|
|
|
العمل في هذا الموقع دائم
|
الحرب العالمية وما بعدها
سمير أمين
ينتهي القرن العشرين في جو يذكرنا تماماً بالجو الذي ساد خلال عقد افتتاحه، وهو عقد عولمة ليبرالية أولى رافقتها ثورة تكنولوجية (الثانية) وتبلور الاحتكارات (أسلاف الشركات المتعدية الجنسية) واندماج النظم المالية فى سوق موحدة مفتوحة. فكان يبدو أن الرأسمالية قد حققت ثباتا نهائياً حتى تنازلت الأحزاب العمالية عن مشروعها الاشتراكى الأصلى، كما أن شعوب آسيا وأفريقيا المستعمرة لم تر مستقبلا لها خارج اندماجها فى العولمة التى بدت لهم "دون بديل". ولكن تلك الموجة الأولى من العولمة لم تدم. فقد أدى تحكم رأس المال الأحادى الجوانب إلى احتدام المنافسة بين المراكز الاستعمارية، وإلى تصاعد الصراعات الاجتماعية، وإلى انتفاضة شعوب المستعمرات. وتجلى هذا الرفض فى سلسلة حروب (من الحرب العالمية الأولى إلى الثانية) وثورات (من الثورة الروسية فالصينية إلى ثورات التحرر الوطنى) احتلت ثلاثة أرباع تاريخ القرن. لقد أنتجت الحرب العالمية الثانية؛ فالهزيمة المزدوجة للفاشستية والكولونيالية الظروف الملائمة التى قام على أساسها رواج العقود التالية من عام 1945 إلى عام 1980. فأتاح هذا التطور فى الغرب تنفيذ مشروع الدولة الاشتراكية الديموقراطية (دولة الرفاهية). ثم فتح بابا لتنمية حقيقية نسبياً فى الجنوب اعتمدت على استغلال المنافسة بين الغرب والشرق لصالح تدعيم استقلال "الدول النامية". فالرواج كان إذن ناتج تكيف رأس المال لمقتضيات العلاقات الاجتماعية التى فرضتها القوى الديموقراطية والشعبية والوطنية. وهذا الوضع هو تماماً عكس "التكيف" الذى يدعو إليه أصحاب النظام حالياً. وقد أدى هذا التطور إلى تغيرات ملحوظة فى ترتيب هرم الأمم، وإلى انقسام العالم الثالث. فهناك مجتمعات استطاعت أن تقيم منظومات إنتاجية متمركزة على الذات، وأخرى لم تحقق هذا الإنجاز الذى يقدم شرطاً لإنماء لاحق للقدرة على مواجهة المنافسة فى الأسواق العالمية. أن مصدر التباين بين هاتين المجموعتين إنما هو اختلاف من حيث الكيف. فالأولى تساهم فى المنظومة العالمية بصفتها فاعلة، بمعنى أنها قادرة على إنماء استراتيجياتها الخاصة التى تدخل فى تناقض مع خطط الاستعمار. على خلاف المجموعة الثانية، فهى فى موقع المفعول به العاجز عن تطوير استراتيجيات خاصة بها، ورؤى مستقبلية فاعلة؛ حتى أخذت مشروعات وهمية سلفية أو إثنية تحل محلها. تآكلت بالتدريج التوازنات الاجتماعية التى سادت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى انهارت النظم القائمة على أساسها من دولة الرفاهية فى الغرب والاشتراكية السوفيتية وأنماط الوطنية الشعبوية فى الجنوب. فتجمعت خلال العقدين الأخيرين شروط العودة إلى تحكم رأس المال تحكماً أحادى الجوانب. ومرة أخرى فإن الاختلال فى توازن القوى قد رافقة دخول الرأسمالية فى أزمة هيكلية عميقة وتبلور ثورة تكنولوجية ثالثة وسيادة مقتضيات العولمة المالية، وهى جميعاً سمات شبيهة بما كانت عليه فى أوائل القرن. وفى هذا الإطار أنمت الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية استراتيجيات شاملة متماسكة تسعى إلى ضمان هيمنتها المطلقة على مشاركيها فى "الثالوث" (المكون كما هو معروف من الولايات المتحدة وكندا، أوروبا، اليابان)، من أجل فرض عولمة ليبرالية تحت قيادتها وجعل القرن الواحد والعشرين "قرنا أمريكيا". ويقوم هذا المشروع على دفع القوة العسكرية الأمريكية الفائقة فى مقدم المسرح، كما حدث من تشكيل الأحلاف العسكرية بعد الحرب الثانية واعترف بذلك هنرى كيسنجر فى قوله أن "ليست العولمة إلا كلمة أخرى ترادف هيمنة الولايات المتحدة". ولعبت حروب الخليج ثم كوسوفو دوراً حاسماً فى تقديم المشروع من خلال تسليم الدول الأوروبية للخطة الأمريكية التى صدق عليها حلف "ناتو" فى أواخر أبريل 1999. فطبقاً لهذه الخطة -التى يطلق النظام الأمريكى عليها اسم "نظرية كلنتون"- أعطى حلف ناتو لنفسه حق التدخل فى آسيا وأفريقيا. هكذا أصبح ناتو تحالفاً هجومياً فى خدمة المشروع الأمريكى. كما أن "ناتو" قد أعتق نفسه من الالتزام بموافقة الأمم المتحدة على مبادراته. هكذا صار حديث الإدارة الأمريكية عن الأمم المتحدة يلجأ إلى تعبيرات لا تقل قسوة فى احتقارها للمنظمة الدولية وللقانون الدولى عن خطاب الدول الفاشستية فى مواجهة رابطة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية. لن يكون القرن القادم أمريكياً. فلن تقبل الشعوب هذه الموجة المتجددة من التوسع الاستعمارى الذى يتجلى بالضرورة فى تحكم الشركات العملاقة المتعدية الجنسية وغزو موارد الكوكب واستغلال العمل المتفاقم وإلغاء المطالب الديموقراطية باسم "سيادة آليات السوق". بل سنشاهد تصاعداً فى الصراعات الاجتماعية والوطنية من أجل إعادة بناء عالمية متعددة القطبية تتيح هوامش لتحرك الشعوب والطبقات الكادحة. علماً بأن رفض مشروع العولمة الليبرالية الأمريكية يكون نقطة الانطلاق فى سبيل تحقيق هذه الأهداف الإنسانية ويمكن القول أن بذور هذا التحرك قد بدأت فعلاً عقب الحرب الثانية. |
|
|