|
|
|
العمل في هذا الموقع دائم
|
التحولات الاجتماعية و دور اليسـار في المجتمع الفلسطيني
غازي الصورانـي
أولاً: حول التناقض السياسي الديمقراطي الرئيسي الداخلي في المجتمع الفلسطينـي :
منذ تطبيق اتفاق أوسلو في أيار/مايو 1994 ، وقيام سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية ، بدأ في التشكل واقعا اجتماعيا/اقتصاديا جديدا ، هذا الواقع أو المجتمع "الجديد" ، رغم أنه ولد من رحم الإطار العام للحركة الوطنية الفلسطينية ، إلا أنه سرعان ما تحول عبر دور مرسوم –حددته نصوص الاتفاقات وغيرها من العوامل الداخلية والخارجية على مدار العشرة اعوام الماضية- وعبر رموزه وتعبيراته البيروقراطية والطبقية ، إلى إطار ضيق وأحادي ، انفرد –عبر السلطة الفلسطينية- بدوره بعيدا عن الإطار العام لعموم الحركة الوطنية وبرنامجها وثوابتها الوطنية والسياسية ، بمثل ما انفرد بوضع وصياغة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية وفق رؤى "جديدة" أشرفت على تنفيذها أجهزة السلطة المتعددة وتحالفاتها ورموزها البيروقراطية والطبقية ، في سياق نهج سياسي وممارسات على الصعيد الداخلي ، التزمت إلى حد كبير بنصوص الاتفاقات المعقودة ، بكل جوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية … الخ ، مما عزز الطابع الأحادي البيروقراطي المتفرد الذي أدى بصورة متراكمة إلى تغييب مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ، التشريعيـة والتنفيذية والقضائيـة ، وعزز هيمنة القائد الفـرد على كل هذه السلطات بصورة شبه مطلقة لم يعد معها أي معنى لمبـدأ سيادة القانـون ، مما أفسح المجـال –بشكل صارخ- إلى بروز مظاهـر الاستبداد والقمـع والفوضـى والولاءات الشخصيـة والعائليـة ، وتغييب الممارسـات الديمقراطيـة بكل أشكالهـا فـي نظـام السلطـة والمجتمع الفلسطينـي معـا*. لذلك فإن المتتبع لحركة تطور المجتمع الفلسطيني منذ منتصف عام 94 حتى اليوم ، قد يتوافق معنا على أن حركة هذا المجتمع الفلسطيني قد تأثرت بعوامل كثيرة ساهمت في تراكم مظاهر الفساد والخلل والتسيب وغياب سيادة القانون والعديد من المظاهر السلبية الأخرى ، التي تراكمت خلال السنوات العشر الماضية ، ومع إدراكنا الواعي في تناولنا للتناقضات السياسية المجتمعية الداخلية الفلسطينية ، باعتبارها تناقضات لا يجب أن ترتقي الى مستوى التناقض مع العدو الصهيوني، الذي يتميز في كونه تناقضاً أساسياً، رئيسياً وتناحرياً، تختلف طبيعته وأشكال مواجهته عن طبيعة وأشكال مواجهة التناقضات الداخلية ، إلا أننا لا نرى في الفصل بين التحرر الوطني أو الصراع السياسي من جهة وعملية البناء الاجتماعي الديمقراطي الداخلي من جهة أخرى ، موقفا صحيحا أو موضوعيا يخدم مسيرتنا الراهنة ، فالنضال من أجل التحرر الوطني من ناحية، والنضال الديمقراطي من أجل البناء المجتمعي الداخلي من ناحية ثانية يشكلان معاً وحدة جدلية في إطار عضوي متداخل ، ولذلك فإن عملية التوازن بين هذين البعدين في الصراع ذات أهمية قصوى ، وارتباطا بهذه الرؤية ، فإن تنامي القدرة على خوض النضال لتحقيق الأهداف الوطنية ، حق العودة وتقرير المصير وازالة الاستيطان والدولة ، عبر المقاومة والصمود في مواجهة العدوان الصهيوني وازالة الاحتلال ، ترتبط –هذه القدرة- بمدى التقدم على صعيد البناء الاجتماعي ، اقتصاديا وثقافيا وصحيا وتربويا ، وتعزيز القيم والممارسات الديمقراطية في العلاقات الداخلية ، وبهذا المعنى لا تعود المهام الاجتماعية الديمقراطية ذات سقف مطلبي فقط ، وإنما شرط مادي استراتيجي للتحرر الوطني ، ذلك أن عناوين/محاور البرنامج التحرري بقدر ما تمثل جبهات تماس كبرى مع الاحتلال –كما يجري اليوم- فإن عناوين وميادين النضال الاجتماعي أيضا بدورها تشكل نقاط تماس واشتباك لا تقل أهمية ، ولكن عبر سياقها ومظهرها وآلياتها الديمقراطية كتناقض داخلي لا يجب أن يرقي إلى المظهر أو الأداء التناحري –في فلسطين او اي بلد عربي-، والمطلوب بالمقابل أن تتوفر القدرة على إدارة المواجهة الديمقراطيةضد سياسات السلطة الفلسطينية النقيضة للمصالح الوطنية والاجتماعية ، حيث يتبدى اتساع القطاعات الشعبية الفلسطينية الرافضة والمعارضة لتلك السياسات والممارسات ، بحكم تضررها منها بصورة مباشرة وغير مباشرة ، وهي معارضة عفوية تراكمت طوال العشر سنوات الماضية ، بحاجة إلى المزيد من التأطير والتفعيل والتحريض السياسي لها بصورة منهجية ومبرمجة ومجدولة من قبل الطليعة المنظمة عموما واليسارية منها بشكل خاص .
في كل الأحوال ، وفي سياق حديثنا عن التناقضات الداخلية المجتمعية ، فإننا نرى انه بالرغم من بروز وتعمق هذه التناقضات عبر تحولها إلى تناقض رئيسي من جهة ، ورغم تشابكها وتداخلها في اللوحة العامة للمكونات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية العامة ، إلا أن أدوات وآليات المواجهة تختلف وتتفارق بينهما –كما اشرنا- ، فالمقاومة والنضال بكل أشكاله أمر مشروع ومطلوب في مواجهة التناقض الأساسي الرئيسي مع الاحتلال .
بالمقابل ، وفي مواجهة التناقضات الداخلية ، فإننا نرى ضرورة تكثيف الفعل السياسي الديمقراطي –الميداني والجماهيري- وكافة وسائل النضال السياسي التي يجب أن تشمل وتغطي كافة العناوين المجتمعية والقضايا المطلبية ، وما يتطلبه ذلك من توفير وسائل ومقومات القوة والتجانس والحضور الجماهيري الواسع للتيار اليساري بالمعنى التنظيمي والفكري والسياسي ، حضورا يعزز دوره من جهة ، ويخدم شعار المرحلة "تحرر وطني وديمقراطي" من جهة ثانية ، عبر هذا التفاعل بين المهمتين . بهذه الرؤية اعتقد اننا –كقوى يسارية- قد نمتلك خصوصية في تحليلنا الموضوعي لكل من التناقض الأساسي الرئيسي الأول ضد الاحتلال ، والتناقض الداخلي في مجتمعنا الفلسطيني ، فبالرغم من قناعتنا ووعينا بتداخلهما وتشابكهما معا في إطار مهام التحرر الوطني والديمقراطي ، إلا أن لكل منهما سماته الخاصة ومكوناته وعناصره وتمايزه من حيث الجوهر ، ومن حيث أسلوب وآليات التعامل مع كل تناقض منهما على حده ، إلى جانب استقلالية كل منهما النسبية من حيث طريقة أو شكل التعامل معه أو مواجهته ، وليس من حيث الترابط العضوي الموضوعي بينهما ، إن وعي هذه الجدلية في علاقة وحركة التناقضات وفي صيرورتها وتحولها ، لأمر في غاية الأهمية ، إنها الأهمية التي تدفعنا إلى تعميق الوعي والاقتناع بضرورة الانشداد واستخدام كافة أشكال النضال في مواجهة الصراع أو التناقض الأساسي الأول القائم مع الاحتلال ، دون أن نغفل بالطبع التأكيد على ضرورة التعامل مع الكفاح المسلح في كل لحظة وكل ظرف أو مرحلة باعتباره وسيلة يجب أن تنضبط دائما بصورة موضوعية واعية للرؤية السياسية الوطنية الشاملة في الظرف المناسب والمكان المناسب وفق ما تمليه تلك الرؤية.
أما بالنسبة للتناقض الداخلي المجتمعي ، فإن الأمر يقتضي –ارتباطا بدور اليسار-تطوير وتعميق وتفعيل حركته على المستوى الخاص الداخلي او التنظيمي من جهة ، وتطوير علاقته مع الإطار الخارجي عبر النقابات والمؤسسات الجماهيرية الشعبية والقطاعات الانتاجية بصورة مكثفة ومحسوسة ، إلى جانب دوره في النضال السياسي المجتمعي باستخدام كافة أساليب وأشكال المواجهة السياسية الجماهيرية الديمقراطية دفاعا عن مصالح الجماهير الشعبية ، وقضاياها الوطنية والمطلبية في آن واحد ، وذلك بالرغم مما قد تقوم به السلطة من استفزازات متوقعة في المرحلة الراهنة او اللاحقة، فهنا بالضبط تنشط العلاقة الجدلية بين الدور النضالي ضد الاحتلال والدور النضالي السياسي الديمقراطي الداخلي ، بصورة تبادلية بالمعنى الإيجابي لكل من الدورين معا ، في سياق هدفي التحرر الوطني والديمقراطي بما يخدم ويعزز اتساع مساحة دور قوى اليسار ، خاصة في المستقبل المنظور، ويَمكِّنها من مغادرة الأزمة باتجاه النهوض والانطلاق لتأدية دورها ووظيفتها الوطنية والاجتماعية في خدمة أهدافنا الوطنية والقومية التقدمية الديمقراطية بالارتباط الوثيق بالرؤية والحركة الاممية، او العولمة النقيضة، العصرية والثورية والاكثر انسانية وعدلا اجتماعيا وديمقراطية .
ثانياً : السلطة الفلسطينية والأوضاع المجتمعية الداخليـة :
منذ قيام السلطة الفلسطينية في مايو 1994 ، بدأت مرحلة جديدة في حياة شعبنا الفلسطيني ، حملت في داخلها إمكانيات وأدوات للحركة والفعل السياسي-الاجتماعي ، تتناقض إلى حد كبير مع كل ما سبقها من مراحل عاشها شعبنا وحركته الوطنية في كل تاريخها الحديث والمعاصر . وقد نتفق أن ولادة هذه المرحلة النقيض جاءت في مناخ اتفاق كامب ديفيد 1979 وبداية الترويج لسياسة وثقافة "السلام" ، إلى جانب تراجع المشروع القومي العربي ، الذي ترافق مع انهيار ثنائية النظام الدولي وتوفر شروط الهيمنة الأمريكية عبر نظام معولم يمثل الطور الأخير –كما يبدو- في حركة صعود الرأسمالية العالمية ، ولكن هذه النتائج على أهميتها وخطورتها –لم تكن قادرة على إضعاف وتفريغ المشروع الوطني الفلسطيني من عوامل قوته ، لولا أن العامل الذاتي الفلسطيني المتمثل في قيادة م.ت.ف المتنفذة ، قد أصبح بفعل استكمال وتهيئة عوامل التراكم الكمي- بالمعنى السياسي والطبقي السالب في داخله مهيئا للقبول أو التعامل مع الشروط الجديدة للأبعاد الدولية والإسرائيلية والعربية الرسمية ، منطلقا من فرضية قطرية باسم القرار المستقل ، ومن واقعية رثة ومنطق تجريبي مهزوم هبط بأصحابه من ثوابت الحد الأدنى الفلسطيني والعربي إلى هياكل واتفاقات مع العدو الإسرائيلي تحت مظلة الحكم الإداري الذاتي طوال مرحلة انتقالية دون معرفة مسبقة بطبيعة وشكل وحدود نهايتها في الزمان أو المكان (كما نلاحظ اليوم من التعامل مع خطة شارون التي ستودي بالمشروع الوطني الفلسطيني الى "نهاية" مروعة)، مما سيؤدي إلى تفكيك العلاقة السياسية لوحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات ، والى تفريغ جوهر م.ت.ف الوطني والتعامل مع هيكلها الشكلي القائم الآن عبر هيمنة أحادية بيروقراطية ، مكنت بدورها كافة سبل الهيمنة المطلقة اللامحدودة للقائد الفرد ، بصورة شمولية وعميقة على كل المؤسسات والأجهزة والأفراد سواء في م.ت.ف أو في مؤسسات السلطة الفلسطينية .
إذن ، فاتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقات ، لم يكن تعبيرا عن يأس شعبنا بقدر ما كان عنوانا صارخا ليأس المجموعة القيادية الفلسطينية التي وقَّعت ووافقت عليه للخروج من مأزقها الذاتي –التنظيمي والسياسي والفردي- من جهة ، وانسجاما مع تراكم مصالحها الطبقية طوال العقود الماضية ، التي توافقت مع مصالح بقايا كبار الملاك والرموز العشائرية والعائلية ، وبورجوازية الكومبرادور ورجال الأعمال في الوطن والشتات ، حيث توافقا معا في رؤية وبرنامج سياسي ، كان إعلان المبادئ في أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية تتويجا لهما، شَكَّل المقدمة الأولى لحركة المسار السياسي الفلسطيني الذي تميز برسمه البياني الهابط الذي اوصل قضية شعبنا الى الافق المسدود الراهن ونقصد بذلك الجدار الفاصل والمستوطنات وخارطة التيه التي تم تقليصها ومسخها عبر خطة شارون/غزة .
فمنذ أيار 1994 ، ومع انتقال إطار القيادة المتنفذة في المنظمة إلى الضفة والقطاع عبر سلطة الحكم الإداري الذاتي ، تحولت مسئولياتها –إلى حد كبير- نحو اتجاه ومجرى جديدين في مواجهة معطيات ومتطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية بكل تفريعاتها في المجتمع الفلسطيني ، وبالتالي بدأت تتخذ عبر هذا التحول طابعا نوعيا جديدا من حيث شكل الممارسة وأدواتها ، حيث أن البنية القيادية لهذه السلطة ظلت ممسكة وعبر الهيمنة الفردية المطلقة لقائدها ، التي يبدو انها تتراجع وتنحسر في هذه المرحلة لحساب "القيادات الشابة" الجديدة وفق "خطة الاصلاح" الامريكية-الاسرائيلية ، التي تم فرضها –ولو جزئيا- على الواقع السياسي/الاقتصادي/الاجتماعي الفلسطيني ، رغم حالة الرفض الشعبي لهذه الخطة واهدافها النقيضة للمصالح الوطنية الفلسطينية ، على اي حال فان المتغيرات الراهنة والمستقبلية في بنية السلطة ومؤسساتها ستدفع الى بلورة دور سلطة الحكم الذاتي في شكلها الجديد صوب مزيد من التوافق والتوحد المعبر عن سياسة ومصالح الشرائح الطبقية الرأسمالية (الزراعية والتجارية والصناعية والمالية والطفيلية والبيروقراطية) القديمة التقليدية والجديدة الطارئة ، التقليدية والمشوهة ، وهي علاقة لم يكن ممكنا لها أن تتوحد –كما هي اليوم- بدون ذلك التراكم في توحد المصالح المشتركة بين بنية السلطة (البيروقراطية الفاسدة ، العسكرية والمدنية) من جهة ، والبنية الطبقية أو الشرائح العليا الرأسمالية الفلسطينية في الداخل والخارج ، هذه العلاقة-التوأمة ، القائمة على المنافع المتبادلة ، التي لم تكن غائبة قبل قيام السلطة ، وكانت قائمة بصورة مستترة وكامنة في إطار بعض مؤسسات م.ت.ف ، أصبحت مكشوفة ومتشابكة في الوضع الجديد أو السلطة ، الذي أوصل هذه العلاقة إلى الذروة ، او المتغيرات الراهنة والقادمة تحت مظلة الاصلاح الامريكي المزعوم ، وهو امر غير مفاجئ او مستغرب نظرا لانشداد معظم اطراف السلطة بصورة تاريخية وتدريجية عبر المصالح – الاقتصادية و السياسية – بخيوط متعددة مع الرأسمال العربي و الأجنبي و الإسرائيلي ، يتحكم فيها المركز الرئيسي عبر قناة الصندوق و البنك الدوليين و قنوات أخرى متعددة .
و السؤال ؟ هل نكتفي بمعالجة "خارطة الطريق" و"خطة شارون" بالانسحاب من غزة وجزء من الضفة، بمنطق المزيد من التشخيص و التحليل و تبيان هذه المخاطر المتراكمة سواء بفعل دور ووظيفة العدو الرئيسي إسرائيل و الحركة الصهيونية ، أو بفعل التناقضات الداخلية الناتجة عن ممارسات السلطة و تحالفاتها أو انقساماتها بين قيادة تقليدية وقيادة شابة باسم الاصلاح او غيره من المشاريع الامريكية-الصهيونية؟ أم أن علينا -كقوى يسارية قومية-استحقاقات أخرى ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي وعاء أو إطار يحمل على عاتقه هموم و معاناة و برنامج المستقبل للوطن و الجماهير الشعبية في آن معاً ؟ استحقاقات تدفع بعقل هذه القوى– الجمعي – و ممارساته الديمقراطية المركزية الداخلية إلى دوائر و ميادين تتجاوز كل هذه الاتفاقات التي تهبط بشعبنا من قاع الى قاع آخر أكثر سوءا ، بمثل ما تتجاوز كل ممارسات السلطة على الصعيد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي ، دون أن تتخطاهما أو تقلل من مخاطرهما على شعبنا و جماهيرنا الفقيرة و أرضنا المحتلة بصورة شمولية واسعة ؟ بالطبع ، ان الجواب النظري -للوهلة الاولى- ان هذه القوى لا بد لها من ان تدرك انها ستدفع كل هذه الاستحقاقات ، و ستتجاوز مع جماهيرها الشعبية كل هذه العقبات ، و لن تتسمر عند حدود أي منها مؤمنة بخصوصيتها الوطنية الفلسطينية في اطار عروبتها كجوهر رئيسي ، وبمبادئها في الحرية و العدالة الاجتماعية والديمقراطية بآفاقها الاشتراكية .
لذلك فإن معالجتنا للاتفاقات و للأوضاع الداخلية المتردية ، بمنطق التشخيص و التحليل و كشف المخاطر الراهنة والمستقبلية ، هو أحد المداخل الضرورية لقوى اليسارمن أجل صياغة البدائل الوطنية و المجتمعية ، والنضال – بصورة منظمة و جماهيرية – من أجل تحقيقها في الحياة و على أرض الواقع ، انطلاقاً من قناعتها ووعيها و التزامها بأنها هي الأكثر تأهيلاً و قدرة على صناعة مقدمات و مقومات الدور المطلوب في مجابهة الواقع الراهن وتغييره . ففي هذه الظروف التي تتزايد فيها مظاهر العنجهية الإسرائيلية الاحتلالية و ما يترتب عليها من خطوات عملية لخلق معطيات و حقائق أمر واقع جديدة ، بالتهويد و الاستيطان و المزيد من تجريف الأراضي و الاستيلاء عليها و المطاردة و الاعتقال ، و القصف و هدم البيوت ، و الحصار و الضغط الاقتصادي و التجويع، حيث يسعى العدو من خلال هذه الممارسات الى ازاحة مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة واستبداله بمشروع "غزة" الذي سيراكم بالضرورة مزيدا من التعقيدات في المأزق السياسي لمسار التسوية المهين الراهن ، و هو مأزق لا نعتقد أن السلطة الفلسطينية تعمل –بصورة جدية- على الخروج منه أو مواجهته ، دون أن نلغي إمكانية او استعداد بعض اطرافها للتعاطي مع " المستجدات السياسية " الشارونية – الأمريكية تحت ذريعة الأمن و فض الاشتباك و الحصار الجغرافي و الاقتصادي ، و بهدف الخروج من مأزقها الداخلي العميق ، الذي تتسع دائرته يوماً بعد يوم ، ذلك لأنها لا ترغب و لا تريد – حتى اللحظة – للخروج من مأزقها الداخلي عبر باب التغيير و الإصلاح الديمقراطي الشامل –النقيض لمنطق الاصلاح الامريكي- ، في الضفة و القطاع ، كما لا تريد أن تخرج من مأزقها السياسي عبر باب المسار السياسي العربي الشعبي الذي يتطلب إعادة النظر في كل عملية التسوية و التفاوض و استبدال مرجعيتها و سياساتها برؤى و مرجعيات سياسية و تنظيمية جديدة تستند إلى وقف كل السياسات السابقة ، و رفع شعار وقف المفاوضات و تبني الدعوة لالتزام إسرائيلي بالقرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية كأساس و مرجعية هامة بما يؤدي الى تحقيق هدف قيام الدولة الوطنية الفلسطينية كاملة السيادة على الاراضي المحتلة 1967 ، مع ما يترافق مع ذلك من تفعيل دور م . ت . ف و إعادة انتخاب مجلسيها الوطني و المركزي ، و لكن – و كما يبدو بصورة جلية – لم يعد ممكناً للسلطة أن تغير مسارها الراهن دون متغيرات سياسية و مجتمعية في إطار جماهيري واسع ، يمهد لخلق قوة ضغط ديمقراطية مؤثرة تفرض تلك الرؤى و المعطيات التغييرية النوعية المطلوبة في القضايا السياسية الوطنية و المطلبية معاً ، و ذلك هو مسار القوى اليسارية-القومية و دورها في موازاة مسار السلطة المستجيب – بهذه الدرجة او تلك للقرار الإسرائيلي – الأمريكي – من جهة ، و الذي تتزايد و تتسع مخاطر مكونات بنيتها و أجهزتها و نتائج انعكاسات ممارساتها على جماهيرنا الشعبية بصورة سلبية خطيرة و مؤثرة وغير مسبوقة من جهة ثانية ، تتجسد هذه الممارسات – التي باتت حديث الشارع – في اتساع رقعة الفساد و الإفساد و المحسوبيات و التسيب و بهتان دور القضاء و الانحطاط الاجتماعي عبر إعادة إنتاج التخلف و تجديد دور رموزه بالتساوق مع مصالح أجهزة السلطة و في خدمتها ، كل ذلك في إطار من الفراغ السياسي بالمعنى الدستوري المُعبَّر عنه في احتكار السلطة للعمل السياسي وإفساد وتجويف العمل الجماهيري ، و استمرار دورها في تغييب المشاركة الشعبية وتطبيقاتها الديمقراطية الى جانب احتكارها شبه المطلق للهيمنة –عبر اجهزتها- على كافة المؤسسات ، ومحاولتها الدؤوبة لعزل كافة أطراف الحركة السياسية عموماً و المعارضة بشكل مُرَكَّز ، و من هذا الموقع المحتكر للعمل السياسي و الاجتماعي العام ، عملت السلطة على تبهيت الوظيفة و الدور الإيجابي للعمل السياسي أمام الجماهير في ظل غياب النظام العام و القانون الناظم للحياة الاجتماعية مع تبهيت كامل لكل إمكانيات أو بدايات نضوج مؤسسات المجتمع المدني .
ثالثاً : الأوضاع والتحولات الاجتماعيـة :
إن أهم ما تتميز به الأوضاع الاجتماعية-الطبقية في بلادنا –والبلدان العربية عموما- أنها أوضاع انتقالية ، غير مستقرة وغير ثابتة، والأشكال الجديدة فيها تحمل في ثناياها العديد من ملامح القديم ، لذا فإن التحليل الداخلي أو الطبقي لمجتمعاتنا ، القائم على المقارنة الميكانيكية أو التشابه بينها وبين مسار التطور الأوروبي كمعيار ، سيؤدي بنا إلى مأزق تحليلي ومعرفي عند مناقشة الوقائع العينية والأحداث التاريخية التي ميزت واقعنا ، لأن هذه الأحداث والوقائع كانت عاملا أساسيا من عوامل تشوه وتميع الوضع الطبقي الفلسطيني ، فالنكبة الأولى عام 1948، التي شردت شعبنا ودمرت قاعدته الإنتاجية (شبه الإقطاعية –شبه القبلية- شبه الرأسمالية آنذاك) ومجمل بنيته الطبقية والمجتمعية ، ثم ضم وإلحاق الضفة الفلسطينية إلى الأردن لتصبح جزءا من اقتصاده ومجتمعه ، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية المصرية ، وتكريس التباعد الجغرافي والسياسي بينهما الذي عمق التباعد الاجتماعي-الاقتصادي بين أبناء الشعب الواحد حتى الاحتلال عام 1967 ، الذي قام بإلحاق اقتصاد كل من الضفة والقطاع بالاقتصاد الإسرائيلي ، ومنذ توقيع اتفاق اوسلو ومن ثم اتفاق باريس الاقتصادي (نيسان 1994) يعيش الاقتصاد الفلسطيني حالة من تواصل التبعية الكاملة –من حيث السوق والوحدة الجمركية والأسعار- للاقتصاد الإسرائيلي، تقترب في بعض اوجهها مما كان عليه الحال ابان مرحلة ما قبل اوسلو خلال الفترة من 5حزيران67 الى سبتمبر1993.
إن هذه الأحداث والمتغيرات والتطورات التي واكبت تطور مجتمعنا الفلسطيني –وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمعات العربية- تفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصية في تطور مجتمعنا ، وعدم إمكانية تطابق مساره التطوري مع المعيار أو المسار الأوروبي كما شَرَحتْه بعض مقولات المادية التاريخية في تناولها للمجتمعات الأوروبية .
إننا إذ نسترشد في تحليل متغيرات الواقع وقراءة كافة الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالنظرية المادية الجدلية-التاريخية ومنهجها ، إلا أن هذا لا يعني أن مجتمعنا الفلسطيني –والمجتمعات العربية- محكوما في تحولاته بالضرورة بمسار المجتمعات الغربية أو أي مسار آخر ، ذلك لأن الواقع الاجتماعي الاقتصادي الفلسطيني –دونما انفصام عن الواقع الاجتماعي العربي- هو نقطة البداية في التحليل والتشخيص والوعي بتفاصيل مكوناته استنادا للنظرية الماركسية ومنهجها ، ومن هنا تكتسب مفاهيم ومصطلحات مثل "الإقطاع" و"الرأسمالية" و"البرجوازية" والطبقة العاملة أو "البروليتاريا" مضامين مرتبطة بالتطور التاريخي في أوروبا ، وهي مضامين لا تتوافق أو تتناسب إلى –حد كبير- مع تحليلنا لواقعنا ، بحكم اختلاف شكل ومضمون التطور التاريخي في بلادنا ، اختلافا جذريا ، دفع العديد من المفكرين والكتاب والمثقفين الماركسيين العرب إلى استخدام مفاهيم حمل كل منها مضمونا توافق مع واقعنا بصورة جزئية دون استقرار وثبات لهذه المضامين بصورة نهائية كما حصل في المفاهيم ومضامينها المطبقة على التجربة الأوروبية ، مثل "الإقطاع الآسيوي" "المجتمع شبه الإقطاعي شبه القبلي" "الإقطاع القبلي" أو "الإقطاع العشائري" ، "الإقطاع الأبوي" "مجتمع ما قبل رأسمالي" "مجتمع شبه رأسمالي قبلي شبه إقطاعي" ، وكذلك الأمر بالنسبة للبرجوازية ، كطبقة غير متبلورة ، اتخذت في بلادنا سياقا أو إطارا –بحكم تبعيتها- مغايرا للبرجوازية الأوروبية ، فهي عندنا "برجوازية" أو رأسمالية كومبرادورية ، سمسارة ، طفيلية ، ريفية ، متخلفة ، ولدت –كما غيرها من الطبقات "الحديثة"-، في أحضان الأنماط والعلاقات ما قبل الرأسمالية ، وبالتالي فليس مستغربا أن لا تتطلع هذه الشرائح الرأسمالية "البرجوازية" إلى دور "طليعي" أو نسبي في عملية التحرر الوطني أو البناء الاجتماعي الداخلي يعبر ويتوافق مع مصالحها ، بسبب استنادها ، من حيث الولادة والتكون ، إلى عوامل داخلية مشوهه ومتخلفة ، وعوامل خارجية حددت دورها ووظيفتها ومسارها وتبعيتها للآخر ، فالمعروف أن نواة البرجوازية في بلادنا –وفي العالم الثالث عموما- لم تتشكل في داخل البنية الاجتماعية التحتية ، وبالتالي لم تحمل مشروعا نهضويا أو تنويريا ، كما لم تكن نقيضا للطبقة السائدة (شبه الإقطاعية) بل كانت امتدادا "عصريا" لها ، وتابعا مخلصا للسوق الرأسمالي العالمي –وقابلا للاحتواء والخضوع- عبر تطورها إلى برجوازية كمبرادورية كما هي سماتها الرئيسة وممارساتها –في كافة الاقطار العربية- في المرحلة الراهنة .
وكذلك الأمر بالنسبة للطبقة العاملة ، التي لم تتبلور بعد في بلادنا ، كطبقة تعبر عن نفسها بصورة مستقلة ، حيث نلاحظ اليوم ، التفاوت الواسع لشرائح هذه الطبقة ، من حيث وعي أفرادها ، وتكوينها ، ودورها ، وعلاقاتها الاجتماعية ، مثالنا على ذلك ، التفاصيل اليومية للواقع المعاش لعمالنا و معاناتهم في الضفة والقطاع ، فالعاملين في السوق الإسرائيلي وبسبب فقرهم وحاجتهم فانهم يستجدون بيع قوة عملهم واستغلالهم من صاحب العمل الاسرائيلي ، فاذا فتحت الحواجز وحصلوا على تصريح العمل ، تبدأ رحلة العذاب –العمل- حيث يتعرضون لكل أشكال الاضطهاد –الوطني والطبقي- منذ فجر يوم العمل لكل منهم ، على الحواجز والتفتيش والإذلال النفسي والمادي ، إلى معاناتهم لدى صاحب العمل وتحملهم للأعمال الشاقة والقذرة ، ثم عودتهم بعد هبوط الليل ، إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة التي يعيش معظمهم في داخلها بموجب تقاليد وقوانين العائلة والقرية والمجتمع ، إنها المفارقة التي تميز هذا القطاع الواسع من عمالنا المشدودين بصورة معنوية وعضوية إلى عاداتهم الاجتماعية التقليدية في الأسرة أو الحامولة ، أو تجمع القرية ، يمارسون فيها وعبرها دورهم الاجتماعي حسب الوضع الاجتماعي المتوارث لكل منهم ، وكذلك الأمر بالنسبة للعمال في السوق الفلسطيني (الضفة والقطاع) قطاع الخدمات أو الصناعة أو الزراعة ، فإننا نلاحظ أيضا ، حالة التفاوت بين هذه الشرائح العمالية من جهة ، وبين العلاقات الإنتاجية التي يمارسون أعمالهم من خلالها ، وهي وإن كانت تبدو ظاهريا علاقات رأسمالية (عبر علاقة الأجرة) إلا أنها ليست كذلك بحكم تخلف القطاع الإنتاجي نفسه (الزراعي أو الصناعي أو الخدمات) ، أو بحكم استمرار هيمنة الأنماط القديمة المادية والغيبية القدرية على عقل ومكونات هذه الشرائح العمالية ، وبالتالي فلا غرابة من ضعف وعيهم بالظلم الطبقي بصورة مباشرة ، ذلك لأن إطار العلاقات الرأسمالية الظاهرية ، هو في حقيقته إطارا شبه رأسمالي يحمل في ثناياه العديد من ملامح القديم بما يعيق عملية الفرز الطبقي المحدد داخل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الفلسطينية القائمة (والعربية أيضا) ، التي ما زالت عملية غير مكتملة بل ومشوهه ، على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية ، نظرا لهذا التداخل أو التشابك في العلاقات الاجتماعية الاقتصادية وفي العديد من الطبقات والفئات الاجتماعية ، ونظرا لأن فئات واسعة من السكان في مجتمعنا ، لا تزال تعيش أوضاع انتقالية بحيث لم يتحدد انتماؤها الطبقي تحديدا مستقرا ونهائيا ، خاصة وأن طبيعة المرحلة الراهنة ، بعد عشر سنوات من قيام السلطة الفلسطينية ، مليئة بالمفارقات والمفاجئات ، حيث نلاحظ أن معظم الأثرياء الجدد (أفرادا وجماعات) مرتبكين بين انتماءاتهم الطبقية-الاجتماعية في سياق تجربتهم الوطنية السابقة ، وبين أوضاعهم الطارئة ، الثرية المحدثة –عبر مظاهر واشكال الفساد والحراك الاجتماعي الشاذ-، لا يشعرون باستقرارهم ، كما لا يشعرون بعمق انتماءهم الجديد ، فالمتغيرات الخطيرة الراهنة-والقادمة بفعل "خارطة الطريق" أو "خطة شارون" (غزة وجزء من الضفة أولا وأخيرا)، هي التي ستحدد دورهم بالمعنى الاجتماعي و الاقتصادي والسياسي ، كما ستحدد مستقبلهم في سياق الرؤية الامريكية-الاسرائيلية وبالتوافق معها.
الأمر الهام الآخر الواجب الإشارة إليه ، عبر محاولتنا لتحليل واقع مجتمعنا الفلسطيني خلال العشر سنوات الماضية ، يتمثل في تلك الآثار والنتائج الاجتماعية الناجمة عن هذه الفترة القصيرة المحددة ، والناجمة عن بروز التعصب أو عمق الرابطة الاجتماعية الضيقة التي تكرس الولاء لرموز التخلف المرتبطة مصلحيا بمظاهر وأوضاع الخلل والفساد والفوضى ، وذلك تحت غطاء العادات والأعراف والتقاليد والتراث .
إننا إذ ندرك أن عمق الرابطة الاجتماعية كان على الدوام أكبر تأثيرا من العلاقات الطبقية غير المتبلورة بعد، وقد كان لذلك الأمر دورا إيجابيا قبل وبعد نكبة 1948 ، رغم تخلفه من الناحية التاريخية والموضوعية ، في إطار حركة المقاومة الفلسطينية طوال المرحلة السابقة ، إلا أن بروز وتكريس دور هذه الرموز والعلاقات الاجتماعية القديمة في إطار الرابطة الاجتماعية الضيقة ، باسم العادات والتقاليد والأعراف ، وفي سياق حالة الهبوط السياسي – الاجتماعي – القانوني الراهنة ، سيتراكم دور وتأثير الجوانب السلبية الضارة لتطال معظم مكونات المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع وتخلق مزيدا من الانقسامات فيه لن تتوقف عند الانقسام السياسي – الاقتصادي العام ، وقد تتسع لتصيب بالضرر مكونات الوعي الوطني والمجتمعي الداخلي على مستوى المدينة ، والقرية ، والمخيم ، إلى جانب الحاموله والعشيرة ، بما يفاقم مظاهر الخلل والانحراف والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الضفة والقطاع ، ويشق مزيدا من العمق في مجرى الهبوط بالعملية السياسية الجارية وبعملية البناء المجتمعي الديمقراطي الداخلي معا ، الذي قد يؤدي إلى خلق فجوة واسعة تفصل بين حلم التحرر والتغيير الذي يطمح إليه شعبنا وما زال ، وبين واقعه الذي تتراجع فيه عوامل التطور والنهوض وهي عوامل الصمود والمقاومة في آن واحد ، لحساب عوامل التخلف والتبعية والسلفية الجامدة والاستبداد في سياق الهبوط السياسي المريع الذي تتعرض له قضيتنا الوطنية راهنا.
إذن ، فالتطور الاجتماعي ، في الضفة والقطاع ، منذ عام 1994 إلى اليوم ، لم يكن تطورا إيجابيا في محصلته أو نتائجه العامة ، حيث تعرض لمتغيرات وتحولات ساهمت في انحراف العديد من جوانبه ، بصورة كلية أو جزئية ، عن سياق التطور الوطني والاجتماعي العام الذي شقته الحركة الوطنية الفلسطينية في التاريخ المعاصر ، بحيث قادت هذه المتغيرات – بشكل مباشر و غير مباشر – إلى تحولات ومظاهر سلبية في البنية المجتمعية والبنية القيمية والأخلاقية لمجتمعنا الفلسطيني ، وهو أمر ناتج عن طبيعة السلطة المهيمنة ، إذ أن مسار وتكون النمط الاجتماعي الاقتصادي الذي تمثله السلطة الفلسطينية لا يمكن إلا أن يفرزمثل هذه المظاهر و التحولات .
و في هذا السياق فإن ما يميز مجتمعنا اليوم ، ليس فقط الصفات السلبية على الصعيد الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي ، بل أيضا هذا العجز الفاضح في تحقيق الحد الأدنى من النظام الداخلي و التماسك المجتمعي الذي أنتج ما يسمى بظاهرة " المجتمع العصبوي " الذي يقوم على إعادة تأكيد الانتماء إلى العائلة أو العشيرة ، الى جانب الفوضى والانفلات الامني الداخلي، نتيجة انعدام الدور القوي للدولة أو السلطة المركزية المعبرة عن إرادة جميع الأفراد و التي تتيح التعبير المتساوي لجميع الإرادات داخل المجتمع .
إن استعراضنا للأوضاع الاجتماعية يظهر مجموعة من الحقائق و المفاهيم و المؤشرات الدالة على طبيعة الخارطة أو التركيبة الطبقية الفلسطينية ، التي لم تتبلور بصورة نهائية بعد ، بسبب استمرار هذا التداخل و التقاطع للأشكال الحديثة للتقسيم الاجتماعي للعمل ، ونقصد بذلك البيروقراطية الحاكمة في اجهزة السلطة المختلفة، مع الأشكال القديمة المتوارثة – التي أشرنا إليها - ، و التي ما زالت تملك دوراً و تأثيراً ملموسا في عملية توزيع الدخل و الثروة و السلطة ، و لنا في تجربة العشر سنوات الماضية أن نستنبط العديد من الأمثلة على هذه العلاقة التي ينجم عنها ما نسميه بإعادة إنتاج العلاقات المتخلفة بما فيها ظاهرة الاستزلام المنتشرة الآن في مجتمعنا الفلسطيني لدرجة أن إجابات الكثير من الموظفين البسطاء في مؤسسات السلطة " المدنية أو العسكرية " عند سؤالهم عن مكان عملهم الرسمي يرد عليك قائلا " أنني أعمل لدى الأخ أبو فلان" ، باعتبار هذا الأخير هو السيد الجديد و صاحب العمل و المتنفذ الوحيد ، بالطبع دون أن يذكر ذلك الموظف البسيط اسم المؤسسة أو الوزارة أو الجهاز الذي يعمل فيه بصورة عفوية و غير مقصودة في كثير من الأحوال ، وهو امر ناتج عن سيادة ما يسمى بظاهرة "مأسسة الفساد والتخلف" بدل مأسسة النظام العصري الديمقراطي القائم على المشاركة الشعبية.
في هذا السياق يمكن توصيف علاقات " الاستزلام " السائدة عندنا اليوم على أنها علاقات شبه إقطاعية من طراز فريد – كما يقول د. محمود عبد الفضيل – حيث تمتزج و تنصهر فيها علاقات الإنتاج الاقتصادية من ناحية و علاقات التبعية و الولاءات ذات الطابع الفردي أو الجهوي من ناحية أخرى ، و كما هي الحال عندنا في الضفة و القطاع فإن هذه العلاقات الاستزلامية تأخذ شكل العلاقات الشخصية ، سواء من بقايا ما يسمى بالأرستقراطية القديمة أو بقايا "الأفندية" ، و كبار التجار من ناحية أو من الابوات القدامى و المحدثين من ناحية أخرى ، و بالطبع فإن هذه العلاقة تفعل فعلها الذي يتساقط رذاذاً أو مطراً - بالمعنى المادي و المصلحي بالطبع – على الأعيان و الوجهاء و المخاتير ورموز التخلف، و على بعض قيادات " المؤسسات" النقابية و المنظمات الأهلية و الجمعيات ، التي تأسس كثير منها لمثل هذه الغاية ، كذلك تأخذ علاقات الاستزلام " شكل الدعم الانتخابي الشعبي " خصوصا في أوساط الفقراء في المخيمات والمناطق الاكثر فقرا في قطاع غزة عموما والمناطق الفقيرة في شمال الضفة الغربية وجنوبها إضافة إلى مخيماتها وقراها ، لا فرق هنا بين لاجئ ومواطن طالما كانت مظلة الفقر والمعاناة تظللهما في اطار "نظام" الاستبداد والخوف والامتثال والطاعة.
وبناء عليه فإننا ، ندرك بكل موضوعية ووعي ، أن استمرار تطور العلاقات الاجتماعية في بلادنا على صورتها المشوهه الراهنة ، هو أمر بقدر ما يتعارض مع قوانين الحياة ومتغيراتها وتراكماتها الدافعة صوب الارتقاء والتقدم ، يتعارض أيضا مع نضال شعبنا وتضحياته الغالية في صراعه الطويل مع العدو الصهيوني، من أجل تحقيق اهدافه في التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، الامر الذي يستوجب استنهاض قوى اليسار الفلسطيني والعربي، كضرورة موضوعية ملحة، حتى لا يصبح المستقبل كأنه " قدر محتوم " نساق إليه من نظام العولمة الامريكي الصهيوني الذي نجح الى حد كبير في السيطرة على مقدرات شعوبنا، وما العراق وفلسطين سوى مؤشر صارخ على تلك الهيمنة التي ستتسع لتشمل كل مساحة النظام العربي، لذلك فإن عملية استيعاب الحاضر واستشراف المستقبل ستظل رهاننا الدائم والمستمر ، للإسهام في تعبئة طاقات مجتمعنا بارتباطه العضوي مع محيطه العربي في ظل عالم يموج بالمتغيرات لا مكان للضعفاء فيه .
و هنا تتجلى بالضبط أهمية تشخيصنا و توصيفنا لواقعنا كمدخل نحو عملية التغيير الوطني والديمقراطي والوحدوي العربي بمنطلقاته وآفاقه الاشتراكية الذي نعمل من أجل تحقيقه في بلادنا .
إن استعراض هذه الدراسة الاولية، وتشخيصها لبعض جوانب الأوضاع والمتغيرات في سياق التطور الاجتماعي ، اظهر مجموعة من الحقائق والمؤشرات الدالة على طبيعة التشكل الطبقي في بلادنا : أ-تطورت العلاقات الاجتماعية في اتجاه تبلور مجتمع طبقي مشوه ، وتابع ، في سياق نسيج اجتماعي متنوع في سماته الطبقية بين القديم والحديث والمعاصر ، رغم توحد معظم اطرافه في الموقف الوطني العام ضد العدو الصهيوني ، والاحتلال، مع الاخذ بعين الاعتبار تباينات هذا الموقف ودرجاته بين القوة والضعف وبين مصداقيته العالية لدى الجماهير الشعبية الفقيرة وتضحياتها اللامحدودة من ناحية ومصداقية الاطراف الطبقية الاخرى وسقفها الهابط والمحدود وفق مصالحها من جهة ثانية. ب- تميز هذا التطور في شكله وجوهره ، بطابع تراكمي كمي مشوه ، بحيث لم يستطع أن يفرز بوضوح ملموس أية أطر برجوازية تنويرية أو ليبرالية ، فكرية ، أو ثقافية معاصرة ، وبقيت القيم والأفكار القديمة والتقليدية الموروثة سائدة في أوساط الوعي الاعتيادي (العفوي) للجماهير الشعبية بالرغم من بعض أوجه الحداثة الشكلية المستوردة التي اسهمت في تعميق حالة التبعية والتخلف الاجتماعي الى جانب الهبوط السياسي ، وفي ظل هذه التراكمات والتطورات الاجتماعية والانتاجية المشوهه بصورة عامة ، لم يكن ممكنا تبلور الطبقة العاملة الفلسطينية تبلورا يؤدي الى توليد وعيها الذاتي بمصالحها (كطبقة) . ج- برغم تزايد مظاهر التخلف والانحطاط الاجتماعي وما رافق ذلك من توزع الولاءات الشخصية والعشائرية والاستزلام ، في المناطق الشعبية الفقيرة بصورة خاصة ، إلا أن الانقسام الاجتماعي الداخلي ، في جوهره وحقيقته الموضوعية يعبر عن نفسه في صفوف أبناء شعبنا ، في الضفة والقطاع ، على قاعدة توزع السكان في السُلَّم الطبقي أو الاجتماعي ، بين القلة من الأغنياء ، والأغلبية الساحقة من الفقراء ، دون أن يلغي ذلك الانقسام ، خصوصية اللاجئين وقضيتهم الأولى المتمثلة في حق العودة . د- تعاظم دور الكمبرادور ، والشرائح الرأسمالية الطفيلية بالتحالف مع بيروقراطية السلطة (المدنية والعسكرية) وكبار الملاك والرأسمالية التقليدية القديمة ، في الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها من القطاعات، بحيث أن رموز هذا التحالف يشكلون اليوم القاعدة الأساسية –على الصعيد الاقتصادي/الاجتماعي- للسلطة السياسية، ما يفسر النزوع صوب الهبوط السياسي والتعاطي مع اطره وأدواته الخارجية والداخلية. هـ- تزايد انتشار الفقر الذي لم يتوقف عند الفقر المادي أو الفقر في الدخل بل تخطى هذه الحدود إلى الفقر في القانون والنظام والقيم ، وتزايد التفاوت اتساعا بين مستويات المعيشة ، وخاصة في مناطق شمال وجنوب الضفة وخاصة طولكرم وجنين رمز المقاومة والصمود ، وفي جنوب القطاع وبصورة خاصة في رفح الباسلة ومخيمها المقاوم. الى جانب ذلك نلاحظ استمرار التفاوت الاجتماعي –في سياق التخلف التاريخي- بين الجنسين لصالح الذكور بصورة صارخة . و- ونتيجة تراكمات العشر سنوات الماضية ، تسود مجتمعنا اليوم سلوكية أنانية تتسم بالراهنية أو اللحظة ، تهتم بحل قضايا الأجل القصير دون أن تعطي الاهتمام المطلوب لقضايا المستقبل ، فمع تزايد مظاهر التخلف الاجتماعي ، تراجعت العلاقات القائمة على أساس المشروع الوطني والعمل الحزبي المنظم – وتراجع دور الأحزاب الوطنية عموما واليسارية خصوصا– لحساب العشيرة والعائلة ، وقيم النفاق والإحباط وقوة التخلف الظالمة بدلا من قيم التكافل والتضامن والمقاومة . ترافق إلى جانب ذلك ، غياب المجتمع السياسي الفلسطيني ليحل محله – في الفترة الأخيرة قبل واثناء انتفاضة أيلول 2000 – مجتمع الفوضى والانفلاش والثروة الشخصية – على قاعدة أن السلطة مصدر للثروة وليست مصدرا للنظام والقانون والعدالة – إلى جانب الجرائم والانحرافات بكل أنواعها الأخلاقية والمجتمعية التي لم يعرفها مجتمعنا من قبل . ز-تدني حجم ونسبة الخدمات المقدمة للمناطق الفقيرة في الضفة والقطاع ، فقد بلغ عدد التجمعات السكانية التي يوجد لها سلطات محلية في الأراضي الفلسطينية 495 تجمعا سكانيا أي بنسبة 72,16% من مجموع التجمعات السكانية البالغ 686 ، وقد توزعت السلطات المحلية حسب نوع السلطة في الضفة بواقع 92 مجالس بلدية ومحلية ، 360 مجلسا قرويا أو لجنة للمشاريع ، 19 مديرا للمخيمات ، 191 تجمعا بدون سلطة محلية ، أما في قطاع غزة فقد بلغت 16 مجلسا بلديا و8 مجالس قروية و8 مدراء للمخيمات . ح- وصلت نسبة العاملين في القطاع الحكومي إلى حوالي 18 % (حوالي 135 ألف موظف مدني وعسكري) من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية البالغة في نهاية عام 2003 ( حوالي 744 ألف شخص ) و هي نسبة بالغة الارتفاع بالنظر إلى عدم قدرة الاقتصاد الفلسطيني المحلي على تمويل عمالة حكومية مرتفعة ، خصوصاً و أن الرواتب تستحوذ على أكثر من 60 % من مخصصات الإنفاق الجاري من جهة ، إلى جانب أن معظم التعيينات و الوظائف لا يحكمها قانون يقوم على أساس تكافؤ الفرص بل هي مخصصة أساسا وبالدرجة الرئيسية لحزب السلطة بمعناه الواسع الذي يضم حركة فتح و مجموعات متنوعة من المحاسيب و أبناء و أقارب كبار المسؤولين ممن يعيشون أوضاعاً مريحة في حين يحرم من هذه الوظائف مستحقيها من الفقراء الذين لا واسطة أو محسوبية لديهم رغم كفاءتهم و شهاداتهم العليا أو خبراتهم. ط- تبين المعطيات الصحية – في الضفة و القطاع – على استمرار محدودية عدد الأطباء بالنسبة لإجمالي عدد السكان الذي لا يتجاوز ( 115 ) طبيب لكل مائة ألف من السكان ، في حين أنه يصل في مصر إلى أكثر من 215 طبيب لكل مائة ألف ، و في إسرائيل يرتفع إلى أكثر من 500 طبيب لكل مائة ألف ، ناهيك عن النقص في المعدات والاجهزة الطبية المتخصصة، والنقص في تأمين الدواء و العلاج و الأسرَّة في المستشفيات حيث تشير المعطيات إلى أن هناك فقط سرير واحد لكل ألف مواطن ، و هو أمر له انعكاساته و مدلولاته الاجتماعية الخطيرة خاصةً في ظل حرمان الفقراء من التأمين الصحي ( بسبب ارتفاع كلفته عليهم ) إذ لا تزيد نسبة الأسر المغطاة بالتأمين الصحي الحكومي عن 40 % في الضفة ، و 60 % في غزة ، و هذا يعني أن حوالي (2)مليون فلسطيني في الضفة والقطاع محرومين من التأمين الصحي ( أي حوالي 54% من مجموع سكان الضفة و القطاع) . ي- و في ما يتعلق بمؤشرات الجريمة ، التي لم تتراجع أو تقل نسبتها ، في رأينا ، بسبب تزايد سطوة المتنفذين من رموز الاستزلام في أوساط بعض الاجهزة الامنية الى جانب بعض العشائر و الحمائل و العائلات – على مستوى الضفة و القطاع في الأوساط الشعبية الفقيرة المستضعفة بصورة خاصة – و انتشار السلاح بصورة فوضوية وضارة في أوساطهم إلى جانب دور بعضهم في عمليات التهريب غير المشروعة بكل أنواعها ، و صمت الأجهزة الأمنية – بل و تواطئها أحيانا وتخاذلها أحياناً أخرى في مواجهتهم – كل ذلك أدى إلى تزايد نسبة الجريمة و انتشار الزعران " و القبضايات " ذات الطابع العشائري و السلطوي معاً في إطار واحد ، ومما يلفت النظر والاهتمام ان خمس المتهمين من الأحداث ، أكثر من نصفهم في الفئة العمرية 16-18 سنة ثلثيهم أمّي ،أو تسربوا من المدارس بعد المرحلة الأساسية ، و غالبيتهم ينتمون إلى اسر كبيرة العدد الفقيرة و المعدمة .
كل ما تقدم ، و غيره الكثير من التفاصيل الحياتية المجتمعية ، يؤكد على ثقل العبء الذي يجب ان تتحمله قوى اليسار الفلسطيني، حيث ان دوره في الجانب الاجتماعي لا يقل أهمية و خطورة عن دوره في جانب التحرر الوطني وحق العودة والتمسك بـ م.ت.ف ككيان سياسي ووطن معنوي لابناء شعبنا في الشتات ، و هو أيضاً يعزز رؤيته لطبيعة هذه المرحلة، كمرحلة تحرر وطني و ديمقراطي ، عبر العلاقة الجدلية بين التحرر الوطني و البناء المجتمعي القائم على الديمقراطية و العدالة و سيادة القانون و النظام العام و تكافؤ الفرص . بهذا التشخيص و التحليل للأوضاع و التحولات الاجتماعية نكون قد قدمنا لمظاهر وسمات التحولات الاجتماعية الفلسطينية وبعض عناوينها الرئيسة، كمدخل يمكننا من استكمال الركيزتين الفرعيتين الأساسيتين المرتبطتين بالأوضاع و التحولات الاجتماعية ، و نقصد بهما التوزيع السكاني ، و الطبقي لمجتمعنا الفلسطيني ، في هذه المرحلة ، آخذين بعين الاعتبار أن الحديث عن تنوع و تداخل مكونات الخارطة الطبقية الفلسطينية هو أمر قابل للمراجعة دوما ،في ضوء هذه المتغيرات الداخلية و الخارجية التي نعيشها اليوم و في المستقبل .
أ- التوزيع السكاني :- بالاسترشاد بتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[1] قمنا باحتساب عدد سكان الضفة و القطاع في نهاية العام 2003 (على أساس نسبة الزيادة السكانية 4.5%) وعليه فإن تعداد السكان يبلغ 3.721.543 نسمة كما يلي :
- مجموع سكان الضفة 2.356810 ( يبلغ عدد اللاجئين[2] 669665 نسمة أي بنسبة 28% من سكان الضفة) .
أما نسبة اللاجئين الى مجموع السكان في الضفة والقطاع ، فيبلغ 43.3% . -الإجمـــالـــي 3.721.543 ( حوالي 572500 أسرة ) يشكل السكان المقيمون في المناطق والتجمعات الحضرية حوالي 45% و 15.9% في المخيمات بينما يشكل سكان التجمعات الريفية حوالي 30.1% من عدد السكان الكلي[4] .
أما بالنسبة لمجموع الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية ، فقد بلغ في نهاية عام 2003 ( 5.031743 نسمة ) وبالمقارنة مع مجموع سكان " إسرائيل " من اليهود البـالغ ( 5.370000 نسمة ) كما في نهاية عام 2003 ، فإن نسبة السكان الأصليين من الفلسطينيين العرب الى إجمالي عدد السكان تبلغ 48.4% ، مقابل 51.6% لليهود حسب الشكل البياني التالـي :
وتشير التوقعات والدراسات والديمغرافية الى أن هذه النسبة سترتفع الى 55.6% عام 2015 في حين إن نسبة اليهود ستنخفض الى 44.4% وبالأعداد المطلقة فإن التوزيع السكاني في عام 2015 بإفتراض نسبة زيادة سكانية 4% للفلسطيين داخل أراضي ( ألـ 48 ) ، و 4.5% للسكان في الضفة والقطاع فإن مجموع السكان الفلسطينيين في فلسطين التاريخية سيصل الى( 8,533,239 ) نسمة في حين أن عدد اليهود سيصل الى ( 6,810,458 ) نسمة كما يوضح الرسم البياني التالي :
توزيع السكان في الضفة والقطاع حسب فئات العمر :
من الجدول أعلاه ، يتضح أن نسبة الفتوّة ( أقل من 15 سنة ) في أوساط شعبنا الفلسطيني ، تبلغ 46.4% [5] ( 1.726796 نسمة ) ، في حين أن نسبة القوة البشرية ( 15 سنة – 64 ) تبلغ 50.3% ( 1.871936 نسمة) ، و في هذا السياق فإن القوة البشرية تنقسم إلى مجموعتين : المجموعة الأولى تضم من هم خارج القوى العاملة ، أو الأفراد خارج إطار النشاط الاقتصادي مثل الطلاب و ربات البيوت و المرضى و المعوقين ممن بلغت أعمارهم 15 سنة فأكثر .
أما المجموعة الثانية فتشمل جميع الأفراد النشيطين اقتصادياً الذين ينتمون لسن العمل و ينطبق عليهم مفهوم العمالة و البطالة ، و يطلق على هذه المجموعة اسم القوى العاملة التي تقدر في نهاية عام 2003 بحوالي 744300 شخص أو ما يعادل 20%[6] من مجموع السكان ، تتوزع بواقع ( 471362 ) شخص عامل في الضفة ، أي بنسبة 63.3% من إجمالي القوى العاملة ، وبواقع 272946 شخص عامل في قطاع غزة ، أي بنسبة 36.7 % ، الأمر الذي يعني أن معدل الإعالة الفعلي – في الضفة والقطاع - يبلغ 1 : 5 تقريبا ، أي أن كل فرد يعمل يعيل خمسة أفراد ، ويرتفع هذا المعدل إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع نسبة البطالة كما في عام 2002 إلى 31.3%[7]، أو ما يقدر بحوالي 250 ألف عاطل عن العمل ، بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي ، حيث ترتفع نسبة الإعالة في هذه الحال إلى 7.5 فرد لكل عامل ، و نشير هنا إلى أن هذه النسبة تكاد تمثل استنتاجاً ميكانيكياً أو كمياً حسابياً لا يعبر عن الواقع الموضوعي بصورة حقيقية ، حيث أن الواقع الفعلي يقول لنا أن هناك آلافاً من الأسر بلا معيل – بسبب الاستشهاد أو الاعتقال والسجن أو الإعاقة - و بلا أي دخل نتيجة استمرار أوضاع الحصار والمعاناة والبطالة والفقر في الظروف الراهنة . و المعروف أن نسبة العمالة التامة والجزئية – قبل الانتفاضة في أيلول 2000 – وصلت إلى 85,8 % ، و البطالة لم تتجاوز 14,2% ، و قد أدى الحصار العسكري و الاقتصادي الذي مارسه العدو الصهيوني منذ نهاية أيلول 2000 ، إلى ارتفاع نسبة البطالة الى 45% عام 2001 [8] ، هبطت هذه النسبة عام 2002 الى 31.3[9] أو ( 221291 ) الف عامل من أصل ( 707000 ) شخص مجموع القوى العاملة آنذاك ، موزعة على الأنشطة الاقتصادية كما يبين الجدول أدناه .
جدول رقم ( 2 )، التوزيع النسبي للعاملين من الأراضي الفلسطينية حسب النشاط الاقتصادي[10] قبل الانتفاضة وبعدها .
وبالاسترشاد بتقرير القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[11] ، بخصوص توزيع القوى العاملة حسب عدد سنوات الدراسة ، فإن الأفراد النشيطين اقتصاديا أو القوى العاملة البالغة 744300 [12] في الأراضي الفلسطينية كما في نهاية هذا العام 2003، تتوزع كما يلي :-
ب- التركيب الاجتماعي (الطبقـي) : 1- الطبقة العاملة : الكدح ، و البؤس و الشقاء و المعاناة والتشتت أو التبعثر في تجمعات أو ورش صغيرة وشبه عائلية ، وغياب حالة الاستقرار أو الثبات في العمل ، وعدم التحاق معظمهم في الأطر النقابية ، بهذه الصفات اتسمت أوضاع عمالنا الفلسطينيين في الوطن و الشتات ، إذ طالما عانوا من الفقر و البطالة و من تدني الأجور و غياب التشريعات المنصفة لحقوقهم . الامر الآخر الواجب الاشارة اليه ، هو عدم تبلور طبقة عاملة فلسطينية بالمعنى الموضوعي الذي يحمل في طياته وعيها لمصالحها كطبقة ومن ثم وعيها لدورها المحدد في سياق النضال الوطني الديمقراطي، ويعود السبب الرئيسي في هذا الوضع الى ضعف وتدني تطور قطاع الصناعة الفلسطيني . بلغ مجموع القوى العاملة الفلسطينية ، في الضفة والقطاع ، في بداية عـام 2004 (744300)* عامل ، وبلغت نسبة البطالة في عام 2002 ، (31.3%) ، ارتفعت في نهاية 2003 بسبب تفاقم همجية العدوان واستمرار الحصار الى حوالي 35% او ما يعادل (260) ألف عامل يعيلون بصورة مباشرة مالا يقل عن ثلاثة افراد لكل منهم –كحد ادنى- اي ما يوازي (780) ألف شخص ، وهذا يعني تزايد واتساع معدلات الفقر ، والفقر المدقع كما يشهد على ذلك حالة الفاقه والحرمان التي يتعرض لها اكثر من 50% من ابناء شعبنا في الضفة وقطاع غزة عموما ، ترتفع هذه النسبة الى 70% في قطاع غزة .
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||