[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

نقد نقد  إلياس مرقص

 

د. سمير أمين

 

ما فات على انتباهى صدور كتاب المرحوم إلياس مرقص (وعنوانه "نقد العقلانية العربية"). وليست درجة احترامى للمثقف بقدر موافقته على وجهات نظرى. فالمرحوم إلياس قد جمع فى شخصيته تلك الصفات العظيمة التى تضع الإنسان فى قائمة هؤلاء الذين يستحقون كل التقدير. أقصد هنا على الأخص بحثه بلا كلل ولا ملل عن الحقيقة، معتمداً على ثقافة علمية صحيحة وذهنية متفتحة على آفاق واسعة، وإخلاصه وشجاعته فى خدمة الوطن وطبقاته الشعبية.

على أن النص المنشور بعد وفاة إلياس لا يتجاوز كونه مسودة مشروع كتاب لا أكثر؛ مسودة حفلت بنواقص عديدة بل أخطاء صريحة عجيبة. لست أدرى إن كان إلياس قد أدرك أن المسودة كانت لا تزال فى حاجة إلى مزيد من العمل والتصحيح كى يكون الكتاب على المستوى المطلوب، أم لم يدرك ذلك. لست أدرى.

أود فى الملاحظات المحدودة التى سألقيها فيما يلى أن أنظر إلى بعض نقاط الضعف الناتجة عن عدم استكمال البحث، وهى نقاط تلغى تماما معنى "نقده" للأطروحات التى نسبها لى.

كنت – بعد قراءة النص المنشور – قد ترددت فى الرد عليه وذلك لنفورى من فتح سجال مع زميل عزيز لا يستطيع أن يدافع عن نفسه. إلا أن إعادة نشر "نقد" إلياس فى مقال من مجلة النهج (شتاء 2001) بقلم أحمد حميدى الحمد قد أقنعنى بضرورة الرد، وإن كانت النتيجة قد تصيب سمعة إلياس ببعض الضرر.

 

الملاحظة الأولى

لم أحضر ندوة تونس، وبالتالى فقد قرأت بشىء من التسلية الفقرات الخاصة بتعليقات إلياس على ذلك "الخطاب الشفوى" الغريب المنسوب لى. ولا أعلم كيف تحولت أنا إلى شبح سكن ذهن المؤلف حتى أقنعه بأننى كنت موجوداً بالفعل ودخلت معه فى حوار حقيقى ("قام سمير وقال..")!! ولا سيما أن الأفكار المنسوبة لى بهذه المناسبة لم تعتمد على نصوص محددة مكتوبة منى، واضحة المعنى، حتى صار الحوار بين شبح سمير وإلياس الحقيقى نصا سيريالياً!

 

الملاحظة الثانية

أفترض أن إلياس قد قرأ جزءًا لا يستهان به على الأقل من كتاباتى، فكيف استطاع أن يتصور لحظة أننى أتجاهل التمييز بين "الهلينية" و "الهلينستية" فأعتبرهما شيئاً واحداً!

ألم يقرأ إلياس ما كتبته حول العصر الهيلينستى، انطلاقا من فتوحات الإسكندر التى خلقت ظروفاً ملائمة أتاحت دمج حضارات الشرق الأدنى السابقة (ومنها "الهيلينية" أى الإغريقية التى ازدهرت قبل ظهور الهيلينستية بقرون؛ إلى جانب حضارات مصر الفرعونية وفينيقيا وبلاد النهرين وإيران) حتى تكّون مركز ثقافى موحد جديد؟ ألم يقرأ إلياس ما كتبته عن ظهور المسيحية ثم الإسلام فى هذا الإطار الهيلينستى الملائم وعن البعد العالمى (universaliste) الموجود منذ الأصل فى هاتين الديانتين؟ فكيف يقول إلياس إننى احتقرت هذا البعد لصالح التركيز على "الخاص"؟ ألم ير أننى كنت هنا أنقد بالتحديد هذا التركيز على "الخصوصيات" الذى تتسم به أيديولوجيا التمركز الأوروبى من جانب وأختها فى الخطاب الإسلامى المزعوم ("الاستشراق المعكوس") من الجانب الآخر؟

لعل خطأ إلياس يرجع إلى قراءته السريعة لبعض نصوص لى منشورة باللغة العربية ترجمت دون مراجعة منى. فحدث بالفعل أن بعض المترجمين قد تجاهلوا استخدامى لمصطلحين اثنين وأحلوا محلهما مصطلحاً واحداً ("الهيلينية"). ولكن كنت أنتظر من إلياس أن يلاحظ أن هذه الكلمة (هيلينية) قد جاءت هنا بمعنيين أحدهما يشير إلى الجزء (الحضارة الإغريقية) والآخر إلى الكل (دمج حضارات الشرق الأدنى)، كما لاحظه قراء آخرون فرجعوا إلى الأصل الفرنسى وصححوا "تصحيح" الناشر العربى.

 

الملاحظة الثالثة حول منهج النقد

لم يناقش إلياس أطروحاتى بشكل عام أو بشكل خاص فى بعض مكوناتها. فالنقاش الحقيقى يتطلب الاعتماد على نصوص دالة ومحددة. أحل إلياس محل هذا المنهج أسلوب الرفض السابق ثم الاسترسال فى عرض مطول لوجهات نظره هو حول مشاكل عديدة بعضها خارج تماماً عن الموضوع. أقصد هنا استرساله فى عرض مساهمات الفلسفة الإغريقية والأوروبية القروسطية والإسلامية والأوروبية الحديثة وبيان عظمة هذا التاريخ. إلخ.

لعل مثل هذا العرض مفيد للقارىء الجاهل، ولا سيما فى صفوف الأجيال العربية التى تمت تربيتها فى جو احتقار الآخر وتاريخه احتقاراً شاملاً لمجرد أنه غير مسلم. ولكن بالنسبة لى للعديد من الآخرين لا يضيف ذلك شيئاً لم نعرفه ونعطيه أهميته، بل اتفقنا عليه فى معظم الأحيان. فلن يجد إلياس (أو أى قارىء آخر) جملة واحدة فى كتاباتى تدل على "احتقارى للقرون الوسطى" أو "للميتافيزيقيا" إلخ، لن يجد جملة واحدة تتيح وضعى فى سلة واحدة مع هؤلاء المفكرين فى القرن التاسع عشر الذين سقطوا فى التبسيط العلموى (الوضعية positivisme) أو مع هؤلاء الماركسيين الذين هم أيضاً سقطوا فى مثل هذا التبسيط. ألم يقرأ إلياس الجملة التى كتبتها والتى مفادها بالحرف "أن الإنسان حيوان ميتافيزيقى"؟

إن الأسئلة التى  طرحتها تأتى بعد الخطاب الذى استرسل إلياس فى عرضه. وسنرى الآن كيف تناول إلياس التعليق على هذه الأسئلة، أو بالتحديد كيف لم يناقشها بل تجاهلها.

 

الملاحظة الرابعة حول تعريف الحداثة

لقد اقترحت تعريفاً للحداثة بالتركيز على ما يبدو لى جوهر التغيير الكيفى الذى حدث فى مجال الفكر والثقافة، وعلى أرضية تنظيم العلاقات الاجتماعية فى أبعادها المختلفة الاقتصادية والسياسية. وأرى أن هذا التوافق بين نشأة الحداثة ونشأة الرأسمالية لم يكن من باب الصدفة إذ لا يمكن فهم أو تفسير أى من هذين الجانبين للواقع المجتمعى فى جملته دون اعتبار الآخر.

هذا التعريف المقترح يؤكد حدوث "قطيعة" فى التسلسل التاريخى علما، مرة أخرى، بأن الاعتراف بحدوث قطيعة لا يعنى على الإطلاق "احتقار" ما سبقها.

هذا التعريف قابل للنقاش والنقد، بالطبع. ولكن إلياس لم يقم بأى نقد له. فتجاهله تماما ليحل محله قراءته للتاريخ، وهى قراءة تسلسلية متواصلة لا تشير إلى حدوث تغيير كيفى. بل لم يقدم إلياس تعريفا بديلاً للحداثة التى يؤمن بها.

هذا هو الخلاف الحقيقى بيننا فى قراءة التاريخ.

 

الملاحظة الخامسة

وهى ملاحظة تخص اكتشاف الظروف والشروط التى أدت إلى ظهور الحداثة فى ركن من أوروبا القروسطية وعدم تبلورها فى مناطق أخرى (ومنها العالم الاسلامى) لم تقل تطوراً فى درجة نموها المادى والفكرى.

هنا أيضاً لم يناقش إلياس الأطروحة التى قدمتها فى هذا المجال والمعتمدة على التمييز بين النمط الإقطاعى والنمط الخراجى. فرفض إلياس من الأصل النظر فيما كتبته عن العام والخاص وتركيبهما فى واقع المجتمعات المعنية (فاكتفى بالقول بأننى أتجاهل الإشكالية). ثم أحل إلياس محل النقد طرح وجهة نظره. فتبين لى أن طرح إلياس هنا لا يعدو كونه ذلك التفسير التقليدى الذى انطلقت أنا من نقده. أقصد مثلاً نظرية "النمط الآسيوى" (وتفسيره الجغرافى). علما بأن هذا التضاد المفتعل فى رأيى بين "الغرب" و "الشرق" يمثل بالتحديد جوهر نظرة التمركز الأوروبى.

إذ يؤدى بالضرورة إلى تفسير "المعجزة الأوروبية" من خلال التركيز على "خصوصيات" مزعومة وموهومة، منها الطابع "الأوروبى" المبكر للفكر اليونانى القديم (تجاهلاً لانتماء اليونان القديم إلى عالم الشرق الأدنى وليس إلى "أوروبا" التى لم يكن لها وجود عندئذ) ومنها "خصوصيات" المسيحية (بينما رأيت أنا تماثلاً واضحاً بين هذه الخصوصيات المزعومة و"خصوصيات" الإسلام المزعومة هى الأخرى).

هكذا بدلاً من أن ينقد إلياس مباشرة أطروحاتى، اكتفى بتكرار الأطروحات التقليدية التى انطلقت أنا من نقدها، وذلك دون أن يضيف شيئاً يذكر على هذه الأطروحات المعروفة.

 

الملاحظة السادسة

لم يهتم إلياس بتلك السمات للحداثة التى أنتجتها مصاحبتها لنشأة الرأسمالية وانتشارها. علما بأن تجاهل هذا الجانب من الإشكالية يحول دون فهم مغزى "تحدى الحداثة" سواء أكان على المستوى العام (أى بصفته "تحدى الرأسمالية") أم على المستوى الخاص بالأطراف فى المنظومة العالمية وهى مناطق تعانى من الطابع اللامتكافىء للتوسع الرأسمالى (أو بعبارة أخرى" تحدى العولمة الرأسمالية المبتورة"). ربما اعتبر إلياس أن الاهتمام بهذا التمييز بين جانبى التحدى يمثل "انحرافا اقتصادياً".

 

الملاحظة السابعة حول نقد مختلف تعبيرات الفكر العربى الحديث

كان إلياس يسعى فى مشروعه إلى تقديم نقد شامل للفكر العربى الحديث. فأخذ رؤى وأطروحات هؤلاء المثقفين الذين اجتمعوا فى ندوة تونس (وبعض الغائبين – أنا على الأقل!) عينة دالة لينطلق منها. ثم توصل إلى نتيجة عامة صارمة وقاسية ألا وهى أن "الذهن العربى لم يستوعب ما أنجزته الحداثة الغربية". لا خلاف بيننا حول هذا الحكم.

سؤالى هو فقط حول درجة نجاح إلياس فى مشروعه بالمقارنة مع ما حققه غيره من المفكرين العرب الذين توصلوا هم أيضاً إلى نفس الحكم القاسى.

فليس إلياس هو المفكر الوحيد الذى تناول مثل هذا المشروع. أذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر على الأقل، ثلاثية جورج طرابيشى.

أعتقد أن نصوص طرابيشى، وكذلك بكل تواضع كتاباتى فى الموضوع، أقوى بمراحل فى نقدها مما كتبه إلياس فى المسودة المعنية.

الغريب فعلاً هو أن إلياس وضعنى فى سلة واحدة مع هؤلاء الذين "لم يستوعبوا ما أنجزته الحداثة" من ممثلى التيارات القومية والإسلامية. كيف نستطيع أن نفسر هذه الخلطة العجيبة؟

لعل خطأ إلياس يرجع إلى اعتباره أن جميع المفكرين الذين لفتوا الأنظار إلى التمركز الأوروبى ينتمون بالضرورة إلى مدرسة واحدة ويتشاركون فى المنهج ويدعون إلى رفض إنجازات الحداثة بالجملة.

فأنا بالفعل من بين هؤلاء الذين ركزوا فى بعض الكتابات على كشف النزعة أوربية التمركز، ثم نقدوا "العولمة" المفروضة علينا بأبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد لاقت هذه الكتابات ترحيباً، بل أحيانا لاقت كثيراً من الحماس، لدى جمهور متنوع من "المعادين للاستعمار" باختلاف انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية.

ولكن هناك من يرفض "العولمة" لأنه يرفض الحداثة أصلاً. فيرفض بالتالى "الفكر الغربى" بجملته ويرى أن الثقافة الغربية تقتصر على النزعة أوربية التمركز. فيعتبر، وأحيانا يجرؤ على أن يكتب أن الثقافة الأوروبية لا تقدم لنا شيئاً مفيداً على الإطلاق، وبالتالى فالأفضل هو تجاهلها تجاهلاً. هم بالفعل هؤلاء الذين "لم يستوعبوا ما أنجزته الحداثة".

لست أنا منهم. ولا تمت كتاباتى فى الموضوع لهذا الموقف بصلة. فلم أرفض لحظة لا الحداثة ولا العولمة. إلا أننى اعتبرت أن الحداثة القائمة بالفعل إلى الآن حداثة ذات طابع رأسمالى، حداثة يقيدها اللاتكافؤ فى التوسع الرأسمالى العالمى، وأن التمركز الأوروبى هو وسيلة أيديولوجية لإضفاء مشروعية لهذه الحداثة الرأسمالية وإخفاء نواقصها؛ وكذلك أن العولمة هى الأخرى – بصفتها تعبيراً عن الحداثة الرأسمالية – تتسم بنفس السمات.

كل ما قلته فى الموضوع – بالتركيز عليه – هو أن الحداثة الرأسمالية والعولمة الرأسمالية التى ترافقها لا تمثلان "نهاية التاريخ"، بل فقط مرحلة فى مسيرة لم تستكمل – فأطالب أنا بتطوير الحداثة والعولمة، لا برفضها، ألم يلاحظ إلياس هذا العنوان الذى استخدمته بالحرف ("تطوير، لا رفض")؟، أنا أدعو إلى توجيه النظر نحو المستقبل المشترك للإنسانية بينما السلفيون يدعون إلى الانغلاق وإنعاش الماضى. ثم كتبت أكثر من مرة أن وصفة السلفية هى "ضمان للفشل" لأنها لا تدرك معنى التحدى للسبب ذاته الذى أشار إلياس إليه وهو أن هذا الفكر (اللافكر فى رأيى) لم يستوعب إنجازات الحداثة المطلوب تطويرها، بل لم يهتم بها أصلاً. لم يدرك إلياس أن هناك اختلافا جوهريا بين المقولات التى قدمتها وأقوال السلفية ومواقفها بأنواعها. أعتقد أن هذه الخلطة تمثل خطأ جسيماً يلغى تماماً نقد إلياس الموجه لى.

لقد وجه إلياس بعض انتقاداته لمجموعة من المفكرين السلفيين هم "مثقفون عضويون" ينتمون للتيارات السياسية القومية والإسلامية. هنا أتفق مع حكم إلياس القاسى بالنسبة إليهم، وأعتقد أن هناك عدداً غير قليل من المفكرين العرب يشاركون فى هذا الحكم. ولكن هذا النقد سهل. فهؤلاء السلفيون لا يقدمون "فكراً" بل مجرد أقوال أقرب إلى أن تكون "لا فكر"، أقوال ذات طابع الشعارات السياسية لا غير. فيوظفون الوطنية، أو القومية، أو "الهوية الإسلامية" من أجل إنجاز تعبئة سياسية؛ وقد ينجحون فى ذلك.

فيمكن فتح نقاش سياسى (لا فكرى) حول الأهداف التى يسعون إلى تحقيقها من خلال هذه التعبئة وتقدير طابعها واحتمالاتها إلخ. هذا موضوع آخر ليس هنا مكان مناقشته. على أن هذه الشعارات لا تمثل فى حد ذاتها "فكراً". كلا على سبيل المثال أقول إن ما يقدم لنا بصفته "فكراً اسلامياً" لا يستحق التسمية. فليس له طابع فكر دينى صحيح على نمط لاهوت التحرير المسيحى. و"الهوية الاسلامية" التى تكوّن جوهر هذا الفكر المزعوم لا تعدو كونها احترام الشريعة والممارسات الطقوسية لا غير. لذلك أعتقد أن الوصف الصحيح لهذه التيارات هو اعتبارها "إسلاماً سياسياً"بمعنى توظيف سياسى للانتماء الإسلامى الشكلى، وليس فكراً اسلامياً.

كذلك قلت إن الحركات الوطنية والقومية (الناصرية، البعثية. إلخ) لم تقدم "فكراً" بل مجرد برنامج تعبئة سياسية.؟ وعلى هذا الأساس كنت قد عبرت منذ أوائل الستينات – أى فى سنوات مد الحركات الوطنية – عن خوفى من أن الاضطهاد الفكرى والسياسى الذى  تمثل فى منع كل تعبير ليبرالى وماركسى بالعنف، كان لا بد أن ينتج فراغا سوف تملؤه فيما بعد عودة السلفية إلى مقدم المسرح، إلى جانب العودة إلى حظيرة الرأسمالية التابعة. أكذّب التطور اللاحق ما كنت أخشاه؟ لذلك لم أفهم السبب الذى دفع إلياس إلى نقد موقفى "السلبى" (فى رأيه) إزاء الناصرية.

وبشكل عام فقد رأيت من الواجب – من أجل فهم عيوب الفكر العربى المعاصر ونواقصه – التمحص فى لحظة النهضة فى القرن السابق وبيان نواقصها. وقد وجهت هذه الدعوة مبكراً، عندما كان الحديث السائد حول النهضة لم يُعد كونه مدحاً مقدساً لا يقبل التساؤل. هل كنت مخطئاً؟

تناول كتاب إلياس نقاش مفكرين آخرين مثل عابد الجابرى، هنا أيضاً لن أخوض فى نقد هذا النقد الذى بدا لى ناقص الوضوح؛ فالمقارنة هنا مع نصوص طرابيشى هى فى صالح الأخير تماماً.

 

الملاحظة الثامنة

اتهمنى إلياس بعيوب جوهرية مثل "الستالينية" و"العلموية" و"الاقتصادوية". حقيقة لم أجد فى النص المنشور ما يثبت صحة هذه الاتهامات أو حتى إشارات ترجح وجهات نظر إلياس.

ترجع تساؤلاتى حول النمط السوفياتى وطابع سماته السلبية إلى أوائل الستينات. فقد توصلت إلى أن للانحراف الستالينى جذوراً فكرية إلى جانب فعل الصراع الطبقى بعد الثورة.

ومن بين هذه الجذور أشرت بالتحديد إلى الفهم الوضعى (Positiviste) العلموى الذى ساد فى الماركسية التاريخية منذ الأممية الثانية والذى ورثت البلشفية نصيبا هاما منه. ثم وعلى هذا الأساس عبرت عن خوفى من أن يتحول النظام السوفياتى من "رأسمالية دون رأسماليين" إلى رأسمالية من النوع الطبيعى أى مع رأسماليين. أكذّب التطور اللاحق مخاوفى؟

فأين فى كل ذلك الستالينية والعلموية والاقتصادوية؟ لم أفهم ما قصده إلياس من وراء هذه الاتهامات التى تنكرها كتاباتى إنكاراً واضحاً. لعل أقوال شبح سمير الذى سكن ذهن إلياس فى ندوة تونس هى الأساس والمصدر الوحيد لنقده.

لقد ادّعى إلياس أننى "أخلط المادية التاريخية وعلم الاقتصاد السياسى الماركسى"؛ وكذلك أننى "أختصر نمط الإنتاج إلى قوى إنتاج وعلاقات إنتاج"، وهى أدلة قاطعة على الطابع الاقتصادوى والعلموى لأطروحاتى.

غريب. الحقيقة هى أن ما كتبته فى المجالين المذكورين هو بالتحديد ما يكتبه إلياس فى هذه الشؤون، أى عكس ما ينسبه هو لى! أنا هو الذى سبق أن كتب أنه "لا يمكن خلط المادية التاريخية والاقتصاد السياسى الماركسى". أنا هو الذى سبق أن كتب أن "نمط الإنتاج لا ينحصر فى قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج كما يأتى فى كتابات الماركسية المبتذلة". أنا هو الذى سبق أن انتقد هذا الابتذال فدعا إلى فهم "نمط الإنتاج" على أنه مفهوم شمولى يضم معا المستوى التحتى والمستويات الفوقية وبيان علاقاتها المتبادلة" وبالتالى أنه "لا يمكن تجاهل مغزى ومضمون القيم الأخلاقية والثقافية والدينية إلخ". بل لم أكتف هنا بكتابة بعض الجمل حول الموضوع – وهى جمل تكاد تكون بالحرف تلك الجمل التى استخدمها إلياس فى نقده لى! - فقد كتبت فى هذه المجالات كتابا شاملاً لم تأت فى نقد الياس أية إشارة إليه.

من الواضح أن إلياس لم يقرأ شيئاً مما كتبته. وإلاّ لكان سلوكه – كونه ينسب لى عكس ما كتبته تماماً – سلوكا غير مستقيم على  أقل تقدير.

وبعد أن "فضح" إلياس قصور فكر سمير أمين بهذا الأسلوب راح يسترسل فى وابل من الاستنتاجات الخطيرة. سمير أمين جاهل، لا يعرف شيئاً عن الإنسان، والعمل، والجغرافية، والتاريخ، والدين، والمطلق، والخاص إلخ، لا يفهم عظمة فكر أفلاطون وأفلوطين وفكر ديكارت وأرسطو وهيجل وابن رشد قائمة لا نهاية لها.

ثم يثبت الناقد علمه فى هذه المجالات بالعرض المطول لما قاله ديكارت هنا ابن رشد هناك عرضاً تظاهرياً لا نهاية له.

أتخيل أن القائمة غير مستكملة. لماذا لم يضف إلياس أن سمير جاهل فى الطب (وهذا صحيح) وبالتالى يخلط بين القلب والكبد؟ كما أنه جاهل فى الهندسة المعمارية (وهذا صحيح) وبالتالى لا يميز بين شباك وباب. لو أنه فعل لكان وابل كلام إلياس قد تحول إلى قطعة سيريالية حقيقية على نمط ما كتبه بريفار (Prevert) ولكنا تمتعنا بقراءتها!

تعانى مسودة إلياس من أخطاء جسيمة بيّنة؛ فلم يبذل المؤلف أدنى المجهود المطلوب، أى على الأقل أن يقرأ النصوص المنقودة قراءة متمعنة. لعل التفسير الوحيد لهذا السلوك هو تفسير نفسانى: اعتبر إلياس نفسه المفكر العربى الناقد الوحيد، الوحيد الذى استوعب إنجازات الثقافة الغربية والعالمية. وبالتالى صار إنسانا لا يتحمل الحوار الصحيح. إذ إن الآخر فى نظره إما ينتمى إلى مجموعة هؤلاء الذين يرفضون الثقافة الغربية بالجملة أو إلى مجموعة هؤلاء الذين تنقصهم القدرة العلمية المطلوبة لاستيعاب إنجازات هذه الثقافة. وإلاّ فما أختلف مع إلياس فى كبيرة أو صغيرة.

إلياس مرقص فيلسوف ماركسى صحيح. أقصد أنه قد قرأ نصوص ماركس مباشرة قراءة وافرة ودقيقة، فلم يكتف – كمعظم الماركسيين العرب (وغير العرب) – بالكتابات المبسطة التى روجت مقولات "ماركسية مبتذلة" اتسمت بالفعل بطابع علموى واقتصادوى. فإلياس من هؤلاء الذين بذلوا مجهوداً متواصلاً من أجل رفع مستوى معرفة وفهم الماركسية فهما صحيحاً. أعتقد أننى – بكل تواضع – أنتمى إلى نفس المجموعة. وبالتالى التقينا تماما أنا وإلياس فى نظرة للماركسية غير علموية وغير اقتصادوية. بيد أننا انطلقنا فى هذه القراءة من زوايا مختلفة – ولكن متكاملة. فإلياس فيلسوفى التكوين وثقافته فى هذا المجال واسعة. أما أنا فانطلقت من أرضية اقتصادية (وليست هى مرادفاً "للاقتصادوية") وهى مجال تكوينى الأصلى. ولكننا شاركنا نحن الاثنين فى إدراك أن الماركسية لا تُختزل فى "فلسفة" (بمعنى مدرسة فلسفية) ولا فى "اقتصاد سياسى" (بمعنى مدرسة من مدارس علم الاقتصاد)؛ فهى مشروع فكرى شامل يتناول جميع أبعاد الواقع المجتمعى فيركز على التفاعل والتمفصل بين الأوجه المختلفة للواقع، وهو بدوره منهج ضرورى من أجل التقدم فى التحليل العلمى لشؤون المجتمع.

أين الخلاف بيننا إذن؟ أعتقد أن كتاب إلياس المعنى هنا يوضح تماما أين يقع الخلاف. فأنا من هؤلاء الذين لم يكتفوا بقراءة ماركس قراءة دقيقة ووافرة أيضاً، من أجل فهم ماهية ماركسية ماركس نفسه، بل سعوا أيضاً إلى استخدام المفاهيم والمنهج اللذين يمكن استخلاصهما من هذه القراءة من أجل تطوير تفسير تاريخ مختلف المجتمعات من جانب ومشاكل الحاضر الناتجة عنه بصفة خاصة من جانب آخر. ومن فعل ذلك اكتشف فوراً أن الإجابات ليست موجودة جاهزة عند ماركس (ولا تعيب ماركس هذه "النواقص")، بل يكتشف أيضاً أنه لن يتوصل إلى النتيجة المرجوة من خلال قراءة ماركس "بين السطور". وإن فى بعض الأحيان قد يكتشف أن إجابة ماركس غير مرضية (وأنا أوثر أن أسمى هذه الإجابات "أطروحات" بل "فرضيات") إذ هى تعانى من نواقص المعرفة فى أيام ماركس، أو أن التطور قد خلق ظروفاً جديدة فطرح إشكالية جديدة. أو بكل بساطة أن ماركس لم يتناول الموضوع. هذا نوع من الماركسية الذى يتطلب شجاعة فكرية وإقداماً جريئاً على طرح جديد. طبعاً ليست الأطروحات المقدمة فى هذا الإطار أطروحات "فوق النقد"، بل على عكس ذلك تماما هى دعوة إلى مزيد النقاش والنقد والتطوير أو النقض. على أن طابع النقد المطلوب هنا يستوجب قبول مبدأ تطوير مقولات ماركس وعدم الاكتفاء بالاستنتاج من خلال قراءة المقولات الموجودة فى نصوص ماركس.

هذا هو بالتحديد ما يرفضه إلياس. فكلما تصدى لمقولة جديدة استغرب ثم انفجر وذهب للبحث عن نصوص ماركس بشأنها، كى يجد ما قاله ماركس فى الموضوع أو ما لم يقل إذا كان صامتاً بشأنها. ثم يحكم إلياس على ضوء نصوص ماركس أو غيابها. هكذا دافع إلياس عن مقولات ماركس حول "نمط الإنتاج الآسيوى" (وهى فى رأيى فرضيات ولا أكثر) وعلى أساسها رفض من الأصل، ودون نقاش، طرحى الذى انطلق بالتحديد من نقد مقولات (فرضيات) ماركس بهذا الشأن، بل رفضه إلياس بسبب انطلاقى من نقد النصوص المعنية. هذا هو منهج علوم النقل وليس منهج علوم العقل.

             

 

 

 

!أتصلوا بنا ألفهرس أبحث

 

الرجا إرسال أية أسئلة أو ملاحظات إلي ألمنتدي
ftm.messages@ifrance.com

Copyright © 2003  منتدى العام الثالث
Last modified: 01/23/04