|
|
|
العمل في هذا الموقع دائم
|
الحرب العالمية الثانية وإعادة تشكيل "النظام" العالمي
سمير أمين
كان العالم فترة الحرب الثانية خارجا لتوه من أزمة الثلاثينيات الكبرى التى مرت بها الرأسمالية العالمية والتى كانت الفاشية أحد حلولها، وكان العالم بصدد التنافس حول تسريع عملية التحديث للنظام الإنتاجى، وخاصة بقيادة الولايات المتحدة، وضاعف من "الفرصة الأمريكية" هذه اندحار اليابان وألمانيا وتدهور أوروبا ودخول أمريكا كمنقذ نووى باستخدام هذا السلاح فعلاً فى هيروشيما ونكازاكى عام 1945. وقد أعطى الانفجار النووى للولايات المتحدة حق صناعة شكل العالم مبكراً ممثلاً فى الأحلاف العسكرية وفى مقدمتها الأطلنطى بالإضافة لقيادة الحرب الباردة. وفى هذا الجو أمكن عقب الحرب الثانية وضع التسويات بسرعة فى ظل عملية "التحديث- الأمركة" والهيمنة الأمريكية (مشروع مارشال) ولم يكن الموقف شبيها بما أعقب الحرب الأولى من ارتباك فى المعسكر بسبب الثورة البلشيفية . ورغم وضوح الخريطة أثناء وعقب الحرب الثانية على هذا النحو، فقد كان ثمة مخاوف من الاتحاد السوفيتى- خاصة قبل تفجير هيروشيما- أدى لتوقيع اتفاق يالتا الذى قبل فيه الغرب بدول أوربا الشرقية تحت الحماية السوفيتية، وفى نفس الوقت انطلق الغرب فى تنظيم نفسه ضد الكتلة الجديدة بإقامة حلف شمال الأطلنطى وتوجيه الحرب الباردة وإغراق السوفيت فى سباق التسلح، وهما العنصران اللذان ظلا منذ الحرب العالمية الثانية فى تفاعل حتى قضيا على الاتحاد السوفيتى، وضمن المعسكر الأمريكى" عولمة متجددة خلال العقود التالية. لكن ها هو القرن العشرين ينتهى فى جو يذكرنا تماماً بالجو الذى ساد خلال عقد افتتاحه، بل ونتائج الحرب الثانية؛ أى بعولمة ليبرالية رافقتها ثورة تكنولوجية (ثانية) وتبلور الاحتكارات (أسلاف الشركات المتعدية الجنسية) واندماج النظم المالية فى سوق موحدة مفتوحة. بما يبدو أن الرأسمالية قد حققت ثباتا نهائياً خاصة مع تنازل الأحزاب العمالية عن مشروعها الاشتراكى الأصلى، كما أصبحت شعوب آسيا وأفريقيا لا ترى مستقبلا لها خارج اندماجها فى العولمة التى بدت لهم "دون بديل". لقد أنتجت الحرب العالمية الثانية؛ فالهزيمة المزدوجة للفاشستية والكولونيالية الظروف الملائمة التى قام على أساسها رواج العقود التالية من عام 1945 إلى عام 1980. فأتاح هذا التطور فى الغرب تنفيذ مشروع الدولة الاشتراكية الديموقراطية (دولة الرفاهية). ثم فتح بابا لتنمية حقيقية نسبياً فى الجنوب اعتمدت على استغلال المنافسة بين الغرب والشرق لصالح تدعيم استقلال "الدول النامية". فالرواج كان إذن ناتج تكيف رأس المال لمقتضيات العلاقات الاجتماعية التى فرضتها القوى الديموقراطية والشعبية والوطنية. وهذا الوضع هو تماماً عكس "التكيف" الذى يدعو إليه أصحاب النظام حالياً. ويقوم "النظام" الآن على تآكل تدريجى للتوازنات الاجتماعية التى سادت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى انهارت النظم القائمة على أساسها من دولة الرفاهية فى الغرب والاشتراكية السوفيتية وأنماط الوطنية الشعبوية فى الجنوب. فتجمعت خلال العقدين الأخيرين شروط العودة إلى تحكم رأس المال تحكماً أحادى الجوانب. ومرة أخرى فإن الاختلال فى توازن القوى قد رافقة دخول الرأسمالية فى أزمة هيكلية عميقة وتبلور ثورة تكنولوجية ثالثة وسيادة مقتضيات العولمة المالية، وهى جميعاً سمات شبيهة بما كانت عليه فى أوائل القرن. وفى هذا الإطار أنمت الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية استراتيجيات شاملة متماسكة تسعى إلى ضمان هيمنتها المطلقة على مشاركيها فى "الثالوث" (المكون كما هو معروف من الولايات المتحدة وكندا، أوروبا، اليابان)، من أجل فرض عولمة ليبرالية تحت قيادتها وجعل القرن الواحد والعشرين "قرنا أمريكيا". ويقوم هذا المشروع على دفع القوة العسكرية الأمريكية الفائقة فى مقدم المسرح، كما حدث من تشكيل الأحلاف العسكرية بعد الحرب الثانية اعترف بذلك هنرى كيسنجر فى قوله أن "ليست العولمة إلا كلمة أخرى ترادف هيمنة الولايات المتحدة". ولعبت حروب الخليج ثم كوسوفو دوراً حاسماً فى تقديم المشروع من خلال تسليم الدول الأوروبية للخطة الأمريكية التى صدق عليها حلف "ناتو" فى أواخر أبريل 1999. فطبقاً لهذه الخطة -التى يطلق النظام الأمريكى عليها اسم "نظرية كلنتون"- أعطى حلف ناتو لنفسه حق التدخل فى آسيا وأفريقيا. هكذا أصبح ناتو تحالفاً هجومياً فى خدمة المشروع الأمريكى. كما أن "ناتو" قد أعتق نفسه من الالتزام بموافقة الأمم المتحدة على مبادراته. هكذا صار حديث الإدارة الأمريكية عن الأمم المتحدة يلجأ إلى تعبيرات لا تقل قسوة فى احتقارها للمنظمة الدولية وللقانون الدولى عن خطاب الدول الفاشستية فى مواجهة رابطة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية. لن يكون القرن القادم أمريكياً. فلن تقبل الشعوب هذه الموجة المتجددة من التوسع الاستعمارى الذى يتجلى بالضرورة فى تحكم الشركات العملاقة المتعدية الجنسية وغزو موارد الكوكب واستغلال العمل المتافقم وإلغاء المطالب الديموقراطية باسم "سيادة آليات السوق". بل سنشاهد تصاعداً فى الصراعات الاجتماعية والوطنية من أجل إعادة بناء عالمية متعددة القطبية تتيح هوامش لتحرك الشعوب والطبقات الكادحة. علماً بأن رفض مشروع العولمة الليبرالية الأمريكية يكون نقطة الانطلاق فى سبيل تحقيق هذه الأهداف الإنسانية ويمكن القول أن بذور هذا التحرك قد بدأت فعلاً عقب الحرب الثانية. |
|
|