابية ، ناهيك عن الحركة الوطنية بمختلف ألوان طيفها السياسي و ثورة التحرير فيما بعد  .

الهجرة والمدرسة كانت إذن من الدعامات الأساسية للتغيير في المجتمع القبائلي الريفي الجبلي و المحافظ .مما انعكس بقوة على خصائص الحركات الاجتماعية التي عرفتها الجهة، فقد تميزت هذه الحركات التي برزت بقوة بعد الثمانينات أبريل 1980-  بقوة تأطيرها وتنظيمها النخبوي بمفهومه الواسع .فقد عبر الشاعر [33]والطالب والمطرب من خلال هذه الحركات وداخلها.كما تميزت هذه الحركات بشمولية كبيرة ككل الحركات الاجتماعية[34] ، فجندت الفلاح العامل، البطال، ، وحتى التاجر ورب العمل في إطار جغرافي  محدود لم يتجاوز منطقة القبائل إلا نادرا ،وبمناسبات خاصة استطاع فيها حزبي  المنطقة جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من اجل الثقافة والديموقراطية -  الربط مع اهتمامات وطنية أوسع، كالموقف من الانتخابات السياسية على سبيل المثال أو حتى بعض المواقف من الإرهاب الاسلاموي والوضع الأمني والسياسي العام الذي عاشته الجزائر خلال العشرية الماضية ، وهي من الحالات النادرة التي تواصلت فيها هذه الحركات مع وعاء اجتماعي وطني  أوسع، ميزه حضور الفئات الوسطى الحضرية بما فيها المرأة تحت شعارات سياسية تدعوا إلى  الديموقراطية وحقوق الإنسان  وحتى العلمانية[35] في بعض الأحيان  .

زيادة على التعبير السياسي الحزبي ، فقد استطاعت الحركة الشعبية ذات الغطاء الثقافي الأمازيغي التعبير عن نفسها من خلال مئات الجمعيات التي بادر أبناء المنطقة بتكوينها في مختلف المجالات .  نقابيا كذلك تمكنت الحركة من التعبير عن نفسها من خلال أكثر من نقابة عمالية النقابة الوطنية لعمال التربية والتكوين و SATEF الاتحاد الديموقراطي للعمال  UDT.نقابات لم تتمكن من الابتعاد كثيرا عن الوعاء الجهوي الذي انطلقت منه لحد الساعة  مثلها مثل الجمعيات الكثيرة  .بالإضافة إلى طابعها العمالي الفئوي -المهني المحدود . نقابات  فشلت في الافلات من الهيمنة الحزبية  عليها [36]، بل وحتى الدخول في صراعات بين حزبي ابناء المنطقة ، التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية وجبهة القوى الاشتراكية .

 العنف الذي ميز أحداث منطقة القبائل خلال السنوات الأخيرة 2001/2002 يمكن عده من مؤشرات الأزمة، بل الانتكاسة التي تعيشها الحركة الشعبية الثقافية التي فقدت الكثير من خصائصها الأصلية كالسلمية وقوة التأطير .فبدل الأحزاب والجمعيات وحتى النقابات التي كانت ذات حضور قوي عبرت الحركة عن نفسها من خلال حركة العروش ولجان الأحياء[37] .هذه التنظيمات التي كانت فرصة لإعادة النظر في كل التأطير الحزبي والجمعوي القديم الذي اخذ مكانه جيل جديد من القيادات من سماته انغلاق أكثر حول الذات المحلية وجذرية في الطرح، كانت من إحدى مؤشراته زيادة على حالة الغليان التي فرضها في المنطقة ، رفض المشاركة في  الاستحقاقات الانتخابية الوطنية والمطالبة بمغادرة  قوات الدرك للمنطقة بل والكثير من رموز الدولة الوطنية المركزية الاخرى  .

حالة الغليان واللاأمن التي تعيشها المنطقة منذأكثر من  ثلاث  سنوات زادت استفحالا للكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة منذ أكثر من عقد ، فقد  تأثرت منطقة القبائل سلبا ، فتوقف الهجرة المعروفة عن  ابناء المنطقة تحت تأثيرالازمة الاقتصادية على المستوى الوطني ومراقبة الهجرة إلى الخارج جراء الأزمة الامنية-السياسية ، مما ادى إلى تغيير جذري في التركيبة الديموغرافية للمنطقة وقراها الكثيرة ، فزادت نسبة الشباب داخل القرية القبائلية ،بدل الشيوخ والنساء والاطفال الصغار كما كان سائدا في السابق .حضور المدرسة ، الثانوية والجامعة إلى المنطقة بدل الذهاب اليها يالمدن الكبرى كما كان شائعا في العقود الاولى من الاستقلال كان من أسباب الاتغلاق على الذات وبروز مظاهر العداء والخوف من الاخر، ضمن منطق العودة الى نوع من شبه الاثنية الثقافوية التي بررت إبعاد المرأة عن العمل الجماعي والتركيز على منح دور أكبر لتنظيمات تقليدية كالعروش على حساب التنظيمات العصرية كالحزب والجمعية . العودة هذه نحو المحلي والثقافي شبه الاثني الذي يتم  في الوقت الذي تعرف فيه الدولة الوطنية ، مؤسسات ، خطاب وفئات حاكمة أزمة عميقة  داخلية وفي علاقاتها بالمجتمع بكل فئاته مما زاد في  اطالة عمر الأزمة وصعب من عملية ايجاد الحلول لها .

الحركات الجمعوية

 

استفحال الأزمة في الجزائر بمختلف أبعادها الاقتصادية الاجتماعية والسياسية الأمنية. والفشل في إيجاد الحلول المطروحة ،أفضت إلى حالة تعفن وانسداد على مختلف الأصعدة .مما جعل هذه الحركات الاجتماعية المختلفة تعجز عن تحقيق أهدافها بل تصل إلى مأزق فعلي جعلها تنتكس حتى عن خصائصها الأصلية ،فقد ظهر العنف بقوة وهو الذي كان غائبا كما هو الحال لدى الحركة الاجتماعية الأمازيغية[38] أو ضعيف الحضور لدى الحركة الاجتماعية الشعبية قبل ركوبها من قبل التيارالديني السلفي.الأزمة التي زادها عمقا فشل عملية الانتقال السياسي التي حاول النظام السياسي إنجازها بعد 1988 ليس على المستوى الاقتصادي فقط، بتبني اقتصاد السوق،بل سياسيا كذلك بالمناداة بالتعددية السياسية والنقابية  .

شعارات جديدة مثل المجتمع المدني والحركة الجمعوية وحتى حقوق الإنسان ركز عيها الخطاب السياسي الرسمي  الجديد .  وهو الخطاب الذي منح لنفسه غطاءا دستوريا و قانونيا جديدا دستور 23 فيفري 1989- فرخ أكثر من 80.000 جمعية مختلفة الاهتمام من بينها حوالي 500 جمعية ذات طابع وطني .

مفهوم المجتمع المدني الذي أخذ محتوى اجتماعي نخبوي ، أقصى منه عالم الشغل والحركة العمالية  والنقابية على سبيل المثال .لكي يرتبط اكثر بالفئات الوسطى الحضرية [39]التي استهوتها هذه المفاهيم الجديدة، فكانت المبادرة بتكوين الكثير من الجمعيات في ميادين اهتماماته المهنية والاجتماعية العامة .رغم عملية الإقصاء التي  تمت للكثير من القوى الشعبية  إلا أن العدد الكبير للجمعيات وتنوع أهدافها بل وغموضها في الكثير من الأحيان[40] في جو الحرية النسبية التي صادفت نشأتها في السنوات الأولى قبل تفشي ظاهرة الإرهاب، بل حتى القوانين المنظمة لها والتي أكدت اكثر من دراسة مقارنة عربية  طابعها الليبرالي  المتسامح[41]... شروط كلها كانت مواتية لكي تنـزع  الكثير من الجمعيات نحو العمل "النقابي" المطلبي   في القرية والمدينة  باحيائها الشعبية وتطرح الكثير من هموم  المواطنين ذات العلاقة الواضحة بالتحولات الاقتصادية الاجتماعية التي يعيشها المجتمع  الجزائري خلال مرحلة الانتقال هذه .

 هذا التوجه المطلبي لا يعني  ابتعادها الكلي  عن الاستعمال السياسي الذي تقوم به السلطة بكل مراكز قرارها بمناسبات-الانتخابات الرئاسية وحتى التشريعية  مثلا – كثيرة أين حاولت خلالها توجيهها لأغراض سياسية مرحلية في هذا الجو السياسي والأمني المضطرب . عمليات استعمال تشجعها تلك الأواصر المتعددة الفئوية والسياسية وحتى العائلية التي تربط الكثير من مؤطري الجمعيات وقياداتها بالفئات الحاكمة والكثير من مراكز القرار السياسي الاخرى  .

ارتباطات أخرى دولية هذه المرة يمكن أن تؤثر في خيارات وإستراتيجيات العمل الجمعوي رغم محدودية  تأثيرها  حتى ألان في الحالة  الجزائرية  بالمقارنة مع تجارب عربية وإفريقية أخرى . فالتمويل الخارجي والأوروبي خاصة، يمكن أن يكون عامل رشوة لبعض القيادات التي تحول لديها بقاء الجمعية  الرسمي ونشاطها المناسباتي  بما يفترضه من تنقل وسفر  إلى الخارج وظهور إعلامي-سياسي على الساحة الوطنية كهدف  نهائي للعمل الجمعوي .سلوكيات أثرت سلبيا على الممارسة الديموقراطية داخل هذا الفضاء الجمعوي المفرغ من بعده البشري جراء السيطرة الأبوية التي تفرضها فئة الرواد المؤسسين وتحولهم في الكثير من الأحيان إلى عائق فعلي أمام أي تسيير ديموقراطي للجمعيات التي ساهموا في إنشائها وانطلاقتها الأولى في وقت واحد 1990- وتحت  نفس الإيحاء  الرسمي  والاستراتيجيات الجديدة المرتبطة به  وطنيا ودوليا .

 

بعض الاستنتاجات والاتجاهات العامة

 

تستعمل بعض من القنوات الفضائية العربية لتقديم بعض حصصها السياسية المشهورة، صور مظاهرات الشارع الكثيرة التي عرفتها الجزائر خلال العقد الماضي، بدءا من مظاهرات أكتوبر 1988 لغاية اضرابات ومظاهرات اساتذة التعليم العالي والثانوي التي قادتها في السنة الماضية 2003/04 نقابات غير معترف بها رسميا حتى الان، رغم قوة تمثيليتها التي برهنت عليها أكثر من مرة  ، فقد كان الشارع هو وسيلة التعبير الأساسية للحركات الاجتماعية  بمجملعا في الوقت الذي وصل فيه نموذج التنمية والدولة الوطنية  إلى مأزق فعلي على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية كمؤسسات وخطاب وفئات حاكمة . مما جعل هذه الحركة الاجتماعية عاجزة عن تحقيق مطالبها التي تطرحها خلال انتفاضات جماهيرية دورية قابلة للانتقال من مجال جغرافي  لآخر ،  منتكسة في بعض الاحيان حتى عن خصوصياتها الأصلية التي ظهرت بها في  بداياتها أو اكتسبتها مع الوقت مثل التأطير الحزبي والجمعوي والسلمية ...الخ .

فقد عاد العنف من جديد وبقوة في بعض الأحيان  لهذه الحركات الاحتجاجية .في الوقت الذي ظهرت  على رأسها قيادات جديدة شابة في تنافس قوي  مع القيادات القديمة التي لازالت رغم ذلك صغيرة السن هي الاخرى رغم تجربتها كقيادات ونخب ،فكل جيل يقوم بتجربته ويغادر الساحة ،دون الاستفادة دائما من تراكم التجارب السابقة مما لا يساعد على عملية التأطير لهذه الحركات الاجتماعية التي تغلب عليها منطق الحركة والعنفوان أكثر من منطق المؤسسة  .

عمومية المطالب وطابعها الاقتصادوي عادت هي الأخرى إلى الحركة الاجتماعية الشعبية في هذا الظرف الاقتصادي الصعب الذي تعيشه الحركة الاجتماعية الشعبية بعد المأزق السياسي الذي أوصلها إليه الإسلام السياسي الجذري .العنف والتشكيك في الأطر الحزبية والجمعوية  لصالح أطر اكثر تقليدية العروش - ومظاهر معاداة الدولة الوطنية وأجهزتها كانت من الصفات التي برزت بها الحركة الشعبية الأمازيغية في السنتين الأخيرتين وهي تطرح مسألة العلاقة بين المحلي والمركزي وتسيير الاختلاف والتنوع  الثقافي داخل الفضاء الوطني  ضمن هذه الساحة الدولية المضطربة والمعادية للبناء الوطني    المستقل والمركزة على المحليات و الثقافوية  .

  على نفس المنوال نجد ان  الظرف الاقتصادي  المتسم بالأزمة الاقتصادية والركود لم يكن  ظرفا مواتيا لتطور العمل النقابي حتى وهو يدخل مرحلة التعددية التي لم تلجأ لها كإستراتيجية إلا الفئات التي لازالت تعتقد أن ميزان القوى القطاعي لازال في صالحها على عكس ميزان القوى العام  الذي لم يعد في صالح عالم الشغل  بطريقة واضحة منذ أكثر من عقد . الوضع الذي قد يولد  ويعمق نوع من الأنانية والعمل الفئوي الضيق  لصالح  الفئات العمالية والاجيرة الأكثر تأهيلا ،حتى وان كانت أشكال المطالبة التي لجات اليها هذه الفئات تتسم بالكثير من الجذرية والتمثيلية .

 ضمن هذا الاطار فأن العمل النقابي التعددي لازال غير معترف به في واقع الأمر ويجد الكثير من العقبات أمامه رغم دستورية وقانونية  وجوده .فالتجربة النقابية التعددية بينت بما لايدع مجالا للشك خلال العقد الماضي  أن الفعل النقابي التعددي و المستقل  سيكون في حاجة فعلية  للقيام بمعركة الاعتراف الاجتماعي والفعلي  به ،حتى بعد ان حصل على الاعتراف القانوني والدستوري خلال فترة بداية التسعينيات كنتيجة لميزان القوى السياسي العام الذي فرضته الحركات الاجتماعية المختلفة ليبقي حقا نظريا وشكليا  حتى الان  وكواجهة دولية  "لديموقراطية " يراد لها ان تبقى بعيدة عن المجتمع الفعلي  وقواه الشعبية .

 في هذا الصدد فان خصوصية وضع الفئات الوسطى في الجزائر بكل ثقلها الاجتماعي والأداور التي  قامت و تقوم بها فعلا والتي عجزت عن القيام بها كفيل بتفسير الكثير من نقاط ضعف هذه الحركات الاجتماعية .فالأنقسامية  اللغوية والثقافية التي تميز الفئات الوسطى في الجزائر  جعلتها تعيش لذاتها وغير قادرة على التواصل الإيجابي مع  المجتمع وفئاته الشعبية تحديدا لتكون مؤهلة  بالتالي للقيام بادوارها كفئات وسيطة تحتل مواقع مفصلية داخل هذه الحركات الاجتماعية ومؤسساتها وكمنتجة للمعنى بالنسبة لهذه الحركات التي استمرت في حالة "خام " ومن دون فعالية كبيرة  بل تنتكس في الكثير من الاحيان حتى عن بعض مستويات التنظيم ، الفعالية والتجنيد التي وصلتها  في مرحلة معينة .

حتى وان كانت هذه الفئات  الوسطى المستفيدة من التسيير المركزي السابق للاقتصاد تعيش وضعا اقتصاديا صعبا بعد التحولات التي ادخلت على النظام الاقتصادي، الذي نتج عنه فقدانها الكثير من مجالات وشروط اعادة انتاج نفسها كما حصل في القطاع الاقتصادي العمومي على سبيل المثال الذي كانت تحتل داخله مواقع مهمة داخله . مواقع استفادت منها هذه الفئات المؤهلة  في القيام بعملية تكيف ناجحة داخل القطاع الخاص  و الأعمال الحرة هذه المرة بعد المأزق الذي وصلته التجربة العمومية التي كانت تقودها داخل القطاع الصناعي .وهو الحال  الذي انعكس سلبا على المؤسسات الاجتماعية التي قامت هذه الفئات بتكوينها والتبشير للمفاهيم المرتبطة بها كالمجتمع المدني  و الجمعيات .مؤسسات رغم تكاثرها العددي إلا أنها لم تتمكن من الإنغراس في الجسم الاجتماعي الوطني الشعبي الذي لازال ينظر إليها بريبة وتشكيك جراء قربها الكبير من مراكز القرار الرسمي وطرق عملها  النخبوية بل وحتى انانيتها  .

الفئات الوسطى التي عول عليها النظام السياسي الجزائري لتكون  القاعدة الاجتماعة الاساسية  التي يعتمد عليها لأنجاح عملية الانتقال التي بادر القيام بها من نمط التسيير  الاقتصادي والسياسي التقليدي الذي كان يعتمد على الاقتصاد المخطط والاحادية السياسية نحو اقتصاد السوق والتعددية ، لم تفشل  هذه الفئات فقط في القيام بهذا الدور بل فشلت في الترويج له وحشد تأييد شعبي له مما زاد في تعميق أزمة النظام السياسي والدولة الوطنية .فشل لم يساعد كإطار عام على تحقيق أهداف هذه الحركات الاجتماعية على تنوعها  وشموليتها ،كما لم  يحقق لها فعالية أكبر لها مما جعلها تنتكس عن الكثير من خصائصها ،لتبقى من دون فعالية كبيرة  لتساهم في نوع من الابتذال للعنف  الذي ميز الحالة الجزائرية منذ اكثر من عقد  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

[1]  انظر في هذا الصدد الدراسات التاريخية للمؤرخ الفرنسي شارل روبير اجرون

Charle robert –ageron, les algeriens musulmans et la France ; ed puf ; paris

 

[2] من المؤلفات الكلاسيكية حول هذه الفترة يمكن الرجوع إلى .

عبد اللطيف بن اشنهو تكوين التخلف في الجزائر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع  الجزائر 1981

 

[3] Erik  neveu ; sociologie des mouvements sociaux ; ed la decouverte coll reperes , paris 2002  p 114

[4]   المصاهرات العائلية  كانت إحدى هذه الاستراتيجيات وهو ا ما أكدته دراسة جيلا لي اليابس الكثير