|
|
|
العمل في هذا الموقع دائم
|
حركة حقوق الإنسان المصرية بين الفضاء العالمى والفضاء المحلىيسرى مصطفى
بات من المعروف أن منتصف ثمانينيات القرن الماضى يعد نقطة انطلاق ما صار يعرف باسم منظمات حقوق الإنسان، والتى زاد عددها وتنوعت أنشطتها بحلول عقد التسعينيات. وما بين منتصف الثمانينيات وحتى الآن لا يمكن إنكار أن اسمه قضية "حقوق الإنسان" باتت أحد محددات المجال العام فى مصر نجد صداه فى الإعلام وفى الجدل الفكرى والسياسى، بل وفى مجالات أخرى مثل التعليم والفنون والآداب. باختصار، لقد بات لقضية حقوق الإنسان حيزا لم يكن موجودا قبل منتصف الثمانينيات، أو على الأقل بصورة تختلف كثيرا عما كان سائدا من قبل، حيث كانت قضايا حقوق الإنسان كائنة فى ممارسات وخطابات العديد من أصحاب الرأى، ولكنها فى النهاية كانت بلا هوية مستقلة.
قد يصعب القول بأن منظمات حقوق الإنسان هى الفاعل الوحيد فى خلق هذا المتغير، فهناك عوامل خارجية وداخلية لعبت دورا فى وضع قضية حقوق الإنسان موضع اهتمام، سواء بالمعنى الإيجابى أى الضغط من أجل وقف الانتهاكات والعمل من أجل نشر ثقافة حقوق الإنسان، أو بالمعنى السلبى أى تسييس حقوق الإنسان أو رفضها تحت دعاوى الخصوصية الثقافية. ومع ذلك يمكن القول أن منظمات حقوق الإنسان المصرية، من بين مختلف الفاعلين، لعبت دورا هاما فى إعطاء الدفاع عن حقوق الإنسان هوية محلية. لقد كان لتشكل حيز داخل المجتمع للدفاع عن حقوق الإنسان دورا كبيرا فى تسليط الضوء على حيز انتهاك حقوق الإنسان الذى ربما كان معتما وصامتا.
قد نسلم بأن المنتج النهائى بعد ما يقرب من 20 عاما من نشأة منظمات حقوق الإنسان، أن أصبح لهذه القضية هوية محلية. ومع ذلك يظل السؤال حول فاعلية منظمات حقوق الإنسان يرتبط بمردودات أخرى على مستوى الواقع: إلى أى حد استطاعت هذه المنظمات الحد من الانتهاكات؟ هل ساهمت فعليا فى نشر قيم وثقافة حقوق الإنسان؟ هل استطاعت أن تتحول من منظمات إلى حركة اجتماعية؟
تقتضى الاجابة على مثل هذا السؤال تحديد موازيين القوى التى تحيط بمنظمات حقوق الإنسان، سواء على مستوى الداخل أو الخارج. فقد لعبت هذه التوازنات، فضلا عن العوامل الذاتية الدور الرئيسى فى تشكيل توجهات هذه المنظمات وهذه ما سنحاول إثارته فى من خلال السطور التالية.
أولا: : الفضاء العالمى لا يمكن هنا تجاهل الظرف الدولى الذى دفع بهذه المرجعية عالميا إلى موقع الصدارة. وربما لهذا السبب بالذات أصبحت منظمات حقوق الإنسان، بل وقضية حقوق الإنسان ذاتها موضع جدل واسع تمحور حول العلاقة بين الداخل والخارج، المقتضيات الدولية والمحلية، الخصوصية والعالمية، السياسى بوصفه محلى والحقوقى بوصفه عالمى. وقد ازداد هذا الجدل اشتعالا مع بداية التسعينيات بعد انتعاش التمويل الأجنبى لمنظمات حقوق الإنسان والذى ساهم فى ظهور مجموعة جديدة من منظمات حقوق الإنسان على الساحة المصرية.
إن قضية المرجعية، ثم التمويل الدولى أو الأجنبى، كشفت عن الدور الحاسم الذى لعبه السياق الدولى فى احتضان ودعم وتعزيز وجود المنظمات والمجموعات الحقوقية الجديدة. وهو بالطبع تحول عالمى شمل معظم بلدان العالم الثالث، بل يمكن القول بأن استجابة المجتمع المصرى والعربى لهذا التحول كانت محدودة مقارنة لاستجابات العديد من البلدان الأخرى فى العالم الثالث والتى شهدت نشأة العديد من المنظمات غير الحكومية بفعل سياق عالمى أكثر من كونه محلى.
يطرح هذا بدوره مستويين فى علاقة منظمات حقوق الإنسان المصرية بالعولمة أو العالمية. المستوى الأول: هو كونها أحد منتجات مرحلة العولمة أو العالمية وذلك من حيث النشأة والهوية. والمستوى الثانى: هو طبيعة وجودها وأدائها ضمن هذا السياق العالمى ومن ثم مدى وعى القائمين على هذه المنظمات بمزايا ومخاطر العولمة.
ولا يعنى أنها منتج للعولمة أنها بمعزل عن مجموعة من التفاعلات الدولية والمحلية. فقد تشكلت هذه داخل سياق سياسى واجتماعى وثقافى مرتبط بمجموعة من المحددات الدولية والإقليمية والمحلية كان لها أثرها على حركة حقوق الإنسان ومن أهمها: (1) انهيار المنظومة الاشتراكية، وصعود مصطلح النظام العالمى الجديد؛ (2) التوظيف السياسى الغربى لقضايا حقوق الإنسان، وخاصة من قبل الإدارة الأمريكية؛ (3) التراجع الملحوظ فى الحركة الحزبية والنقابية فى مصر؛ (4) صعود تيارات الاسلام السياسى، وخاصة الجماعات الاسلامية المسلحة؛ (5) الصراع العربى الاسرائيلى؛ (6) ثقافة سياسة سائدة تنحو إلى إعلاء القيم الوطنية على القيم الديمقراطية؛ (7) غياب أو ضعف الحركات الاجتماعية سواء بالمعنى التقليدى أو الحديث سواء كانت نقابية أو عمالية أو فلاحية أو حركة حقوق مدنية.
لا شك أن هذا الوضع، أو بالأحرى السياق، قد صاغ توجهات وتحديات وتفاعلات المنظمات الحقوقية المصرية الايجابية والسلبية. كما صاغ من ناحية أخرى أشكال النقد وربما العداء الموجه لها من قبل قطاعات سياسية وفكرية مختلفة على الصعيد المحلى والإقليمى، وكذلك طبيعة العلاقة بالدولة والتى تتسم بالطابع الصراعى، بل وبين هذه المنظمات وبعضها.
يوفر الفضاء العالمى المرجعية والدعم المادى والفنى لمنظمات حقوق الإنسان المصرية. وداخل هذا الفضاء تبرز قضايا مشتركة، خاصة فى مجال الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية مثل مناهضة التعذيب والحق فى المحاكمات العادلة والمنصفة. حتى القضايا الأخرى التى تطرح مسألة الخصوصية الثقافية مثل حرية الفكر والاعتقاد لم تخلق أية توترات بين منظمات حقوق الإنسان العالمية والمحلية، بل كان ومازال هناك تشجيع من طرف منظمات الشمال من أجل مناقشة مثل هذه القضايا، ولم تظهر إلا توترات محدودة مثلما حدث مؤخرا فى القضية التى عرفت فى مصر بـ "قضية الشواذ".
وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن القائمين على منظمات حقوق الإنسان سعوا إلى تعبئة الرأى العام المحلى فى مواجهة القوانين المقيدة لأنشطتها، إلا أنهم لم يعولوا كثيرا على الفضاء الداخلى فى إدارة هذه المعارك، بل اعتمدوا أكثر على الفضاء العالمى من أجل تحقيق ضغط دولى لاستصدار قانون يسمح للجمعيات ومنظمات المجتمع المدنى بالوجود ومزاولة الأنشطة. وهى المعركة التى لم تحسم لصالح المنظمات غير الحكومية حتى الآن.
وعمليا يمكن القول أنه منذ البداية سعت السلطة إلى تغذية وتأجيج النزعة "الوطنية" المعادية لكل ما هو غربى لدى عدد كبير من القطاعات السياسية والثقافية من أجل محاصرة منظمات حقوق الإنسان ثقافيا وسياسيا. وقد زاد من حدة النزعة المعادية لهذه المنظمات والقائمين عليها أن التاريخ القريب كان قد شهد صراعا سياسيا مريرا داخل المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، كان له آثاره على الفصائل السياسية التى لم تجد لها موقعا داخل هذه المنظمة، بل إن هذا الصراع قد شهد توظيفا لعضوية المنظمة وهم من أعضاء أحزاب سياسية مختلفة، الأمر الذى خلق عدم يقين إزاء ديمقراطية هذه المنظمات. وفى هذا يقول أحد الباحثين فى مجال حقوق الإنسان : "وفى مصر أصبح الصراع السياسى سمة للاجتماعات والانتخابات التى تجرى كل سنتين فى المنظمة المصرية لحقوق الإنسان. وقد كان عدم الرضا عن نتائج مثل هذه المنافسات وخيبة الأمل من إقحام المواقف والممارسات المتحيزة سياسيا فى شئون منظمة لحقوق الإنسان عاملا فى تشرذم حركة حقوق الإنسان المصرية- تشكيل العدد المتزايد من المنظمات الصغيرة الخاصة غير الحكومية، غالبا على يد قادة سابقين للمنظمة. كما دفعت هذه الصراعات بعض الشخصيات القيادية فى السنوات الأولى للحركة إلى الانسحاب من المشاركة فى مجال حقوق الإنسان مضمرين أحيانا المرارة والاستياء". [نيل هيكس: خطاب حقوق الإنسان فى العالم العربى، رواق عربى، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، العدد 6، أبريل 1997].
ولم تكن القضايا السياسية أو التنظيمية هى مصدر التوتر الوحيد الذى واجهته منظمات حقوق الإنسان فى الفضاء الداخلى. فثمة قضايا أخرى عديدة من بينها مسألة تركيز منظمات حقوق الإنسان على الحقوق المدنية والسياسية وتجاهل الدفاع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما اعتبر البعض مفهوما غربيا للدفاع عن حقوق الإنسان. وفى الواقع لم تكن هذه المسألة موضع توتر أو خلاف داخل الفضاء الدولى، فثمة إقرار صريح أو ضمنى بين منظمات حقوق الإنسان بشأن الصعوبات التى تواجه تطبيق مثل هذه الحقوق. وخاصة أن كبريات منظمات حقوق الإنسان الدولية مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان لم تضع قضايا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على جدول أعمالها إلا مؤخرا مع ظهور الحركات الاجتماعية المناهضة للعولمة.
أما على المستوى المحلى، فقد تعرضت منظمات حقوق الإنسان المصرية منذ البداية إلى نقد شديد من قبل القوى الاشتراكية والقومية وأحيانا الحكومية بسبب انخراطها فى مجال الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولم تسلم هذه المنظمات من النقد حتى بعد ظهور منظمات تعنى بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثل مركز الأرض لحقوق الإنسان. فقد برزت هذه المنظمة فى منتصف التسعينيات للدفاع عن حقوق الفلاحين الذين أضيروا بسبب التحولات الجديدة فى الريف المصرى والتى وصلت ذروتها بعد صدور تشريع خاص بإعادة تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر فى الريف المصرى.
وبالمثل كان الارتكاز على مرجعية عالمية ممثلة فى المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان سببا فى تتوتر ثقافى على الصعيد المحلى مع العديد من القوى السياسية سواء اليسارية أو القومية أو الدينية أو حتى الحكومية، الذين رفضوا هذه المرجعية تحت مسميات مختلفة منها "التغريب"، أو "الليبرالية الجديدة" أو حتى "الامبريالية". ولم يشفع كثيرا لمنظمات حقوق الإنسان أنها طرحت المشكل الثقافى الخاص بحقوق الإنسان على بساط البحث كما فعل مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.
وقد وصلت حدة التوتر فى الفضاء المحلى أقصاها عام 1998 أثناء ما عرف باسم "أزمة الكشح"، بعد صدور قرار بإحالة أمين عام المنظمة المصرية إلى نيابة أمن الدولة بسبب إصدار المنظمة تقريرا عن تعذيب جماعى بإحدى قرى صعيد مصر "قرية الكشح بمحافظة سوهاج". كشفت هذه الواقعة عن استقطاب حاد بين المثقفين فيما يتعلق بمنظمات حقوق الإنسان والتمويل الأجنبى. وقد تزامن هذا الوضع مع صدور قانون الجمعيات المحكوم بعدم دستوريته. وقد كان لهذا الوضع أثره على منظمات حقوق الإنسان، بل وكشف عن صراعات بين القائمين عليها. فانشقت واحدة من أكبر هذه المنظمات وهو مركز المساعدة القانونية، فى حين دخلت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان فى أزمة حادة مازالت تؤثر عليها حتى الآن.
كما كشفت هذه الأزمة أيضا عن نواقص عديدة داخل منظمات حقوق الإنسان المصرية. فقد بدا واضحا أن الاعتماد على محترفين أدخل جيل جديد من العاملين لا يتفاعلون مع هذا المجال إلا بحكم الوظيفة، وبالتالى فهم غير مؤهلين لتحمل الأعباء السياسية لمثل هذا العمل. وبدا الوضع اللاديمقراطى فى إدارة هذه المنظمات أكثر وضوحا. وفى الواقع أن هذا الوضع يكشف أيضا عن مشكلة عدم اليقين بقدرة هذه المنظمات على تشكيل جيل جديد من المدافعين عن حقوق الإنسان فى مصر بعد أن أخذت هذه المنظمات فى التحول إلى منظمات موظفين وليس حتى "محترفين".
وبعد عام 1999 ظهرت مجموعة أخرى من المنظمات العاملة فى مجال حقوق الإنسان بمبادرات من أشخاص من خارج المجموعة التى تولت قيادة العمل الحقوقى فى مصر خلال عقد التسعينيات ومن بين هذه المنظمات الجديدة المركز المصرى للحق فى السكن، ومركز حابى للحقوق البيئية، ومركز حقوق الطفل المصرى، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
وعقب هذه الأحداث استشعر القائمون على منظمات حقوق الإنسان بالحاجة إلى بناء قدر من المشروعية داخل الفضاء المحلى فى محاولة لسد الطريق أمام الاتهامات بالولاء للخارج. وكان الطريق الأكثر سهولة وتأثيرا هو الانجذاب بقوة إلى بؤرة المشروعية داخل الثقافة العربية السائدة وهو مقاومة اسرائيل بوصفها السبيل الأكثر فاعلية لسد الأفواه التى تتهم منظمات حقوق الإنسان بالعمالة للخارج. ومن ثم فقد تم تكثيف النشاط المناهض لاسرائيل وإبراز قدر كبير من النقد لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية فى العالم العربى، ودرجة من التحفظ إزاء الموقف الأمريكى من قضايا الأقليات (الأقباط). وكان المؤتمر العالمى ضد العنصرية الذى عقد عام 2001 فرصة مواتية لتحقيق كسب فى هذا الاتجاه. حيث انخرطت منظمات حقوق الإنسان المصرية والعربية فى هذا النشاط الدولى وعينها على بناء مشروعية داخلية، فكثفت دعايتها وأنشطتها فى المؤتمر على قضية العنصرية الاسرائيلية والتى جاءت على حساب قضايا أخرى محلية. وفى الواقع أم منظمات حقوق الإنسان قد ربحت هذه المرة على مستوى الفضاء الداخلى، حيث بدت هذه الأنشطة المعادية لاسرائيل موضع ترحيب من المثقفين والاعلاميين المصريين والعرب.
وعلى الرغم من أن منظمات حقوق الإنسان بحكم نشأتها وليدة تحولات عالمية وتتبنى مرجعيات عالمية، إلا أن قضية العولمة لم تكن على جدول أعمالها لفترات طويلة وربما حتى الآن. ومع الأسف فقد سبقتها الحركات الاسلامية فى توظيف تكنولوجيا الاتصال الحديثة لخدمة أغراضها. فى الوقت ذاته تولد ظرف دولى معادى للعولمة، تجلى فى العديد من التظاهرات فى أوربا وأمريكا وبعض بلدان العالم الثالث. فلم تكن منظمات حقوق الإنسان المصرية معنية كثيرة بتأسيس مواقع لها على الانترنت، ولم يحدث هذا إلا مؤخرا. ولم تلتحم هذه المنظمات، رغم انتمائها إلى الفضاء العالمى، مع الحركات الاجتماعية المختلفة. كما لم تكن الأنشطة الخاصة بمناهضة العولمة مطروحة على أجندة منظمات حقوق الإنسان المصرية. واكتفت بعض هذه المنظمات بطرح قضية العولمة فى الدورات التدريبية التى تنظمها. كما ظهرت بعض المبادرات المحدودة أثناء انعقاد مؤتمر الدوحة لمنظمة التجارة العالمية.
ورغم عدم الانخراط الصريح فى الأنشطة المناهضة للعولمة، إلا أنه من السهل القول بأن هذه المنظمات تعد جزءا من حركة حقوق الإنسان العالمية. فبعضها أعضاء فى منظمات أو شبكات دولية، كما أنها تعرف ذاتها بوصفها ضمن هوية حقوقية عالمية. ويشارك ممثلى هذه المنظمات فى العديد من اللقاءات والمنتديات الدولية، ويجرى التنسيق بينها وبين المنظمات والشبكات الأخرى.
ثانيا: الفضاء الداخلى تشكل معادلة القامع والمقموع الصورة التى تسكن المخيلة بشأن علاقة الدولة بمنظمات حقوق الإنسان. وهى فى حقيقة الأمر صورة مبررة ولا يمكن انكارها على الأقل بسبب الأطر القانونية المقيدة لحرية تشكيل الجمعيات بشكل عام، وانشطة حقوق الإنسان الدفاعية على وجه الخصوص. ولكن الواقع يعطى لهذه الصورة أبعادا أخرى، ففى ظل ترسانة القوانين المقيدة للحريات العامة نشات منظمات حقوق الإنسان وواصلت انشطتها خلال عقد التسعينيات فى صيغة شركات مدنية غير هادفة للربح، وهى الصيغة التى وان سمحت لهذه المنظمات بالوجود، إلا أنها كان لها بالغ الأثر على بناها التنظيمية. ولعل الاستنتاج الأول الذى يمكن أن نخلص إليه هو أن الإطار القانونى المقيد، لم يمنع بعض العاملين فى مجال حقوق الإنسان من الوجود والعمل، وربما بحرية قد تفوق تلك التى يمكن ان يوفرها لهم الإطار القانونى الحالى. فرغم الأوضاع القانونية المحتقنة، إلا أنه لم يحدث أن تم إغلاق أى من منظمات حقوق الإنسان، فالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان ظلت تعمل بصورة غير قانونية لما يقرب من 17 عاما، وظلت بقية المنظمات تمارس أنشطتها من خلال وضعها كشركات غير هادفة للربح. ويمكن القول أن ضغوط المشكلات الذاتية لمنظمات حقوق الإنسان، كان لها تأثير أكبر على هذه المنظمات مقارنة بالضغوط التى تمارسها الدولة، فما حدث من انشقاقات أو صراعات داخلية كان العوامل الأكثر قوة فى إضعاف، بل وانهاك عدد من منظمات حقوق الإنسان.
لكن الظاهرة الأهم، ذات الصلة بفاعلية منظمات حقوق الإنسان، هى أن هذه المنظمات كان عليها، أكثر من غيرها، أن نخض معركة مزدوجة، الأولى من أجل حماية ونشر ثقافة حقوق الإنسان، والثانية، هى الدفاع عن وجودها فى ظل أوضاع قانونية غير مواتية.
وفى حين لم يمنع الإطار القانونى منظمات حقوق الإنسان من الوجود وممارسة أنشطتها، إلا أنه خلق مناخا عاما تضمن عوامل أدت إلى إضعاف منظمات حقوق الإنسان، وعوامل أخرى أدت إلى تقوية موقفها إزاء الدولة. فسلبيا، عاش نشطاء حقوق الإنسان قلقا تنظيميا بسبب عدم استقرار الأطر القانونية، وخاصة فى ظل قانون الطوارئ الذى كان ومازال سيفا مسلطا على نشطاء حقوق الإنسان وغيرهم من المهتمين بالعمل العام. وأصبح مجرد وجود منظمة حقوق الإنسان وبقائها هو انجاز فى حد ذاته، ومن هنا غابت المطالبة بمنظمات أكثر انفتاحا على المجتمع، بعدما أصبح العمل الحقوقى مجازفة، تماما مثلما نجحت السلطة فى جعل العمل السياسى فى الوعى العام مجازفة غير مأمونة العواقب.
ولكن من ناحية أخرى، خلق هذا الوضع القانونى غير المستقر ركيزة لانتقاد موقف السلطة السياسية من منظمات حقوق الإنسان، والتى قادت مع نهاية التسعينيات حملة اتسع نطاقها لتكون دولية، ضد قوانين الجمعيات، فكسبت هذه المنظمات تعاطفا دوليا، وأصبحت الحكومة المصرية مدانة بسبب موقفها من الحق فى تشكيل الجمعيات، بل واضطرت الدبلوماسية المصرية أحيانا وفى المحافل الدولية إلى اتخاذ موقع الدفاع وليس الهجوم، حتى لو كان شكل الدفاع هو التشهير بنشطاء أو منظمات حقوق الإنسان.
لا شك أن الجانب السلبى للأطر القانونية كان له بالغ الثر على فاعلية منظمات حقوق الإنسان، فقد تم هدر جزء كبير من طاقة هذه المنظمات فى الدفاع عن حقها فى الوجود. كما أن هذا الوضع القانونى المحتقن قد أدى إلى عزلة هذه المنظمات عن المجتمع، بل إن البعض وجد فى هذا التهديد السلطوى مبررا فى تعميق هذه العزلة، حيث بات كل ما هو خارجها بمثابة تهديد يستدعى الحظر والتقوقع والانغلاق.
و على الرغم من صعوبة التمييز بين الحكومة والدولة فى ظل غياب تقاليد ديمقراطية حقيقية، إلى أنه، على الأقل لأسباب إجرائية، ينبغى التمييز بينهما. فالحكومة شئ والدولة شئ آخر. كما أن الدولة شئ وأجهزة الدولة شئ آخر. أريد بذلك أن أستبعد مفهوم الدولة من حيز المواجهة، وأعنى بذلك المفهوم النظرى لدولة المؤسسات وحكم القانون والتى ترتكز فى علاقتها بالأفراد على مبدأ المواطنة. فقد كانت أنشطة منظمات حقوق الإنسان، ومازالت، تستهدف تقوية الدولة وليس مواجهتها. ومن ثم فإن التحدى هو إزاء ممارسات تصدر عن الحكومة وبعض أجهزة الدولة، وتتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان.
إذا أردنا التركيز على طبيعة المواجهة التى قدر لمنظمات حقوق الإنسان المصرية أن تكون طرفا فيها، فقد كانت بينها وبين ما يمكن أن نطلق عليه "بالمجال المركزى لجهاز لدولة"، وأعنى بذلك مراكز اتخاذ القرار السياسى، والمؤسسة الأمنية المنوط بها تنفيذ هذه القرارات، ثم وزارة الشئون الاجتماعية بوصفها المؤسسة المنوط بها إعطاء صك الوجود لمنظمات المجتمع المدنى.
ولا أريد هنا أن أخوض فى تفاصيل، سنتصبح من نافل القول حيث أن الجميع يعرفها، وأعنى بذلك المواقف المتبادلة بين المؤسسة الأمنية ومنظمات حقوق الإنسان. فقد سعت هذه المؤسسة للتضييق على منظمات حقوق الإنسان، بل وشنت فى عدد من المرات حملات عنيفة ضد عدد من نشطاء حقوق الإنسان.
لقد زادت فاعلية منظمات حقوق الإنسان ضد "ممارسات المجال المركزى لجهاز الدولة"، على الأقل فى كشف الانتهاكات التى تصدر عن هذا المجال. وأزعم أن جزء كبير من مشروعية هذه المنظمات قد تم تاسيسه فى ظل الأنشطة الدفاعية خاصة فى مجالات مواجهة التعذيب، وحقوق السجناء، والحق فى المحاكمة العادلة والمنصفة، وبشكل أعم مواجهة قانون الطوارئ. وأزعم أيضا أن فاعلية منظمات حقوق الإنسان فى هذا المجال فاقت بكثير فاعليتها فى مجالات حقوقية أخرى مثل الحقوق ذات الطبيعة الثقافية والتى قد ترتبط بموروثات ثقافية واجتماعية، أو فى مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وأزعم أيضا أن منظمات حقوق الانسان كانت أكثرا حذرا إذا ما تعلق الانتهاك بموروث ثقافى، وكانت أكثر قوة إذا ماكان الانتهاك له طبيعة سياسية.
ولكن يمكن أن نرصد ظاهرتين فى علاقة منظمات حقوق الإنسان بالسلطة السياسية وأجهزة الدولة، قد يكون لهما أثر على فاعلية منظمات حقوق الإنسان:
الظاهرة الأولى، تتعلق بالاستراتيجية السياسية والأمنية لمواجهة منظمات حقوق الإنسان، فإلى جانب الاجهاد القانونى والمتابعات الأمنية، بل والاعتقال المباشر فى بعض الأحيان، إلا أن العامل الذى كان له بالغ الأثر، فى نظرى، هو الاستراتيجية غير المباشرة لنزع المشروعية عن هذه المنظمات اعتمادا على معطيات وموروثات ثقافية، واعتمادا على وجود خصوم ثقافيين لهذه المنظمات من بين جماعات المعارضة السياسية. فقد تم تفعيل ثنائية الداخل والخارج، وقضايا الخصوصية الثقافية، وربط حقوق الإنسان بالغرب بشكل عام وبالولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص. وأزعم أعم أن هذه الاستراتيجية قد نالت كثيرا من فاعلية منظمات حقوق الإنسان، والتى أجبرت على اتخاذ مواقف دفاعية، ومحاولة استمالة النخب الثقافية والسياسية إلى صفها للاستقواء بها. وهكذا فقد تم توجه طاقة "التواصل" نحو "النحب" الثقافية بهدف درء الشرور على حساب توجيهها إلى قواعد اجتماعية واسعة من أجل حماية ونشر ثقافة حقوق الإنسان.
أما الظاهرة الثانية، والتى قد أرى فيها شيئا ايجابيا، على الرغم من أن منظمات حقوق الإنسان لم تستثمرها بشكل جيد، فتتعلق بالتواصل مع بعض أجهزة الدولة. فإذا ابتعدنا عن المجال المركزى لجهاز الدولة سنجد أن مؤسسات الدولة خارج هذا المجال لم تكن تعتمد نفس الاستراتيجية بشكل عام، اللهم إلا فى الحالات التى تكون مؤتمرة باتخاذ موقف ضد منظمات حقوق الإنسان. ففى أكثر الأوقات احتداما بين الطرفين، كانت منظمات حقوق الإنسان، فى إطار عملها اليومى، فى تواصل مع عدد كبير من المؤسسات الحكومية بل وعدد من الوزارات. وتؤكد التقارير السنوية لبعض هذه المنظمات تواصلا على مستوى الشكاوى والمراسلات.
وكانت هذه المراسلات ترتبط، فى الغالب بحقوق اقتصادية واجتماعية لفئات فقيرة، ولكن مع الأسف فقد طغى على السطح مثلث علاقة منظمات حقوق الإنسان/المجال المركزى لجهاز الدولة/النخبة والذى أدى إلى اقتطاع جزء كبير من طاقة منظمات حقوق الإنسان، وبالتالى فاعليتها، وذلك على حساب مثلث منظمات حقوق الإنسان/المجال الطرفى لجهاز الدولة/ المواطنين.
أما فيما يتعلق بالعوامل الذاتية لمنظمات حقوق الإنسان وأثرها على فاعليتها. يجب التمييز بين الفاعلية Effectiveness و والكفاءة Efficiency، فالفاعلية هى أن تفعل الأشياء الصحيحة، أما الكفاءة فهى أن تفعل الأشياء بطريقة صحيحة. وإذا طبقنا ذلك على منظمات حقوق الإنسان ومن حيث الفاعلية، نلاحظ فى ضوء ما سبق، أن مشروعها من حيث المبدأ هو العمل فى مجال من الأفعال الصحيحة بلا شك، سواء تعلق الأمر بحماية أو نشر ثقافة حقوق الإنسان. وكما ذكرنا فقد كانت المواجهات، فى الغالب، بسبب عوامل خارجية تريد الحد من هذا الفعل سواء لأسباب سياسية (السلطة السياسية) أو ثقافية (السلطة الأيديولوجية). وبالتالى فمن السهل، بل والمبرر أحيانا، أن يعزو مناصرو هذه المنظمات عدم فاعليتها إلى عوامل خارجية لا إرادية.
أما فيما يتعلق بالكفاءة، أى فعل الأشياء بطريقة صحيحة، فهى مشكلة ذاتية لمنظمات حقوق الإنسان. وطالما أننا لا يمكن أن نتحدث عن فاعلية بدون كفاءة، فيمكن الجزم بأن هدر جزء كبير من فاعلية منظمات حقوق الإنسان يعود إلى عدم الكفاءة. وليس معنى ذلك أن منظمات حقوق الإنسان قد افتقرت إلى الكفاءة بشكل كامل. لكن لأى شخص على اتصال بهذه المنظمات يكتشف أنها ربما قد تكون قد تجاوزت فيما يتعلق بالقضايا والقيم التى تدافع عنها، أما إذا تعلق الأمر بالكفاءة فهى بكل المقاييس رهينة شروط واقعها ولم تتجاوزه. فهى لم تنجح فى تقديم نموذج مختلف فى الأداء المؤسسى الجيد، ناهيك عن ضعف القدرة على التواصل مع قطاعات اجتماعية واسعة.
ويبرز هذا على أكثر من صعيد، وخاصة فيما يتعلق بالأداء المؤسسى، والديمقراطية الداخلية، والتنسيق فى العمل سواء على المستوى المحلى أو المستوى الدولى. وقد تمثلت تداعيات ضعف الكفاءة فى هدر الكثير من الموارد والطاقة والتى كان من الممكن الاستفادة منها فى زيادة فاعلية منظمات حقوق الإنسان. تعريف بمنظمات حقوق الإنسان المصرية (هذه القائمة غير مكتملة ولا تشتمل على جميع المنظمات المصرية العاملة فى مجال حقوق الإنسان)
|
|
|