[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

الصراع الصهيونى/ العربى على ضوء المشروع الأمريكى للسيادة العالمية

 

 

د. سمير أمين

 

 

تسعى هذه المداخلة إلى توضيح الوضع العالمى الذى أحاط ولا يزال يحيط انتشار المشروع الصهيونى وتطور أشكال مقاومة الوطن العربى فى مواجهته، أملا فى أن يلقى هذا العرض التكميلى للمنهج المعمول به فى التحاليل الأكثر شيوعاً للصراع المذكور بعض الضوء على أسباب نجاح العدو وعدم فعالية المقاومة العربية حتى اليوم.

يقوم إذن المنهج الذى اقترحه هنا على قلب نظام التسلسل فى عرض الأمور. فالتحاليل الدارجة تنطلق بالنظر فى طبيعة المشروع الصهيونى (وهو مشروع استيطانى توسعى دون حدود محدودة) ودراسة الاستراتيجيات العربية فى مواجهته (سواء أكانت استراتيجيات عسكرية أم ساعية إلى "حل سلمى"). ثم ينظر إلى القوى الخارجية للمنطقة (الولايات المتحدة، أوروبا، الاتحاد السوفياتى سابقاً، كتلة عدم الانحياز، تركيا.. الخ) باعتبارها حليفة أحد الطرفين أو محايدة طبقاً لما تراه مصلحتها الدائمة أو الظرفية. ولا شك أن هذا الأسلوب قد ألهم عدداً من الدراسات القيمة التى أتت بثمارها حتى إننى لم أجد جديداً أستطيع أن أطرحه فى هذا الإطار. إلا أن هذا الأسلوب الطبيعى يوحى - ضمنا إن لم يكن صراحة- بتقدير ناقص ناقصا لعوامل التفاعل بين العام- أى الوضع العالمى- والخاص- أى الصراع المعنى هنا. لذلك رأيت من المفيد التركيز على ما يبدو لى السمات الرئيسة للوضع العالمى الذى حكم تطور جميع تجمعات الكون منذ عام 1945 إلى اليوم، ثم تموضع إشكالية الصراع العربى/الصهيونى فى هذا الإطار.

ويقوم عرض الأوضاع العالمية بدوره على محور بدا لى أساسياً ألا وهو مشروع السيادة العالمية الذى اتصفت به سياسة الولايات المتحدة منذ عام 1945. علماً بأن هذا المشروع قد مر بمراحل متتالية قبل وبعد سقوط الاتحاد السوفيتى، وأنه يمثل محور الصراعات الكبرى الراهنة والمستقبلية. وعلماً أيضاً أن لهذا المشروع أبعاداً عديدة متكاملة بعضها عسكرية (جيو استراتيجية) وسياسية (جيو سياسة) واقتصادية (العولمة الرأسمالية الليبرالية). ولئن كنت قد اخترت التركيز على البعد السياسى/ العسكرى فيرجع ذلك إلى اقتناعى أن العولمة الاقتصادية لن تكون دون سيادة سياسية للولايات المتحدة على المنظومة العالمية، وهو ما سأحاول أن أبينه فيما يلى:-

وطالما انحاز ميزان القوى عالمياً لصالح المشروع الأمريكى كان الأمل فى التوصل إلى "حل مقبول" فى فلسطين والشرق العربى لا أساس له. فالبديل إذن هو النضال من أجل مشروع عالمى آخر، سوف أسميه مشروع عولمة متعددة القطبية تتيح درجة من التنوع فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية وبالتالى تفتح مساحة للتحرك السياسى تضمن بدورها تقدم دمقرطة المجتمعات وتقدمها الاجتماعى حتى تنتج شروطا أفضل تتيح تخفيف حدة الصراعات فتخلق ظروفاً أكثر ملاءمة للتوصل إلى حل مقبول فى القضية المعنية هنا.

بالإيجاز أقول إذن إن مشاركة القوى الديموقراطية والتقدمية العربية فى تغيير الأوضاع عالمياً هى شرط قلب ميزان القوى فى الصراع الصهيونى/ العربى.

وعلى أساس هذه المبادئ سوف أتناول فيما يلى عرض مفهوم الهيمنة ثم خصوصيات المشروع الأمريكى وتطوره منذ عام 1945 والتناقضات التى يتعرض لها فى المرحلة الراهنة، الأمر الذى سيتيح تقدير نقاط قوته وضعفه وبالتالى رسم خطوط المواجهة المطلوبة من أجل التقدم نحو عالمية جديدة بديلة ومتعددة القطبية و "حل" مشكلة فلسطين والشرق العربى معا.

 

مفهوم الهيمنة ووضعها فى مسرة التاريخ الحديث

لقد عرف العالم دون شك هيمنة قوى أخرى قبل الهيمنة الأمريكية. كما أنه لابد من تدقيق أكثر لمفهوم الهيمنة نفسه وإعطائه تحديداً أكثر صرامة مما يجرى فى العادة. من جهتى، أعتقد أنه يجب التمييز بين المراحل السابقة على الرأسمالية وبين مرحلة عالمنا الرأسمالى المعاصر، ويجب بالتالى تجنب التعميم ما فوق التاريخى الذى يقع بالضرورة، وبحكم تعريفه نفسه، على مستوى من التجريد يرتفع حتى يخفى الخصوصيات الجوهرية ويصبح بالتالى عاجزاً عن تفسير التطورات الواقعية. ففى المراحل السابقة على الرأسمالية لم يكن هناك نظام اقتصادى ولا سياسى ولا ثقافى عالمى، هذا بينما الرأسمالية كانت تجنح منذ نشأتها إلى اقتحام العالم، والسبب ببساطة هو أن الانتقال من السيطرة السياسية الأيديولوجية الخاصة بالنظام الخراجى السابق إلى السيطرة الاقتصادية الخاصة بالرأسمالية يدشن تطوراً معدياً وسريعاً للقوى المنتجة (وبالتالى للوسائل العسكرية) لا سبيل إلى مقارنته مع التطور الذى شهدته الحقب السابقة. على أن الغزو الرأسمالى للعالم لا يتم بين ليلة وضحاها. والتوحيد الفعلى لكوكبنا تحت راياته هو عملية حديثة الإنجاز وما زالت مهددة بصورة مباشرة. وفى الواقع لا يمكن الحديث عن نظام رأسمالى عالمى قبل النصف الثانى من القرن التاسع عشر. أى فى حدود تاريخ انفتاح الصين عن طريق حرب الأفيون (1840) وانفتاح الإمبراطورية العثمانية فى نفس التاريخ تقريباً، والسيطرة على الهند بعد سحق انتفاضة السيباى (1857)، وبعد ذلك غزو أفريقيا جنوب الصحراء (بعد مؤتمر برلين 1885). فهذه كلها جعلت من الكرة الأرضية حقلاً لفعل قانون القيمة المعولمة. وما كاد النظام الرأسمالى العالمى يتشكل حتى أنفجر مع الثورة الروسية 1917 التى أحدثت فك ارتباط معه. ورغم أن فك الارتباط هذا، الذى شمل أوروبا الشرقية والصين بعد الحرب العالمية الثانية، هو الآن فى طور الزوال إلا أنه استمر ثمانين سنة، أى أكثر بكثير من مرحلة توحيد السوق العالمى الذى لم يعش أكثر من ثلاثين سنة عرف خلالها أزمات القوى الإمبريالية على أنواعها (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، الولايات المتحدة).

وإذا كان سقوط الاتحاد السوفياتى وتطور الصين يعد بنظام عالمى مندمج نسبياً فليس بالضرورة ألا يكون هذا النظام مهدداً من جديد بانفجار مباشر أو ألا يكون مسرحاً لأزمات المراكز الاقتصادية المتنافسة.

 

خصوصية الهيمنة الأمريكية الحديثة

فى مرحلة الرأسمالية الحديثة ذاتها تظل الهيمنة برأيى استثناء فى حين أن القاعدة هى التنافس بين المراكز. وتظل هذه الأخيرة هشة وغير مكتملة تماما،ً كما أن وحدة النظام الاقتصادى العالمى تظل الاستثناء فى حين أن انفجار النظام هو القاعدة. وسبب ذلك هو الطبيعة الاستقطابية التى تحملها الرأسمالية فى رحمها وتبقى عاجزة عن تجاوزها. هذه المقولة الجوهرية فى مقترحاتى النظرية المتعلقة بالرأسمالية تفسر الانفجار الذى عبر عن نفسه "بالثورات الاشتراكية"- انطلاقاً من رفض الشعوب المطّرفة الخضوع لمنطق التوسع الرأسمالى- والذى سيعبر عن نفسه غداً من جديد (فى الجنوب والشرق) إذا ما أعيد تشكيل النظام العالمى.

إن مسألة الهيمنة (الهيمنات) يجب أن يحدد موضعها فى هذا الإطار الذى يحدد مفاعيلها. اقتصرت الهيمنة الإنكليزية الأولى -فى القرن الثامن عشر- فى الواقع على السيطرة على العلاقات مع الأطراف فى تلك المرحلة (أمريكا والتجارة مع الشرق والهند). أما أوروبا فقد بقيت خارج حقل هذه الهيمنة. وحتى بعد هزيمة نابليون أعاد مؤتمر فيينا التأكيد على أن النظام الأوروبى يقوم على توازن القوى القارية (فرنسا وبروسيا والنمسا وروسيا). وكذلك حتى بعد تأكيد التفوق الإنكليزى الجديد صناعياً ومالياً. وبعد أن تحولت إنجلترا إلى سيدة للبحار، مسيطرة كذلك على مجمل النظام الذى بدأ يصبح عالمياً، يبقى أن هذه القوى ظلت محدودة على القارة الأوروبية باستقلالية الرأسماليات القومية وقواها العسكرية، ومحدودة فيما وراء المحيط بتشكل إمبراطوريات أو مناطق نفوذ أخرى. وحتى السيطرة على البحر وضعت بسرعة موضع التهديد بعد أن تم بناء أساطيل بحرية أخرى. المرحلة الثانية من الهيمنة البريطانية التى تؤرخ عادة بين 1815-1914 ليست من ذات الطبيعة التى تنسب إليها. لأنها لا تتجاوز ما يسميها الخبراء العسكريون فى لغتهم الدارجة "بالقوة البحرية" (أى السلطة على البحار) فإنجلترا لا تمتلك جيشاً مؤهلاً للتدخل فى القارة الأوروبية وهى لا تستطيع أن تبسط "قوتها البحرية" إلا فى المناطق الضعيفة ما وراء المحيط (غير مركزية رأسمالية) حيث يكون الجسم العسكرى الاستعمارى، المكون أساساً من الهنود، كافياً لأداء المهمة (تقريباً كما هى اليوم وضعية قوات التدخل السريع). ومن نافل القول أن نضيف إنه بعد سنة 1880 وفى مرحلة ما بين الحربيين العالميتين لم تعد إنكلترا تمارس أى هيمنة سياسية أو عسكرية وأخذت تفقد تدريجياً تفوقها الصناعى والمالى.

هل تختلف عن هذا الهيمنة الأمريكية الجديدة منذ سنة 1945؟ علماً بأن الهيمنة الأمريكية هى أول محاولة فى التاريخ تطّور طموحاً عالمياً شاملاً وتضع بصورة منهجية الأدوات اللازمة له.

أسجل أولاً ملاحظة أن هذه الهيمنة لم تطل حتى عام 1990 الكوكب كله إذ كانت، بداية، تطويقاً للكتلة الأورواسيوية "الشيوعية" التى أعلنت نفسها بدورها نظاماً بديلاً "اشتراكياً". والآن -بعد عودة الاتحاد السوفيتى السابق والصين إلى الاندماج فى المنظومة الرأسمالية العالمية- هل ستتمكن الولايات المتحدة من ضمهما إلى فلكها؟ لا اعتقد أن المسألة محسومة. بل الأرجح أنها ستصطدم مباشرة بموجة جديدة من القوى الدافعة خارج المركز (انتفاضات جديدة فى الجنوب والشرق) وبمنافسة متزايدة الاحتدام فيما بين المراكز. مع ذلك يبقى أن الهيمنة الأميركية، كانت ولا تزال أقوى وجوداً بما لا يقاس من سابقتها البريطانية الوحيدة.

هذا التفوق لا ينبع أساساً من الاقتصاد، ففى سنة 1945 كان التفوق الأمريكى ساحقاً بلا جدال. فالحرب نفسها التى دمرت أوروبا والاتحاد السوفيتى والصين واليابان، كانت فرصة مناسبة لتطور تكنولوجى مذهل فى الولايات المتحدة. ولكن خلال عقدين من الزمان استطاعت اليابان وأوروبا الغربية المتعافيتان أن تصبحا من جديد منافسين اقتصاديين وماليين جديدين. ولم يدم التفوق الأميركى فى هذه المجالات إلا فترة أقصر من زمن التفوق الإنكليزى فى القرن التاسع عشر. إلا أن العامل الجديد فعلياً فى ممارسة الهيمنة إنما يقع فى الميدان العسكرى. فمنذ اكتشاف السلاح النووى وتطور الطيران والصواريخ، لم يعد ممكناً مقارنة القدرة التدميرية لأى تدخل عسكرى يقوم به طرف متفوق على عدوه فى هذه المجالات بتلك القدرة المحدودة للأساطيل والمدافع التى طبعت الحرب حتى 1945. لم يعد هنالك مكان على الأرض فى منأى عن هذه القوة التدميرية. وفى هذا الميدان لم يقف فى وجه الولايات المتحدة -حتى سقوط الاتحاد السوفياتى- إلا منافس واحد هو الاتحاد السوفياتى نفسه. وربما تكون الولايات المتحدة الآن فى طور أن تصبح القوة العسكرية الوحيدة. فبعض الدول الأخرى يملك فى أحسن الأحوال قوة تصد محدودة لا تصل إلى مستوى الردع، وعلى العكس من إنكلترا، تمتلك الولايات المتحدة قوات عسكرية بإمكانها أن تستكمل "التدخل من بعيد" باحتلال فعلى إذا لزم الأمر. لا شك أن هذه الملاحظة بحاجة لبعض التدقيق: فى الميدان الأوروبى تتعزز فعالية هذه القوات، بنسبة كافية، بالجيوش الأوروبية (بريطانيا العظمى، فرنسا، ألمانيا، وكذلك أسبانيا وإيطاليا وغيرها) لدرجة يمكن معها ضمان الدفاع عن نفسه إذا كان ذلك على جدول الأعمال (ولكن الأمر لم يكن كذلك فى أى يوم ولم يكن لدى الاتحاد السوفياتى ولا لدى روسيا أى نية على الإطلاق لغزو أوروبا الغربية). فى الشرق الأقصى من الممكن إعادة بناء الجيش اليابانى سريعاً إذا اقتضت ذلك أى مواجهة مع الصين وفيتنام وكوريا. ولكن ماذا عن المناطق الأخرى؟ هل يمكن تصور أن الجيوش الأمريكية بوسعها أن تتورط فى عملية احتلال طويلة فى العالم الثالث (خارج "القواعد" المقبولة من جانب السلطات المحلية)؟.

هنالك حدود للهيمنة الأمريكية، حتى فى بعدها العسكرى. لا يمنع ذلك أن يكون لدى الولايات المتحدة تصور كوكبى لهيمنتها الشاملة، الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية. فهى القوة الوحيدة التى نظمت قيادتها العسكرية على مستوى الكرة الأرضية (محاصرة كتلة الاتحاد السوفياتى السابق- الصين) ولم يوجد مثل هذا الطموح فى الاتحاد السوفياتى، ولم يكن له وجود فى أى يوم. كل ما كان هنالك أنه أقام خططاً مضادة دفاعية اقتضت تطوير مواقع محددة خارج مداه.

 

مراحل تكوين وانتشار مشروع الهيمنة الأمريكية

أود أولاً أن ألفت النظر إلى ما يبدو لى الجذور البعيدة للمشروع الأمريكى الساعى إلى الهيمنة العالمية.

فقد أقيمت الولايات المتحدة منذ نشأتها على مشروع استيطانى توسعى على صعيد القارة، صار بالتدريج مشروعا يطال الكوكب بأجمعه ولعله من المفيد هنا ذكر- بالإيجاز- المراحل المتتالية التى مر بها المشروع، قبل دخوله فى المرحلة الراهنة بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، وهى موضع تساؤلاتنا الرئيسة فيما سيلى.

فلم تكن ما تسمى بالثورة الأمريكية ثورة اجتماعية بأى معنى من المعانى، إذ لم تقم على طلب تغيير - ولو طفيف- فى العلاقات الاجتماعية التى سادت فى ظل الحكم الكولونيالى البريطانى (بما فيه استغلال العبيد السود). بيد أن انتقال سلطة القرار السياسى إلى طبقة حاكمة محلية قد شجع طموحاتها التوسعية التى تمظهرت فى سلب فلوريدا ونصف المكسيك وفتح الغرب وإبادة السكان الأصليين الخ. وبعد أن تحققت إقامة هذه الدولة- القارة أخذت تفكر فى التوسع عبر المحيط الهادى فاحتلت من أجله جزر هاواى والفيلبين - كما أعلن مبدأ مونرو- منذ تاريخ باكر، عام 1823- احتكار الولايات المتحدة مجال السيطرة على القارة الأمريكية الجنوبية. ثم دخل المشروع الأمريكى فى طوره العالمى انطلاقا من الحرب العالمية الأولى، إذ يجب اعتبار الثلاثين عاما التى تمتد من عام 1914 إلى عام 1945 على أنها بالأساس مرحلة الصراع بين الولايات المتحدة وألمانيا من أجل الحلول محل الهيمنة البريطانية الآفلة. وانتهت المرحلة بانتصار الولايات المتحدة فإخضاع ألمانيا (وكذلك اليابان) ومعها أوروبا الغربية للخطة الأمريكية. على أن صمود "المعسكر الاشتراكى" قد وضع حدوداً لفعالية الخطة خلال العقود الأربعة التى تلت 1945. إلا أن سقوط الاتحاد السوفياتى قد فتح بالفعل مرحلة جديدة مما شجع واشنطن فى تنفيذ مشروعها الأصلى والدائم.

وسوف أعرض فيما بعد سمات المرحلة الراهنة ساعياً إلى بيان تلك التناقضات الجديدة التى تنتجها "العولمة الجديدة" المعنية، وبالتالى إبراز نقاط قوة وضعف الخطة الأمريكية.

ولكن وقبل ذلك سنقوم بمناقشة طبيعة ووسائل المنظومة العسكرية التى أقامتها الولايات المتحدة فى تلك المرحلة التى يطلق عليها عادة اسم مرحلة "الحرب الباردة" (1945/1990). فقد استغلت واشنطن خوف البورجوازيات الأوروبية - والأخرى- من "الخطر الشيوعى" (وهو فى واقع الأمر خطر داخلى مصدره تحركات الطبقات الشعبية أكثر منه خطراً "خارجياً") من أجل إقامة هذه المنظومة. على أن هذه البنية ظلت قائمة كما هى وذلك بالرغم من سقوط "العدو" الذى قيل إنها أقيمت من أجل "مواجهته"، الأمر الذى يقدم دليلا واضحاً على أن الهدف الحقيقى لم يكن "الدفاع عن العالم الحر" كما قيل فى الخطاب الأيديولوجى السائد لتلك الأيام، بل كان بكل بساطة زرع بذور هيمنة عالمية، وليس أقل.

وسوف يرى القارئ من العرض التحليلى التالى أن الهدف الرئيسى لم يتغير فظل هو هو سواء فى مرحلة الحرب الباردة أم فى المرحلة اللاحقة. فتسعى الجيو -سياسة الأمريكية منذ عام 1945 إلى الآن إلى تحقيق هدف مزدوج هو قمع (بالعنف إذا احتاج الأمر ذلك) أى محاولة لتنمية مستقلة (فى الجنوب والشرق الاشتراكى السابق، بل فى مجتمعات الغرب المتقدم أيضا) من جانب، ومنع تكوين منافس ("أوروبى" بالطبع) قد يفرض على واشنطن "المشاركة" فى السيادة العالمية من الجانب الآخر. وفى هذا الإطار تستخدم الولايات المتحدة حلف شمال الأطلنطى حتى تمنع التقارب بين أوروبا وروسيا، وهو أحد الشروط التى لا مفر منها لإقامة عولمة بديلة متعددة القطبية.

 

بنية المنظومة العسكرية الأمريكية

 

 

أقامت الولايات المتحدة منظومة عسكرية، فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، تطال الكوكب جميعاً ولا مثيل لها قبل ذلك فى التاريخ. وتتمظهر هذه المنظومة فى سلسلة من "القيادات العسكرية" الإقليمية، علما بأن الجيو -سياسة لدى القيادة العسكرية الأمريكية هى جيو- سياسة فعلية وليست جيو- استراتيجية وحسب. وأود أن أعبر بذلك عن أن المهمات الملقاة على عاتق القيادات الإقليمية المختلفة تتحدد فى ضوء الفهم الخاص للطبيعة السياسية للتهديدات المختلفة بدورها بين منطقة وأخرى.

فالقيادة المحلية Home- commandement  (الولايات المتحدة- كندا- المكسيك) وامتدادها باتجاه الكارايب وأمريكا الوسطى يجب أن تكون قادرة على التدخل الكثيف إذا اقتضى الأمر، لأن المحيط القريب من الولايات المتحدة (المكسيك، أمريكا الوسطى- والكارايب) يجب أن يبقى فى تبعية سياسية مطلقة تجاه واشنطن. من هذه الزواية يبدو أن التسامح مع وجود كوبا هو تسامح مؤقت بعد سقوط حاميها السوفيتى. والتدخلات فى غرانادا وبنما ونيكاراغوا تثبت حقيقة المفهوم الأمريكى "للأمن" فى هذه المنطقة، رغم أن الوسائل التى اقتضى استخدامها للتدخل فى هذه الحالات ظلت وسائل متواضعة. ولكن ماذا سيحدث لو أن الشعب المكسيكى نجح فى تهديد النظام الاجتماعى القائم فى بلده بصورة جذرية؟ هذا الاحتمال هو خارج التصور. فبالنسبة للمكسيك، كما بالنسبة لمجمل أمريكا الجنوبية، ترتكز الاستراتيجية الأمريكية على فرضية ثبات واستمرارية تحالفها مع الطبقات الحاكمة، وبالتالى فإن أى "ثورة" هى خارج الاحتمالات. لهذا السبب تبدو وسائل التدخل لدى القيادة الجنوبية South Command  المسؤولة عن أمريكا الجنوبية ضئيلة للغاية. إلا أن هذا لا يعنى أن الولايات المتحدة تستبعد أى تدخل فى القارة التى تعتبرها، منذ إعلان مبدأ مونرو (1823)، قارتها الخاصة. وعلى العكس يسمح الأمريكيون لأنفسهم بالتدخل الدائم فى السياسات المحلية. وتبدو لهم الوسائل "السياسية"- تنظيم انقلابات عسكرية، واغتيالات سياسية..- وسائل كافية. فحتى فى أيام حروب الأنصار الغيفارية فى الستينات والسبعينات (المستمرة فى البيرو حتى يومنا هذا) لم تكن الولايات المتحدة لتظهر قلقاً بالغاً. أما بشأن شكل السلطة الأنسب لممارسة سيطرتها فإنها لا تضع أى نسق قبلى صارم. فرغم الخطاب الراهن (الظرفى فقط ربما) المؤاتى "للديمقراطية" لم تعبر الولايات المتحدة عن ندمها بسبب الدعم الذى قدمته للديكتاتوريات العسكرية، تعطى الأفضلية للديمقراطية أو للديكتاتورية حسب قاعدة أيهما يخدم بصورة أفضل، فى الظرف القائم، مصالح توسع الرأسمال الأمريكى الشمالى إلى جنوب الحدود الأمريكية- المكسيكية. وتحتفظ الولايات المتحدة لنفسها فى حال الضرورة "بحق" التدخل العسكرى. لكنها لا تواجه إلا احتمال تدخل قصير (على طريقة بنما بواسطة قوات التدخل السريع). والحجة المخترعة حديثاً من أجل إضفاء الشرعية على التدخلات المحتملة فى المستقبل هى اليوم "النضال ضد تجارة المخدرات". كما لو أن هذه التجارة لم تكن تتغذى بالطلب الداخلى الأمريكى، وأن النضال ضد المخدرات يمكن أن يتم بفعالية بصورة أخرى عن طريق معركة داخلية ضد هذا المرض.

إن القيادة الأطلسية نفسها منقسمة بين الشمال الأطلسى والجنوب الأطلسى. المنطقة الأولى هى منطقة التمركز العسكرى الأقصى للولايات المتحدة، والتى تغطى عملياً أوروبا الغربية وامتداداتها فى المغرب وفى منطقة تركيا -إسرائيل- وسوريا/ لبنان. هنا واجهت الولايات المتحدة الوجود السوفيتى الكثيف المعزز بحلف وارسو قبل أن يحل نفسه فى أبريل 1991. والأداة الأمريكية هنا هى حلف شمال الأطلسى الذى يضع تحت القيادة الأمريكية الموحدة مجموع الجيوش المتحالفة، بما فى ذلك أسبانيا منذ  دخولها إلى الحلف سنة 1982. أما فرنسا التى خرجت شكلياً من هذه القيادة أثناء حكم ديغول فتبقى فى الواقع فى وضعية قليلة الاختلاف عن الآخرين. خاصة أنه منذ حرب الخليج (حيث وضعت القوات الفرنسية المشاركة تحت إمرة القيادة الأمريكية) يطرح السؤال حول عودة فرنسا إلى كل هيكليات الحلف الأطلسى. ومن المعروف أن مشروعية التحالف العسكرى الذى يمثله حلف شمال الأطلسى إنما استمدت من التهويل "بشبح" الشيوعية. لهذا الهدف جرت تعبئة الاستراتيجية الأيديولوجية للحرب الباردة. ولكن يجدر التذكير هنا بأن الولايات المتحدة هى التى أطلقت الحرب الباردة وليس ستالين كما حاولت الدعاية الغربية أن تقنع العالم به خلال فترة طويلة (وما زالت تحاول).

كيف تبدو الأمور اليوم؟ من الصعب أن تستمر القناعة بأن روسيا تمتلك نوايا عدوانية إزاء أوروبا الغربية. إلا أن مسألة حل حلف شمال الأطلسى ليست مطروحة على الإطلاق. على العكس من ذلك يجرى الإعداد لمنحه "وظائف" عسكرية وسياسية جديدة تمثلت فى ضم عدد من بلدان شرق أوروبا (بولندا والمجر وتشيكيا) فى الحلف نفسه.

وسنرى فيما بعد الأسباب التى تدفع الولايات المتحدة إلى هذا الخيار، والأسباب التى تدفع أوروبا إلى الالتحاق به. إن ضم المغرب والشرق الأدنى المتوسط (إسرائيل ولبنان) إلى المنطقة التابعة لهذه القيادة تذكر بالمهمة الأخرى لحلف شمال الأطلسى، المهمة التى طغى عليها الصمت تحت تبرير مشروعية هذه المنظمة بفعل "التهديد" السوفيتى وحده. إذ يتعزز الوجود الأمريكى فى إطار الحلف بقواعد قارية مهمة سنعود إلى الحديث عن مصيرها عندما سنناقش مسألة "المشاركة" (تقاسم العبء)، وفى هذا الإطار أيضاً يأخذ النقاش فى توسيع "القوة البحرية" وتعزيزها بقوة عسكرية قاربة كل أبعاده.

لا يوجد مثل هذا النقاش بشأن منطقة الأطلسى الجنوبية، العائدة إلى القيادة الأطلسية ذات الإمكانيات المتعلقة فقط بتقنيات "القوة البحرية". وتشمل منطقة القيادة أفريقيا جنوبى الصحراء، باستثناء القرن الأفريقى. إن الولايات المتحدة لم تطور قوة تدخل سريع لهذه المنطقة، نظراً لكونها تعتبر أن لا "خطر" جدياً يتوقع منها، مثلها فى ذلك مثل أمريكا الجنوبية. وقد اعتمدت الولايات المتحدة على حليفين اثنين للقيام بمهمات التصدى للخطر المحتمل: فرنسا وجنوب أفريقيا فى ظل نظام الأبرتهيد، وتندرج فى هذه الوظيفة تدخلات المظليين الفرنسيين لترتيب أوضاع بعض الدكتاتوريات هنا أو هناك (موبوتو مثلاً)، أو لصد "التوسعية العربية" (الليبية فى التشاد). وبدا فى الظاهر خلال سنوات 1975-1990 أن عملية تجذير أنظمة الحكم فى أنغولا وموزامبيق (وفى زمبابوى ومدغشقر، رغم أنها أكثر اعتدالاً) والدعم السوفيتى والكوبى الذى قدم لها، كانت أكثر خطورة. ولكن فى ذلك الوقت اكتفت الولايات المتحدة بتدخل جنوب أفريقيا. وأعطت عملية الخلخلة ثمارها بهذه الوسيلة، بحيث أن التطور المرتقب لأنظمة هذه البلدان لم يعد يثير القلق، بعد اتفاق نكومانى مع الموزمبيق ورحيل القوات الكوبية من أنغولا الذى أنجز سنة 1991. ولعل هذا الانتصار قد سمح للولايات المتحدة بإمكانية "التخلى" عن متطرفى العنصرية فى جنوب أفريقيا من أجل دعم تسوية نيوكولونيالية قادرة على ضبط المنطقة بمجملها. تغطى قيادة المحيط الهادئ أكبر وأهم مدى جغرافى وبشرى على الإطلاق. فهى لا تشتمل على المحيطين الهادئ والهندى وحسب، بل وما يحيط بهما من تجمعات بشرية وصناعية فى اليابان وكوريا وتايوان وجنوب شرقى آسيا واستراليا وشبه الجزيرة الهندية. ويعود هنا الجدال ثانية بشأن التعزيز المحتمل "للقوة البحرية" بقوى قارية. وتستطيع الولايات المتحدة أن تستند إلى استراليا ونيوزيلاندا، (إنكلترا الطرف الآخر من الخارطة)، الملتحقتين بها دونما شروط، مثل بلدها الأم، على الرغم من أنها لا تواجه تحدياً جدياً من أى طرف. وتستطيع الولايات المتحدة أن تستند أيضاً هنا إلى إخلاص اليابان (إلى متى؟) وكوريا وتايوان (مع ما جره الاعتراف ببكين من مشاكل) وحلف دول جنوب شرقى آسيا (الفيلبين وتايلاند ماليزيا وأندونيسيا)، وكل هذا مدعم بالقواعد الأمريكية القوية فى اوكيناوا والفيلبين وديبغو غارسيا،  وهذا الدعم اللوجستى للتدخلات يمكن أن يتم إما عن طريق الانتشار السريع أو فى إطار استراتيجية عسكرية أبعد مدى. فى هذه الشروط لا يشكل حياد الهند "ثغرة" مزعجة فى شبكة وسائل العمل الأميريكية. بالطبع لا يقل الوضع الجيو- سياسى لهذه المنطقة تعقيداً عن أوروبا، ولا يمكن اختزاله إلى رؤية وحيدة الجانب كما هو حال أمريكا الجنوبية أو أفريقيا السوداء. فاليابان هى المنافس الاقتصادى والمالى للولايات المتحدة، وهى قادرة فى لمحة بصر أن تعيد بناء ذاتها كقوة عسكرية. وهى أقامت لنفسها، فوق ذلك، منطقة نفوذها الخاصة فى جنوب شرقى آسيا. إلا أن الاستراتيجية السياسية الأمريكية تقوم على افتراض أن اليابان لا تمتلك خياراً بديلاً عن الخضوع للتحالف الأمريكى فى مواجهة كوريا والصين. وعلى الرغم من أن روسيا لم تعد تعتبر مصدراً لخطر حقيقى (فى هذا الإطار تكتسب مسألة جزر كوريل أهمية أكيدة)، وأن كوريا لا تحظى بأى تعاطف يابانى، وتبقى فوق ذلك منافساً محتملاً ولو من الدرجة الثانية، وأن الصين، القادرة دائماً على التقارب من موسكو، لن تقبل بهيمنة يابانية على المنطقة... فى هذه الشروط تعتقد الولايات المتحدة أنه باستطاعتها التدخل والاعتماد على الدعم اليابانى إذا طرأت "حاجة" لذلك أى إذا ما تطورت حالة ثورية فى جنوب شرقى آسيا. إلا أن نقطة ضعف الاستراتيجية الأمريكية هنا، التى هى أبرز من أى مكان آخر، تكمن فى الكتلة البشرية الضخمة التى يمكن أن تجندها الحركات الثورية: ففى الفيلبين، حيث تعطى الولايات المتحدة لنفسها "الحق" الدائم بالتدخل اكتفت حتى الآن بدعم النظم المحلية المتتالية ولكن ماذا سيحصل فيما لو انتفضت مثلاً شعوب إندونيسيا أو تايلاند أو الهند ضد النظام؟

تغطى القيادة المركزية منطقة بالغة الحساسية: الشرق الأوسط، وصولاً إلى الباكستان، ووداى النيل، والقرن الأفريقى. ولا شك أن مفهوم هذه القيادة قد أنتج وفقاً لرؤيا بحرية (البحر الأحمر والخليج المغلقان بالسويس وعدن وهرمز)،  كما أن تراكم المشاكل فى المنطقة يفرض تعاوناً وثيقاً مع القيادة الأوروبية، وبالتالى مع حلف الأطلسى، حيث تعود المرجعية الإسرائيلية. وقد أعلنت هذه المنطقة - مثلها مثل أميركا الوسطى والكارايب وأوروبا نفسها- منطقة "حيوية" للولايات المتحدة، بسبب ثرواتها النفطية الحيوية، وعدم استقرار أنظمتها، والحدة الكامنة للمشاعر القومية، العربية والإيرانية.

والحليف غير المشروط هنا هى إسرائيل التى ارتبطت مع الولايات المتحدة، منذ مطلع الثمانينات، بتحالف اندماجى متعدد الأبعاد. وكل الحلفاء الآخرين، حتى الأكثر خضوعاً تقليدياً، كالعربية السعودية، ليسوا أكثر من حلفاء ظرفيين (وستظل ذكرى سقوط الشاه، الذى اعتبر على عرش لا يتزعزع، محفورة فى الذاكرة طويلاً فى واشنطن). وقد أثبتت حرب الخليج أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام وسائل ضخمة فى هذه المنطقة.

 

تغليب النظرة الكونية على الانعزالية الأمريكية التقليدية

إن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية هى بالطبع فى خدمة سياسة لابد من تحديد طبيعة أهدافها بدقة. كما يجب رصد البعد الديناميكى لهذه الأهداف، نظراً لأن العالم يتغير وتتغير معه "المصالح الأمريكية". فوق ذلك فإن وعى هذه المصالح بذاته يختلف باختلاف الأوساط والتيارات الفكرية فى قلب النخبة السياسية القائدة.

والولايات المتحدة، كأى قوة هيمنة، تميل إلى الحفاظ على التوازن القائم. وهنا أيضاً يجب تحديد مضمون هذا التوازن وتكييفه رغم كل شىء للتحولات العالمية. والنخبة السياسية الأمريكية منحازة بمجملها فى هذا المجال إلى فكرة أن جوهر التوازن يقوم على ضمان "مناخ مؤاتِ للمبادرة الحرة" (المقصود طبعاً الأجنبية). وكما كانت بريطانيا العظمى تحدد فى زمنها النظام "الطبيعى" بحرية التجارة، تحدده الولايات المتحدة اليوم بحرية المؤسسة. هذه الحرية لم تكن توجد فى بلدان الشرق، من هنا وصفها "بالشيطانية" لأنها كانت تخرق هذا النظام "الطبيعى" بواسطة فك الارتباط الفعلى.

إن تباين الآراء فى داخل النخبة السياسية الأمريكية يقع فى المجال الذى تحدده قاعدة الإجماع المشترك هذه. وفى الأدبيات المبتذلة التى يروجها الإعلام تجرى عادة وبسهولة معارضة التيار "الانعزالى" فى الولايات المتحدة، المسمى تقليدياً، بذلك الادعاء الذى يتغذى من فكرة "الرسالة الكونية"، شبه الدينية، لدور أمريكا. الأمر هنا لا يتعدى اللغو، فلم تعد الولايات المتحدة انعزالية وليست مستعدة لأن تصبح كذلك، إنها، على العكس القوة الوحيدة التى ما برحت تعلن منذ سنة 1945 أن لديها مصالح فى العالم أجمع. والوعى الجديد للبعد البيئى الشامل لبعض المشاكل يستخدم من قبلها كتبرير إضافى لتأكيد رسالتها القاضية بأن تلعب دوراً بمستوى طاقاتها التكنولوجية والعسكرية (وهى فعلاً ذات مدى عالمى). من هذا المنطلق لا تجد النخبة الأمريكية القائدة فى تطور "الوعى الأخضر" عاملاً معرقلاً فى المدى الاستراتيجى. بالطبع لا يطرح لديها السؤال حول اعتبار الاستقطاب العالمى، أى البؤس المادى الذى تفرضه الرأسمالية بالضرورة على ثلاثة أرباع الإنسانية مصدر المشكلة الرئيسية فى عصرنا. ولا يتصور كذلك بأن ثلاثة أرباع الإنسانية هؤلاء مسموح لهم أن يستهلكوا ما يستهلكه الربع المتفوق المكون من الغربيين. إلى أين نحن سائرون؟ إلى أين يسير هذا الكوكب الأرضى؟

الجدل الأمريكى إذن أكثر تواضعاً. فالجميع مؤيدون للتدخل على مستوى عالمى، بعضهم يميل إلى التفرد والآخرون يميلون إلى الائتلاف، هذا إذا استعرنا اللغة الدارجة لخبراء السياسة الأمريكيين أنفسهم. هؤلاء وأولئك يتقاسمون وجهة النظر نفسها وهى أن الخطر الوحيد والحقيقى الذى قد يهدد الولايات المتحدة يرجع إلى كونها ليست بالضرورة فى مأمن من الأسلحة النووية التى تحملها صواريخ بعيدة المدى. فأمام هذا "الخطر" -الاحتمالى فقط- يعتقد الأولون، بشىء من القحة ربما، بأن الولايات المتحدة تستطيع ويجب أن تواجه وحدها التحدى، وأن "حماية" الأوروبيين واليابانيين ليست هاجسهم، لا بل يمكن التضحية بوجود أوروبا عند الحاجة من أجل تجنب دمار أمريكا الشمالية. والآخرون يعتقدون أن المجابهة تفرض التعبئة الإيجابية لأوروبا (واليابان كإضافة) إلى جانبهم. من هذه النقطة تبدأ الأمور فى اتخاذ منحى ضبابى. لأنه إذا كان لدى الأوروبيين ما يقدمونه فى الدفاع عن الغرب، أفلا يجب أن يقتسموا مع الولايات المتحدة الهيمنة المشتركة على الكوكب، وتحديداً على "متوحشى" العالم الثالث؟ يستعيد الخطاب الشمولى الأمريكى هنا مكانه.

ولكن ما إن يبدأ اعتبار الأطراف الأخرى فى بلدان الغرب المتقدم على أنهم شركاء لا حلفاء تابعين، وما إن تعتبر مصالحهم الخاصة مصالحاً مشروعة، حتى ننتقل من رؤيا مانوية جامدة إلى رؤيا استراتيجية ديناميكية يجب تكييفها مع تطور العالم. وإذا كان الحلفاء التابعون قد أصبحوا راشدين ومؤهلين لمنافسة الولايات المتحدة فى مجال حرية المؤسسة نفسه، أفلم يحن الوقت بعد لإعادة النظر بصيغ التحالف وأهداف التوازن القائم الذى يجرى الدفاع عنه؟ بموازاة هذا التطور الجارى منذ سنة 1945، والذى استطاعت أوروبا واليابان أن تصعد عبره المنحنى من جديد، اتخذ التحدى العسكرى السوفيتى مساراً مقلوباً صعوداً وهبوطاً. فبعد أن كان سنة 1945 دون مستوى الولايات المتحدة سرع الاتحاد السوفيتى إنتاجه النووى ودخل السباق العسكرى من أجل اللحاق بالأمريكيين. ولحق بهم فى سنوات الخمسين والستين، (وأقول بالتحديد اللحاق بأمريكا لا تأكيد التفوق عليها). وعقب صانع هذا اللحاق، ستالين، جاء خروشوف المنتفخ بالاكتفاء ليفتح الطريق على الطموحات "الإمبريالية الاجتماعية" لدى بريجنيف قبل أن تأتى الأحداث لتثبت أن الاتحاد السوفيتى سيسقط فى هذا السباق قبل الولايات المتحدة. وها قد وصلنا اليوم إلى لحظة تنفجر بالبداهة. لماذا لا تستعيد أزمة المصالح بين الولايات المتحدة من جهة، وأوروبا واليابان التى عززت وضعها الاقتصادى من جهة أخرى، وبعد أن ذهب التهديد العسكرى السوفيتى أدراج الرياح لماذا لا تستعيد أزمة المصالح تلك الأهمية التى لم يكن من الممكن أن تحملها فى المرحلة التى تلت الحرب العالمية الثانية؟

 

الجيو استراتيجية فى خدمة الجيو سياسة

 

تحدد استراتيجية الولايات المتحدة لنفسها هدفاً مركزياً أولياً هو منع الوحدة الأورآسيوية- ويعنى ذلك اليوم بصورة ملموسة التقارب الأوروبى الغربى الروسى والصينى. ذلك هو الكابوس. ولكن كيف يمكن منعه؟ 

لقد ورثت الولايات المتحدة فى هذا المجال مفهوماً إنكليزياً قديماً للجيوسياسة. فانكلترا كانت تعتبر وضعها كجزيرة كافياً لحمايتها طالما أن توازن القوى الأوروبى على القارة يعطل أية محاولة للسيطرة. والولايات المتحدة تنقل هذا النموذج وتوسعه على مدى الكرة الأرضية معتبرة أنه لا يمكن الدفاع عن "الجزيرة" الأمريكية إلا إذا بقيت أورآسيا منقسمة إلى أنظمة متنافسة. وظل خطر الكتلة الأورآسيوية مزاحاً مع وجود أنظمة اجتماعية فى أوروبا الغربية من جهة وفى الاتحاد السوفيتى والصين من جهة أخرى، تعتبر نفسها نقائض لبعض وتنفى بعضها بعضاً. كما أن القطيعة الصينية- السوفيتية فى الستينات أبعدت هذا الخطر. فى تلك المرحلة كانت الاستراتيجية السياسية (والعسكرية) للولايات المتحدة تقوم على هدف منع احتمال غزو أوروبا الغربية من جانب القوات السوفيتية. رغم أنه من الصعوبة بمكان تصديق أن الحكومات القائمة فى أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية كانت تخشى فعلاً من عدوان سوفيتى. وما يثبت عدم وجود مثل هذا الخوف هو أن خيار الحرب الباردة كان قد تقرر فى واشنطن (حتى ولو أن فكرة هذه الحرب قد خطرت أولاً لونستون تشرشل)- وذلك بعد الأشهر الأولى التى أعقبت انهيار النازية وعانت خلالها البرجوازيات المحلية، على الأقل فى فرنسا وإيطاليا، من حالة هلع فعلى. من هنا فإن أهداف هذه الاستراتيجية لم يجر التعبير عنها بوضوح إطلاقاً. هل الهدف هو "احتواء" الاتحاد السوفيتى فقط أم أن هناك استراتيجية هجومية (Roll Back)  تطمح إلى "تحرير" القارة الأوروبية من الرقابة السوفيتية، أو  حتى "إعادة" الرأسمالية إلى الاتحاد السوفيتى؟ الخيار الأول هو الذى كان ينتصر دائماً فى كل مرة تهدد فيها حالة متأزمة ما سلام أوروبا. ولم تفكر الولايات المتحدة ولا حلفاؤها بنجدة انتفاضات برلين وبولونيا والمجر فى الخمسينات وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968.

إن نجاح الاستراتيجية الأمريكية يعود إلى الالتباسات التى تنطوى عليها إذا ما نظر إليها من الجانب الأوروبى. ولا يستبعد هنا أن نتصور أن الأوروبيين يحنون، أكثر من الأمريكيين، إلى أوروبا الأمم القديمة (حتى ولو متخاصمة) المندمجة بقوة عبر اقتصاد مشترك (رأسمالى)، وعبر نظام الدول القائم منذ سنة 1648 والذى جرى تجديده عامى 1815 و  1919 (بعد القبول القسرى بخروج روسيا من النظام). على أن القوى الأوروبية القائدة كانت بحاجة للدعم الأمريكى من أجل إعادة بناء اقتصادها المدمر فى الحرب. لذلك استقبل مشروع مارشال بشكل إيجابى فى كل أوروبا فى تلك المرحلة. ولنلاحظ أن واشنطن هى التى فرضت آنذاك "تقارباً" أوروبياً خرجت بنتيجته إلى النور السوق المشتركة للفولاذ والفحم ثم السوق الأوروبية المشتركة. وجرى التوقيع على معاهدة روما سنة 1957 قبل أن تنضج فكرتها فى نفوس الجميع. وكان يجب أن يسمح الالتحاق بالاستراتيجية الأمريكية بإعادة بناء الجيوش الأوروبية وعصرنتها. وهو هدف طبيعى لدول كانت حتى ذلك الحين قوى عالمية. وامتد الالتباس أبعد من ذلك. فالقوى الاستعمارية الهرمة (إنكلترا وفرنسا، وبدرجة أقل بلجيكا وهولندا والبرتغال) أرادت أن تستغل التحالف مع الولايات المتحدة لتكسب، بالدرجة الأولى، دعمها فى محاولات استعادة إمبراطورياتها الآفلة. لكن موقف واشنطن ظل ملتبساً فى هذا المجال، ورفضت أن تتبنى بالكامل الحروب الاستعمارية التى اعتبرت حروباً خاسرة (فى إندونيسيا والهند الصينية وماليزيا، وفيما بعد فى الجزائر والكونغو البلجيكى وأخيراً فى المستعمرات البرتغالية فى أفريقيا). والموقف الحازم الذى اتخذه أيزنهاور سنة 1956 إزاء التحالف الثلاثى الفرنسى -الإنكليزى- الإسرائيلى خلال حرب السويس، والذى رضى حتى بمغامرة تسهيل الدخول السوفيتى إلى الشرق الأوسط (الأمر الذى استغله خروشوف بمهارة) يشهد على حدود التضامن الغربى. كانت الولايات المتحدة ترغب فى بناء عالم رأسمالى مندمج، يضم المستعمرات الأوروبية السابقة ولكنها كانت تريد أن تبسط هيمنتها بلا حدود على هذا العالم، لا أن يقاسمها إياها أوربيون ما زالوا يحتفظون ببعض وسائل هيمنتهم الخاصة هنا أو هناك.

وظل حلف شمالى الأطلسى، الذى شكل قاطرة التحالف الأمريكى -الأوروبى، مسرح أزمة داخلية للمفاهيم الأمريكية لم تحسم إطلاقاً. وفى الواقع فإن إعادة بناء جيوش أوروبية قوية (بما فيها ألمانيا) وحضور قوات أمريكية تشكل عقبة فى سبيل احتمال تكوين كتلة أوروبية من الأطلسى حتى فلاديفوستوك، ومن نافلة القول أن احتمال قيام هذه الكتلة، أياً كان شكلها، معناه ظهور مجمع صناعى، مالى، عسكرى يتمتع بثروات طبيعية غزيرة، يصبح من المستحيل معه التفكير فى قدرة الهيمنة الأمريكية على الاستمرار. هذا الكابوس يسكن جميع الأنفس فى واشنطن.

وأعتقد أن قرار حرب الخليج قد اتخذ فى واشنطن بكل حرية بوصفه إحدى الوسائل المزمع استخدامها لمنع هذه "الكتلة الأوروبية": وذلك عن طريق إضعاف أوروبا (عبر السيطرة الأمريكية المنفردة على النفط)، وإبراز هشاشة البناء الأوروبى السياسى نفسه (عبر إبراز اختلاف وجهات النظر فيه)، وتحييد موسكو (التى أجبرت على الالتحاق بواشنطن بسبب ضعف أوروبا، فى حين أنها كانت ستقف- على الأرجح وربما بالتأكيد- إلى جانبها فيما لو اتخذت موقفاً مستقلاً عن واشنطن)، وأخيراً عن طريق استبدال الفزاعة القديمة المستهلكة، الخطر الشيوعى، بتهويل جديد هو الخطر "القادم من الجنوب".

وقد شجعت حرب الخليج الولايات المتحدة على القيام بخطوة إضافية واسعة فى تنفيذ خطتها من خلال استغلال المشاكل التى رتبها تفكك يوغسلافيا. فسوف نرى فيما بعد كيف أن حروب البوسنة ثم كوسوفو قد أعطت لواشنطن فرصة ذهبية للتدخل المباشر فى شؤون القارة الأوروبية قد يؤدى بدوره إلى أفول المشروع الأوروبى نفسه وتكريس التناقضات داخله، فإفشاله وإخضاعه للخطة الأمريكية.

على المدى القريب، أعطت الهجمة الأمريكية المضادة النتائج التى كانت تتوخاها واشنطن. فقد أزيح خطر كتلة أوروبية – روسية، وأوروبا نفسها تعلن انقساماتها الداخلية أكثر من أى وقت مضى. إذ سمحت حرب الخليج لبريطانيا العظمى أن تؤكد مجدداً على خيارها الأساسى والمبدئى الذى التزمته سنة 1945، أى أن تكون حليفاً مخلصاً وبلا شروط للولايات المتحدة فى كل المناسبات. ولا يفاجئ أحداً قبول بريطانيا العظمى أن تكون الولاية الثالثة والخمسين فى الشمال الأمريكى. على أى حال، فإن الولايات المتحدة لا تعامل بريطانيا فى هذا التحالف كما كان يمكن لها أن تعامل أى بلد آخر، وإنما تعاملها بوصفها الوطن الأم الأصلى للثقافة واللغة الإنكليزيتين. هذا البعد الثقافى، الذى كثيراً ما يجرى نسيانه فى التحليل السياسى، يجب أن يؤخذ فى الاعتبار جدياً. من جهتى أعتقد أن قوة هذا البعد تنبع من وجود فعلى "لكتلة لغوية إنكليزية"، نواتها الصلبة هى الولايات المتحدة طبعاً، ولكن مجرتها تشتمل على إنكلترا، وكندا (ناقصة كيبيك)، واستراليا، ونيوزيلندا. وهى كتلة تنتهج منذ الحرب العالمية الثانية سلوكاً يعطى أكثر فأكثر الأولوية للالتحاق بواشنطن على كل ما عداه من اعتبارات. أما المانيا، من جهتها، فقد أفاقت من الخدر السياسى الذى حبسها فيه انهيار الحلم الهتلرى. وهى تستعيد، منذ توحدها مجدداً سنة 1989، موقعها وطموحها بوصفها "وسط أوروبا". وصوتها المنخفض خلال أزمة الخليج لم يكن علامة ضعف بل علامة قوة. إنها تبدو ملتحقة بواشنطن، ولكنها لا تفعل ذلك إلا من أجل أن يتسنى لها تركيز توسعها الخاص فى أوروبا الوسطى، بدءاً بهضم ألمانيا الديمقراطية سابقاً فيما عينها على بولونيا وتشيكيا والمجر (النمسا أصبحت عملياً فى ظلها، ووراء النمسا تتراءى كرواتيا وسلوفينيا). هذا الخيار يعنى أنها فقدت المصلحة القوية فى لعب "الورقة الأوروبية". لن تعلن ذلك حتماً ولن تخرج قطعاً من السوق الأوروبية المشتركة مثلاً. لكنها تسخر من كل هذا. فهى تمضى فى طريقها مع "أوروبا" أو من دونها. فرنسا تجد نفسها فجأة معزولة فى رغبتها فى "بناء أوروبا" منفردة. فبعد أن تخلت عن المفهوم الديغولى "لأوروبا من الأطلسى حتى الأورال" لتلتحق، خلال رئاسة جيسكار ديستان وميتران، بالسياسة الأطلسية الصرفة، لم تعد فرنسا تملك من الوسائل ما يجعلها "ثقلاً" فى الاستراتيجية العالمية.

اورآسيا، التى اقترح غورباتشوف تسميتها فى هذا الظرف "بالبيت الأوروبى المشترك"، ليست على جدول الأعمال. ولا يزال أمام الهيمنة الأمريكية أيام عمر مشرقة. خاصة وأن "الكتل" الإقليمية القادرة على تهديدها ليست على جدول الأعمال هى الأخرى. على الورق يمكن تصور أى شىء والاستسلام لتمرينات عابثة فى السيناريوهات: كتلة روسية - صينية يعاد تشكيلها؟ وكتلة يابانية – صينية - شرق آسيوية وجنوب شرق آسيوية يمكن أن تمتد حتى الهند؟ فى الواقع تقوم أمام هذه الكتل صعوبات كبيرة لدرجة تجعل من تشكلها مسألة غير واقعية الآن. و"الجزيرة" الأمريكية ماضية فى التمتع بتوازن القوى فى الجزء الشرقى من الكرة (أوروبا المقسمة روسيا الصين، اليابان، الهند).

 

مكانة العالم الثالث فى المشروع الأمريكى

 

تستوجب الهيمنة الأمريكية بالضرورة أن تمارس الولايات المتحدة سيطرتها على مجمل العالم الثالث. ولا شك أن أزمة شرق -غرب قد غطت جزئياً، خلال أربعين سنة تلك الأزمة الجوهرية التى تدفع شعوب العالم الثالث إلى الانتفاض باستمرار ضد عملية التطريف التى تفرضها الرأسمالية، وإلى أن يدخل بالتالى فى أزمة مع المراكز وبالدرجة الأولى مع القوة المهيمنة. يبقى أن الاتحاد السوفيتى كان يشكل التحدى العسكرى الوحيد للولايات المتحدة. وفوق ذلك بدا أن "الاشتراكية القائمة فعلياً"- أياً كان محتواها الاجتماعى الفعلى والحدود التى أوصلتها إلى الانهيار- قد قدمت بديلاً حقيقياً لشعوب العالم الثالث. فالدعم السياسى (وأحياناً العسكرى) الذى قدمته موسكو لحركات التحرير الوطنى كان يعزز هذه القناعة. فى حين أن كل المراكز الرأسمالية المتطورة تشكل، بالنسبة لشعوب العالم الثالث، خصوماً "طبيعيين". والتنافس الذى تمارسه هذه المراكز فيما بينها فى السوق العالمية لا يلغى تحالفها المركزى ضد كل انتفاضة "خطيرة" لشعوب الأطراف، لأن مثل هذه الانتفاضات تضع النظام الرأسمالى فى موضع التساؤل. وهنا لا بد من القول بأن التناقض شرق -غرب كان يجر الغرب الأوروبى واليابان وراء الولايات المتحدة.

والعالم الثالث، بالنسبة للولايات المتحدة، هو فعلاً "منطقة عواصف". وهى بالطبع ليست عواصف دائمة، وإنما انفجارات متلازمة مع الزمن. لكنها تهدد بصورة دائمة هذا النظام الرأسمالى الذى تعتبر الولايات المتحدة نفسها ضمانته وحاميته الأعلى. إن أوروبا واليابان هما بالتأكيد حليفان أساسيان يتشاطران الهاجس نفسه فى حماية النظام الرأسمالى. وتناقضهما مع الولايات المتحدة يظل محصوراً فى الحدود الضيقة للمنافسة التجارية. على العكس من ذلك ترتدى أزمات الشمال -الجنوب دائماً بعداً سياسياً، عاصفاً فى أغلب الأحيان. لذلك من الصعب إحصاء تدخلات واشنطن فى العالم الثالث. لا توجد منطقة واحدة أو حتى بلد واحد فى أمريكا وأفريقيا وآسيا لم تتدخل فيه الولايات المتحدة، بالزعزعة والانقلاب والضغوط الاقتصادية والمالية (التى تمارس عبر المؤسسات الدولية التى تقودها مثل: البنك الدولى وصندوق النقد الدولى)، والتدخل العسكرى المباشر وغير المباشر. ولم تتجرأ حتى الآن أوروبا واليابان إلى درجة اتخاذ موقف واحد واضح ضد هذه التدخلات بل كانتا، دائماً تقريباً، فى موقع الشريك ولم تستخدما أصواتهما فى البنك الدولى وصندوق النقد الدولى ولا مرة واحدة للاعتراض على إرادة واشنطن. أكثر من ذلك تم إلحاق سياسة السوق الأوروبية المشتركة فى أفريقيا بسياسة هذه المؤسسات. ويزعم، مع ذلك، أن العالم الثالث يهمش أكثر فأكثر فى النظام العالمى، إن بوصفه مصدراً للمواد الأولية أو سوقاً للاستيراد من المراكز ولتوظيف رساميلها. لا شك أن تطور التقنيات، من جهة، وأهمية الموارد المنجمية فى أمريكا الشمالية واستراليا، من جهة ثانية، قلصت مؤقتاً دور منتجات العالم الثالث. ولكن لا يمكن أن يستنتج من ذلك أن العالم الثالث قد أصبح "هامشياً". هذه المقولة الدارجة اليوم هى، ببساطة، مقولة خاطئة. أولاً لأن الانحسار الجزئى لمساهمة العالم الثالث يعود إلى حالة الركود الظرفية، المستمرة منذ 1970. ولكن يفترض أن تعود هذه المساهمة إلى احتلال موقع حاسم فى فرضية التوسع الجديد وطويل الأمد. وإذا لم يكن هناك خوف من خطر عوز كبير فى حال حصول أزمات محلية - بفضل الاحتياطات الاستراتيجية الهائلة التى تختزنها الولايات المتحدة من ضمن جملة أسباب أخرى - فلا يمكن التأكيد بإمكانية الإبقاء على هذا الوضع فى حال انطلاق عملية توسع جديد. والأرجح هو أن التسابق على المواد الأولية سيستعيد كل حدته. خاصة وأن هذه الموارد تتناقص بشكل خطير، لا بسبب "السرطان" المتفشى لعملية التبذير والهدر الملازمة للاستهلاك الغربى وحسب، بل وكذلك بسبب تطور التصنيع الجديد فى الأطراف. ما زالت الأزمات الناجمة عن التسابق للحصول على هذه الموارد بعيدة جداً عن أن تفقد مبررات وجودها.

وعلى مستوى السيطرة الشاملة على موارد الأرض تتمتع الولايات المتحدة بأفضلية حاسمة على أوروبا واليابان. ليس فقط لأن الولايات المتحدة هى القوة العسكرية العالمية الوحيدة، كما رأينا، وبالتالى لا يمكن من دونها قيادة أى تدخل كثيف فى العالم الثالث. وإنما لأن أوروبا (من دون الاتحاد السوفيتى السابق) واليابان محرومتان من الموارد الضرورية لبقاء اقتصادهما. فتبعيتهما، مثلاً، فى ميدان الطاقة، وبالتحديد تبعيتهما النفطية إزاء الخليج تظل مسألة مهمة، حتى ولو كانت أهميتها تميل إلى التدنى نسبياً. وقد أثبتت الولايات المتحدة عندما استولت عسكرياً على وسائل التحكم بهذه المنطقة عن طريق حرب الخليج، أنها مدركة تماماً لفائدة هذه الوسيلة من الضغط المتوفرة لديها إزاء حلفائها- منافسيها. والسلطة السوفيتية من جانبها، كانت تدرك هذا الانكشاف الأوروبى واليابانى، ومن غير المستبعد أن تكون بعض التدخلات السوفيتية فى العالم الثالث قد استهدفت- كما أشرت فى كتابات سابقة- تذكير أوروبا واليابان بهشاشتهما،  ودفعهما بالتالى إلى المفاوضات حول مسائل أخرى. بالطبع يمكن تغطية الحاجات التى تنقص أوروبا واليابان من ضمن فرضية التقارب الجدى بين أوروبا وروسيا ("البيت المشترك"). وهذا هو السبب الذى يجعل الولايات المتحدة تعيش خطر هذا المشروع وكأنه كابوس.

إن الخيار الاستراتيجى الأمريكى الذى يركز، بعكس المقالات الصحفية الدارجة، على الأهمية الحيوية للمحافظة على "مناخ سياسى ملائم للمبادرة الحرة" فى العالم الثالث وتعزيزه، إنما يعكس وعياً حاداً بكون العالم الثالث أبعد ما يكون عن الهامشية. بل، على العكس، كلما تضاءلت حدة الأزمة بين الشرق والغرب (على الأقل ببعدها العسكرى ومخاطره)، وطالما أن أزمة الغرب الداخلية تدار بوسائط التنافس الاقتصادى وحدها ولا تهدد بالتمادى فى اتجاه اشتباكات سياسية عنيفة (أو عسكرية، كما كان عليه الحال فى كل تاريخ الرأسمالية حتى سنة 1945)، فستظل الأزمة بين الولايات المتحدة والعالم الثالث هى الأزمة الأولى. والتحولات الحتمية فى هذا المجال ستزيد مخاطر دوافع المواجهة، ليس فقط بسبب تصنيع العالم الثالث، بل وكذلك بسبب أن بعض القوى المتوسطة يمكن أن تصبح "خطيرة" من الناحية العسكرية، بمعنى أن تصبح قادرة على تهديد طرق الاتصالات البحرية والجوية التى تؤمن الهيمنة العالمية للولايات المتحدة. ويبدو أن العراق كان فى هذه النقطة. ويبدو كذلك أن هذه الحجة قد أقنعت البنتاغون، قبل غزو الكويت فى 2 أغسطس سنة 1990، بضرورة تدمير الطاقة العسكرية والصناعية لهذا البلد. ماذا ستفعل الولايات المتحدة فى المستقبل تجاه إيران مثلاً أو تجاه بلدان عديدة أخرى من العالم الثالث تحتل موقعاً مشابهاً؟.

حتماً التهديد هنا ليس على المدى القصير. وتحديداً لأن الهيمنة الأمريكية، ومن ورائها هيمنة مجمل المراكز الرأسمالية، تفعل فعلها عن طريق التحالفات الاجتماعية والسياسية مع الطبقات القائدة فى السلطة فى العالم الثالث. هذه الكمبرادورية السياسية تبدو، فى الظرف الحالى، شبه عامة، والبلدان التى تقاومها تعد على الأصابع (كوبا، فيتنام).

فى إطار رؤيتها الواسعة، تعتبر الولايات المتحدة أن أمريكا اللاتينية بالإجمال لن تضع النظام العالمى موضع التساؤل، لأن الطبقات البرجوازية المحلية القائدة تملك ما يكفى من القوة لاحتواء الانفجارات الشعبية المحتملة، وتملك أيضاً إحساساً حاداً بمصلحتها المشتركة مع الرأسمالية المسيطرة عالمياً. إن هشاشة هذه البرجوازية فى أمريكا الوسطى (نيكاراغوا والسلفادور وبنما)، وفى الكارايب (جامايكا وترينيداد)، كما فى حالة كوبا، ليست إلا استثناءات تؤكد القاعدة العامة الصالحة على ما يبدو للبلدان الكبرى على الأقل (المكسيك، البرازيل، الأرجنتين، تشيلى)، والصالحة ربما أيضاً لمناطق الانديز على الرغم من عدم استقرارها الظاهر (كولومبيا، بوليفيا، وعلى الأخص البيرو). ويجب أن يسجل فى هذا الإطار أن عصابات الأنصار الغيفارية لم تغير، فى ذلك الزمان، هذا الحكم والتقدير الاستراتيجى الأمريكى.

كذلك تعتبر الولايات المتحدة أن دول أفريقيا جنوبى الصحراء هى من الضعف بحيث أنها تعجز عن بلوغ مستوى "القوى المتوسطة" الخطيرة، رغم عدم استقرار هذه الدول. ولا يبدو أن التقدير الأمريكى بشأن جنوب أفريقيا بعد النظام العنصرى قد غير رؤيتها العامة للمنطقة.

نقيضاً لذلك، تعتبر البلدان العربية وإيران قوى خطيرة "إلزامياً"، بسبب حدة المشاعر الشعبية - رغم صداقتها للغرب- الأمر الذى يجبرها إما على خطاب قومى بلاغى أو على تحولات ذات طبيعة ديماغوجية يصعب احتواؤها. وحدها الأنظمة المتخلفة فى شبه الجزيرة العربية (السعودية والكويت والإمارات) تستثنى من هذه القاعدة. وأذكر بأن سقوط شاه إيران يظل درساً بليغاً محفوراً فى الذاكرة السياسية الأمريكية، وهذه القناعة الأمريكية (والغربية) بشأن الدول العربية وإيران ليست نتاجاً مصطنعاً لأنها تعكس حقيقة واقعية. ولا شك أن الصهيونية تستغل هذه الحالة فى العمق لتحاول أن تخلق مناخاً من العداء الفعلى لدى الغرب تجاه العرب والمسلمين عموماً.

أما بالنسبة للشعوب "الشرقية" الأخرى، فى الهند وجنوب شرقى آسيا، فإن الولايات المتحدة تبقى "حذرة ومتشككة"، رغم أن البرجوازيات المحلية تبدو هنا متحكمة بالأوضاع على المدى المتوسط، رغم الفشل فى سيريلانكا الذى أسلمها إلى الحرب الأهلية، ورغم الحركات الاستقلالية الصاعدة فى الهند (قضية السيخ معبرة هنا).

على أن انفجار الأزمة المالية فى جنوب شرق آسيا عام 1997 قد أضاف مصدراً إضافياً إلى قلق واشنطن، فهذه الأزمة كشفت هشاشة النجاح الاقتصادى فى إطار الرأسمالية الطرفية حتى اهتزت نظم الحكم التى أخذت تفقد مشروعيتها القائمة سابقاً على هذا النجاح المحدود والمزيف.

إن أهمية العالم الثالث فى استراتيجية الهيمنة الأمريكية هى منبع التفكير العسكرى الدائم فى "وسائل التدخل المناسبة". وتمتلك الولايات المتحدة اليوم تجربة طويلة عمرها 40 سنة من التدخلات المستمرة متعددة الأشكال. ونتائج هذه التدخلات مختلطة. فكلما كان التدخل يرتدى صيغة انقلاب أو عملية عسكرية سريعة ضد بلد صغير كانت النتيجة نجاحاً لا جدال حوله. ولائحة الانقلابات لا تحصى (منذ إعادة الشاه إلى إيران سنة 1952 وقلب نظام أربنز فى غواتيمالا سنة 1954) ويمكن التذكير بعملية غرانادا (1988) وبنما (1989) بين آخر التدخلات العسكرية من النوع المشار إليه. وكان نجاح الانقلابات العسكرية يزداد سهولة، إما بسبب كون بعض ضحاياه من الأنظمة يفتقر إلى دعم شعبى حقيقى، أو لأن النظام المخلوع قد استهلك نفسه بعد أن استهلك الطاقة الشعبوية التى استند إليها (إندونيسيا 1966، غانا 1966، مصر 1970 الخ..) وأثبتت حرب الخليج أنها مكلفة مالياً طالما أن الأزمة تظل محصورة فى أطر الحرب "الكلاسيكية" (جيش ضد جيش من دون تعبئة شعبية فى المعركة). بعكس ذلك كانت نتائج التدخلات تسفر عن مساواة عندما كانت الأزمة تندرج فى إطار المجابهة بين الشرق والغرب. هنا تبدو الحرب الكورية نموذجية. يبقى أن التدخل لم يكن يعطى الولايات المتحدة نتائج لامعة كلما كانت السلطة الضحية للعدوان الأمريكى (أو الغربى عموماً) تتمتع بمشروعية قومية وشعبية. ذلك هو بالطبع نموذج فيتنام الذى دفع بعمق الوعى الأمريكى وشاع تحت اسم "العرض الفيتنامى "Syndrome du Vietnam" . "لقد تخلصنا أخيراً من العقدة الفيتنامية"، هكذا أعلن بوش فى أول كلام له بعد انتصاره ضد العراق. وتلك أيضاً حالة كوبا (الانسحاب المزرى فى خليج الخنازير سنة 1961)، وعملية السفارة الأمريكية فـى إيـران (1982)، وحال التدخل فى لبنان فى السنة ذاتها. والأمر كذلك، إلى حد ما، فى نيكاراغوا والسلفادور وأنغولا وموزامبيق، رغم هزيمة الساندينيين فى الانتخابات، وحالة التآكل فى الحركة الشعبية لتحرير أنغولا وفريليمو فى موزمبيق. لأن هؤلاء الأعداء - كما تصفهم واشنطن- لم يهزموا نهائياً بعد، ولم يحصل خصومهم الرجعيون العاملون لحساب الولايات المتحدة على حد أدنى من المشروعية.

ليست الولايات المتحدة قوة لا تهزم إذن، ومقاومة شعوب العالم الثالث لهيمنتها هى "عقب أخيلها".

إن التفكير العسكرى فى الولايات المتحدة ما زال منشغلاً بمسألة لا حل لها فى الحقيقة بالنسبة للإمبريالية، وهى: كيف يمكن النضال الفعال ضد انتفاضة شعوب الأطراف فى وجه نظام لا يمكن لها أن تقلبه ويبدو أن دروس الهزائم، بالدرجة الأولى فى فيتنام وفى أماكن أخرى كذلك، قد أقنعت الاستراتيجيين السياسيين بأن الخيار الأفضل هو خيار الضرب بسرعة قبل أن يتبلور بديل شعبى. الظرف السياسى والأيديولوجى الراهن ليس مهدداً. فحالة الإنهاك التى يعيشها التيار الشعبوى الجذرى الذى نما فى الستينات، وانهيار "الاشتراكية القائمة فعلياً" لم تخل المكان لبديل وطنى شعبى جديد يستجيب لتحديات زماننا، بل على العكس فتحت الطريق لحركات ماضوية (الأصوليات الدينية والعنصريات الإثنية الخ) تضعف طاقات شعوب العالم الثالث التى تشكل أكثرية البشر. من هنا الانطباع "بهامشية" الدور التاريخى لهذه الشعوب، الذى يفيض من الأيديولوجيات المعادية للعالم الثالث. وذلك هو السبب الذى دفع البنتاغون إلى إشهار نظريته المسماة "الأزمات ذات التوتر المنخفض". المطلوب إذن استمرار حالة الضعف الراهنة فى العالم الثالث عن طريق تشجيع الحركات الماضوية المشار إليها وتغذية الأزمات الإقليمية التى قد تنجر إليها بلدانه فى سبيل "ترك الأوضاع تتعفن" أطول مدة ممكنة. من هنا يمكن فهم مناورات العربية السعودية -الحليف المخلص لواشنطن- فى تمويل الحركات الإسلامية التى تقدمها وسائل الإعلام الغربية بوصفها خصماً "أساسياً" للغرب، وتشجيع الغرب الذى دعم حرب العراق ضد إيران يندرج هو أيضاً فى هذه الزاوية. وقد وضعت استراتيجية إدارة الأزمات ذات التوتر المنخفض من أجل زعزعة الأنظمة التقدمية - بدرجات مختلفة طبعاً- فى نيكاراغوا وأنغولا وموزمبيق وأثيوبيا. الوسيلة هنا تمثلت فى دعم خصوم هذه الأنظمة، الكونترا والاونيتا والرينامو والانفصاليين الارتريين والتيغرى. ويجب الاعتراف بأن هذه الاستراتيجية قد أعطت نتائجها. وهى قادرة على إعطاء المزيد طالما ظلت القوى الوطنية الشعبية "معطوبة" بعدم دقة مشروعها الخاص وتشوهها الأيديولوجى. ولكن ما الذى سيحصل إذا ما جرى تجاوز لهذه الحدود، خاصة إذا حصل هذا فى بلد كبير؟.

 حتى الآن البنتاغون لم يضع تصوراً تقنياً لاحتمال التدخل العسكرى طويل الأمد إلا تجاه بلدين: المكسيك والفيليبين. خارجهما يبدو أن شبح "الحرب القذرة"، غير المقبولة سياسياً يشل القرار الأمريكى. يبقى أن نشير إلى أن الحرب التقليدية -كتلك فى الخليج- لم تعد تعتبر "أزمة ذات توتر منخفض"، وتثبت أن باستطاعة الولايات المتحدة أن تخرج بسهولة من حدود التخطيط الذى يتجه تفكيرها العسكرى فى وجهته. هذا الخيار يهدد بالانزلاق سريعاً نحو المجزرة، وكما أظهرت حرب الخليج فإن هاجس تجنيب الجيوش الأمريكية المواجهات الأرضية يقود بصورة مستقيمة إلى مفهوم للحرب يفترض التدمير الكامل للبلد الخصم ولشعبه حتى ولو كان هذا عاجزاً عن تهديد الأمن الأمريكى. يجرى الانتقال من توازن الرعب الذى أسسه الردع النووى نحوالتعبئة المنهجية للاتوازن. ويخطىء من يقلل فى العالم الثالث من أهمية الخطر أو من يستبعد خيار المجزرة. فتاريخ الغرب قدم نماذج كثيرة منها. وأضيف بأن هناك مجموعات "لوبى" قوية تنشط فى الولايات المتحدة فى صالح خيار "الحروب التقليدية" وتدافع من أجل التخلى عما تعتبره وهم إدارة حروب "ذات توتر منخفض". إن المصالح الاقتصادية والمالية للمجمع العسكرى الصناعى بحاجة إلى أن يعطى التسلح المعقد الأولوية، فى حين أن الحرب الخفيضة التوتر تستوجب إعادة بناء قوى عسكرية بسيطة.

على كل حال، طالما أن الأزمات فى العالم الثالث هى على ما هى عليه، تزعزع ولكن لا تهدد فعلياً، فإن الهيمنة الأمريكية لا تشعر من جانبها بخطر جذرى يتهددها. وكما يقول خبراء السياسة الأمريكيون: "اللانظام مزعج ولكنه لا يشكل تهديداً".

 

فشل استراتيجية الاتحاد السوفيتى السابق فى مواجهة المشروع الأمريكى

 

إن التلبك وعدم اليقين الذى يطبع الخيارات الاستراتيجية، السياسية والعسكرية، للولايات المتحدة تجاه العالم الثالث تعيدنا إلى الجدل الدائم فى قلب النخبة الأمريكية القائدة بين مؤيدين للخيار المسمى "بالبحرى" والخيار المسمى "بالائتلافى". وكما رأينا فإن هذا التمايز لا يفصل التيارين إلى ما يسمى بتسرع "انعزاليين" و "كونيين". لأن كلا الطرفين يقعان ضمن سياسة الهيمنة العالية. لكن التيار الأول يظن بأن السيطرة على البحار والأجواء كافية لتأمين هذه الهيمنة وإزالة خطر التمرد عليها، إن عن طريق انتفاض بلدان العالم الثالث أو عبر الخصم الكونى الوحيد (الاتحاد السوفيتى فى تلك الأيام).

ومسألة دور الحلفاء فى التحالفات التى نسجتها الولايات المتحدة من أجل ضمان هيمنتها العالمية تُطرح بصيغ مختلفة بشدة حسب ما إذا كانوا حلفاء غربيين "أوروبيين ويابانيين" أو أنظمة من العالم الثالث. الحلفاء الغربيون أساسيون وثابتون. والحق يقال: لم يكن من الممكن أن تبسط الهيمنة الأمريكية دون موافقة هؤلاء. فالتهديد السوفيتى المزعوم شكل مبرراً لهذا التحالف -التحالف الأطلسى (الحلف) والمعاهدة الأمريكية اليابانية. وفى الحقيقة فإن هذا التهديد لم يوجد فى أى يوم من الأيام فعلياً، ففى سنة 1945 كان ستالين قد تخلى منذ زمن طويل عن محاولات تصدير الثورة خارج القطاع الدفاعى - وفق المفاهيم الاستراتيجية لتلك المرحلة- أى أوروبا الشرقية. وبالمناسبة فقد جرت مناقشة هذه المسألة وقبولها من جانب الشركاء الغربيين فى مالطا. ولم تخطر فى بال الاتحاد السوفيتى ولا مرة فكرة "غزو" أوروبا الغربية أو اليابان. وكما نعلم اليوم فإن واشنطن هى التى وضعت استراتيجية الحرب الباردة.

الاستراتيجية الستالينية السوفيتية ظلت دفاعية بدقة، وخليفته بريجينيف (بعد خروتشوف الانتقالى) تابع هذا الخط العام رغم أن الاتحاد السوفيتى كان قد أنجز اللحاق بالولايات المتحدة فى سباق التسلح النووى والبالستيكى، فقط فى السبعينات وبثمن اختناق تطوره الاقتصادى. وظل هذا الخيار يطمح إلى نفس الهدف، أى فصل أوروبا عن السياسة الأطلسية من أجل كسر الهيمنة الأمريكية، على الرغم من أن سياسة بريجنيف قد لعبت فى مواجهة التحالف الأطلسى، الذى لم يتزعزع رغم كل شىء، ورقة "الضغط" على أوروبا عن طريق بناء تحالفات عسكرية مع بعض بلدان العالم الثالث، كتذكير الأوروبيين "بانكشافهم" طالما أن إمداداتهم من نفط الشرق الأوسط يمكن أن تقطع يوماً. بعد فشل ابتسامات خروتشوف كان لا بد من الاستمرار فى هذا الطريق. إلا أن هذا الخيار لم يقترح على الإطلاق أكثر من ذلك، ولم يقترح على الأخص إلحاق أوروبا الغربية بامبراطورية الكرملين. ولا مفر من الاعتراف بأن هذا الهدف لم يتم بلوغه. والمحاولتان السوفيتيتان -بالابتسامة وبالعصا- فشلتا كلاهما وظلت الأطلسية الأوروبية ثابتة لا تتزعزع. يبقى أنه من المفيد طرح السؤال حول معرفة أسباب استمرار الأطلسية رغم كل العواصف، وأسباب استمرارها الآن على الرغم من سقوط الاتحاد السوفيتى.

إن التحالف الأمريكى الأوروبى اليابانى الذى يشكل القاعدة الأساسية للهيمنة العالمية للولايات المتحدة سيدوم بقدر ما تدوم الخلفيات المعادية لموسكو عند حلفاء واشنطن التابعين. "والكتلة الاوروآسيوية" (أوروبا وروسيا والصين) هى فى الحقيقة الكابوس الأمريكى الدائم. وقد أدركت الولايات المتحدة بذكاء أن تخلى روسيا عن البلاغة "الاشتراكية" لا بد أن يؤدى إلى تآكل هذه الخلفية طبيعياً مع الزمن. وبالتالى فلا بد من استبدالها بمشروعية أخرى للتحالف، وجدتها أمريكا فى التهديد الذى يمثله العالم الثالث ومقولات "الديمقراطية" و "حقوق الأقليات" الخ.. من ضمن عملية التلاعب بصيغها، وتؤدى هذه الوظيفة بنجاح، حتى الآن على الاقل فيما يبدو. التحالف الأساسى، الأمريكى، الأوروبى -اليابانى، يستوجب استراتيجية "ائتلافية"، ويهمش النظريات "البحرية".

والخبراء يبررون هذا الخيار بالتذكير بدروس التاريخ. فالهيمنة الإنكليزية العالمية كانت، بمفاهيمها الأساسية، بحرية، وتشمئز من فكرة تدخل الجيش الإنكليزى فى القارة الأوروبية، مكتفية بإدارة هذه الأخيرة بوسائل دبلوماسية ("التوازن الأوروبى"). وقد أثبت التاريخ لاحقاً أن هذه الاستراتيجية لم تعط النتائج المرجوة إلا فى حال استتباب التوازن الأوروبى. وما إن كان باستطاعة جيش الإمبراطورية الألمانية أن يهدد روسيا وفرنسا حتى اختل التوازن وكان على حرب 1914- 1918 أن تثبت أن نظرية الإنكليز البحرية، "بريطانيا تحكم البحار"، قد فقدت أهليتها. على أن هذه الحجج- التى كانت مقبولة- لم تكن حاسمة برأيى. فجهد أوروبا الغربية، التى تحن إلى ماضيها، والتى تمسكت بإعادة بناء جيوش عصرية بعد سنة 1945، ساهم فى فرض هذه الاستراتيجية الائتلافية. وتعاقب فى بذل هذا الجهد كل من فرنسا وبريطانيا العظمى، ثم ألمانيا الغربية بعد أن تحررت "من عقدة هزيمتها".

الاتحاد السوفيتى، من جهته، "تكيف" بصورة ثابتة مع هذه التحولات فى السياسة الأطلسية. واكتفى فى مرحلة أولى -فى زمان ستالين- بحالة انكفاء، مركزاً جهده على تقديم جواب نووى/ جديد فى فنه العسكرى. وأعتقد، فى مرحلة لاحقة، أن باستطاعته تحدى قوة الهيمنة الأمريكية عن طريق انتشار عسكرى شامل، معزز ببعض التحالفات الهشة هنا أو هناك، حيث سمحت الأوضاع، فى العالم الثالث. وبدل إقناع أوروبا بعبثية نهجها الأطلسى سهل خيار العسكريين السوفيت هذا تأييد صورة الخطر لديها.

على المستوى الداخلى للتحالف اقتضى هذا الخيار الائتلافى تقديم جواب لمسألة "المشاركة" حسب التعبير الدارج- أى "اقتسام عبء" الدفاع. وهو، ولو كان متخيلاً، يستوجب مساهمة مالية من قبل الحلفاء. وقد طلبت هذه المشاركة رسمياً فى مناسبات عديدة، ولكن على مستوى الخطاب فقط. إلا أنها طلبت فعلياً، بمال حقيقى رنان، للمرة الأولى بمناسبة حرب الخليج. وتلك واقعة مهمة يستشف منها علاقة ضعف فى الموقف الأمريكى، ضحية الأزمة العامة. ولكن يمكن أن يُرى فيها أيضاً علامة استغلال ذكى للأطلسية الأوروبية المجتمعة مجدداً ضد خصم محتمل من العالم الثالث، ولا شك أن حروب يوغسلافيا ستؤدى بدورها إلى مزيد من التنازع حول توزيع المسئوليات المالية لتغطية نفقاتها البالغة.

إن مشكلة الاستراتيجية السياسية -العسكرية لدعم الهيمنة الأمريكية فى مواجهة بلدان العالم الثالث تطرح بصورة مختلفة. فالنهج الأمريكى هنا "بحرى" أكثر مما هو "ائتلافى". ولا شك أن الامتدادات المقاربة للقوى العسكرية الحليفة للولايات المتحدة هى موجودة، وأحيانأً تكون مهمة على مستوى رسمى، حيث إن حكومات العديد من هذه البلدان تشكل حلفاء مخلصين وتحصل، بهذه الصفة، على مساعدات فى مجال التسلح. إلا أن هناك حدوداً تقلص آفاق ودور هذه الامتدادات، والاستثناءات هنا هى إسرائيل وتركيا واستراليا ونيوزيلاندا. وهذه سنعود إليها لاحقاً. أول هذه الحدود تشكله هشاشة كل الأنظمة فى العالم الثالث وعدم استقرارها. مرة أخرى أشير إلى أن مثال انهيار نظام الشاه فى إيران، أحد أقوى القوى العسكرية فى الشرق الأوسط، لا يزال يسكن عقول استراتيجيى البنتاغون. الحد الثانى تشكله النزاعات الإقليمية التى تميل الحكومات إلى إعطائها الأولوية لأسباب عديدة منها: توقع خطر حقيقى قد يشكله أحد الجيران، أو إرث من المطالب الحدودية غير المتفق عليها، أو ديماغوجية قومية بسيطة وصرفة تهدف إلى تعويض الفشل فى التنمية على حساب التكيف لمقتضيات منطق المشروع الأمريكى، والإشكال الهندى -الباكستانى يقدم نموذجاً معبراً عن هذا النوع من الحالات. فالدعم الأمريكى للأنظمة العسكرية المتعاقبة على الباكستان لم يتضاءل مرة بل شكل عاملاً مهماً من عوامل التدخل الغربى فى أفغانستان. ولكنه لم يمنع الباكستان من رفض المشاركة فى الحصار المضروب على الصين، حتى قبل زمن التقارب بين واشنطن وبكين ابتداء من السبعينات. هنا كانت الباكستان تعطى الأولوية لأزمتها مع الهند التى كانت بدورها خصماً للصين بسبب التيبت والحدود فى الهملايا. والحد الثالث والأساسى هو أن الرأى فى العالم الثالث قد فرض على العموم "حياداً" نشيطاً نسبياً وحقيقياً فى الأزمة بين الشرق والغرب. ومنذ مؤتمر باندونغ سنة 1995 اتخذت دول آسيا وأفريقيا فى هذا المجال موقفاً مبدئياً لم يتغير تقريباً. ومشاريع حصار الاتحاد السوفيتى والصين عبر سلسلة من المعاهدات والأحلاف العسكرية الإقليمية كامتداد للأطلسى -السانتو فى الشرق الأوسط (بأشكاله المتعددة من حلف بغداد إلى البيان الثلاثى سنة 1950 الخ) وآسيان فى جنوب شرقى آسيا- لم تعط كل الثمار المرجوة التى انتظرتها واشنطن. بعضها جرى التخلى عنه ببساطة، وتحديداً المشاريع المتعلقة بالشرق الأوسط (على الأقل لفترة معينة لأنها استعادت بعد حرب الخليج مكانتها فى سياق مشاريع الاستراتيجية السياسية العسكرية الأمريكية). كذلك اضطر الأمريكيون إلى القبول بالحياد الهندى. البعض الآخر -آسيان مثلاً- لم يبلغ كامل الأهداف التى أرادتها واشنطن.

الاستراتيجية السياسية -العسكرية للولايات المتحدة فى العالم الثالث تظل مبنية على وجودها البحرى الكثيف والمتحرك، والمدعوم بشبكة قواعد بعيدة عن المناطق الكثيفة السكان، مثل قاعدة دييغو غارسبا. وكما رأينا، فإن هذه الاستراتيجية، الفعالة فى فرضية "التدخل السريع" (كما أثبتت حرب الخليج)، لن تكون بالضرورة على مستوى ما يتطلبه تدخل قد يطول كثيراً. ومنذ حرب الخليج يتحول البنتاغون فى هذا الميدان نحو مفهوم للمجزرة عن طريق القصف الكثيف من دون تدخل على الأرض.

 

مكانة منطقة الشرق الأوسط فى المشروع الأمريكى

 

يشكل الجنوب العربى- الإيرانى "المنطقة الأولى" فى طرف النظام الرأسمالى. وهى "أولى" بمعنى أنها المنطقة الوحيدة المتاخمة مباشرة للشمال فى الجزء الشرقى من الكرة الأرضية. (المكسيك وجزر الكاريبى وحدها لها موقع مماثل فى الجزء الغربى من الكرة بمحاذاة كتلة الولايات المتحدة- كندا). اليابان مثله مثل استراليا يقع، على عكس ذلك، فى منطقة يبدو معها وكأنه هو المعزول. منطقتنا تتاخم أوروبا على مسافة تقل عن عشرين كيلو متراً فى جبل طارق وأقل من ساعة طيران من تونس. وتتاخم روسيا عبر الامتداد الحدودى مع القوقاز وآسيا الوسطى. وهى "أولى" أيضاً بمعنى أن نفطها حيوى لأوروبا واليابان.

إن هذا الموقع الجغرافى الخاص يفرض النظر فى مواقف أوروبا والدول المكونة لها فى مواجهة جنوبها المتوسطى والعربى. حتى سنة 1945 كان للقوى الأوروبية المختلفة سياساتها المتوسطية الخاصة بها. وغالباً ما كانت سياسات خلافية. بعد الحرب العاليمة الثانية لم يعد لبلدان أوروبا الغربية سياسة متوسطية خاصة بكل منها، ولا مشتركة بينها، سوى تلك التى يفرضها الالتحاق أو الانحياز للولايات المتحدة. يبقى، مع ذلك أن بريطانيا وفرنسا اللتين تمتعتا بمواقع استعمارية فى المنطقة، قادتا معارك خلفية من أجل الحفاظ على امتيازاتهما. بريطانيا العظمى امتنعت منذ سنة 1954 عن مثل هذه المعارك حول مصر والسودان، وبعد فشل مغامرة العدوان الثلاثى سنة 1956 تخلت عن نفوذها الخاص فى المنطقة بما فى ذلك بلدان الخليج الساحلية. أما فرنسا التى خرجت من بلاد الشام منذ 1945 ورضيت باستقلال الجزائر سنة 1962 فما تزال تحتفظ بحنين ما إلى نفوذها فى المغرب ولبنان، تشجعها على ذلك الطبقات القائدة على الأقل فى المغرب وتونس ولبنان.

وبموازاة ذلك لم يحل البناء الأوروبى سياسة مشتركة محل انسحاب القوى الاستعمارية. ونتذكر أنه لدى إعادة تقويم أسعار النفط، بعد الحرب العربية - الإسرائيلية سنة 1973 اكتشفت أوروبا المجتمعة من جديد أن لها "مصالح" فى المنطقة. إلا أن هذا الاستيقاظ لم يتمخض عن مبادرة مهمة ما من جانبها، مثلاً مبادرة بشأن المشكلة الفلسطينية. لقد ظلت أوروبا، فى هذا المجال كما فى مجالات أخرى عديدة، مهذبة وضعيفة الثبات. إلا أنه قد تحققت مع ذلك بعض الخطوات إلى الأمام فى اتجاه استقلالية ما إزاء الولايات المتحدة، خلال السبعينات، توجت فى قمة البندقية سنة 1980. إلا أن هذه لم تتثبت لا بل أخذت فى التآكل خلال الثمانينات، وما لبثت أن زالت مع سياسة الالتحاق بواشنطن التى اتبعت خلال أزمة الخليج. كذلك فإن المفاهيم الأوروبية المتعلقة بمستقبل علاقات أوروبا مع العالمين العربى والإيرانى يجب أن تدرس انطلاقاً من تحليلات محددة خاصة بكل دولة أوروبية.

لم يعد لبريطانيا العظمى سياسة متوسطية أو عربية خاصة بها فى هذا المجال، كما فى المجالات الأخرى. أخذ المجتمع الإنجليزى بكل تعبيراته السياسية (المحافظين والعمال) خيار الانحياز غير المشروط للولايات المتحدة. والمسألة هنا تتعلق بخيار تاريخى رئيسى يتجاوز بعيداً الحالات الظرفية. وهو يفترض فى النهاية تشكيل كتلة من الشعوب الناطقة بالإنكليزية (الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا) التى تتشاطر بلا تحفظ الانتماء إلى قيم الرأسمالية والديمقراطية البرجوازية الملازمة له، ويشعرون فوق ذلك بتضامن عميق فى مواجهة كل الثقافات البشرية الأخرى. وكان ديغول السياسى الأوروبى الوحيد الذى فهم أن هذا الخيار الرئيسى لا يمكن أن يلائم مشروعاً أوروبياً مستقلاً، لذلك لم يعد يبحث عن انضمام إنكلترا رسمياً إلى هذا المشروع. إلا أن الأمر لم يكن كذلك، وهو ما أظهرته حرب الخليج بامتياز. اليوم تعزز مشاركة بريطانيا فى المؤسسات الأوروبية خضوع أوروبا لمتطلبات الاستراتيجية الأمريكية.

أما ألمانيا فلا تملك سياسة عربية ومتوسطية أفضل من سابقتها لأسباب مختلفة. ولعلها لا تبحث عن تطوير سياسة كهذه فى المستقبل المنظور. فالضعف الذى كانت تستشعره نتيجة انقسامها ووضعيتها دفعها لتكريس كل جهودها من أجل التطور الاقتصادى، قابلة فى الوقت نفسه بموقع سياسى منخفض وفى ظل ملتبس للولايات المتحدة والسوق الأوروبية المشتركة فى آن معاً. والوحدة الألمانية الحديثة واستعادتها لسيادتها الدولية الكاملة لن تؤديان إلى تعديل هذا السلوك، بل على العكس إلى إظهار تعبيراته بصورة أكثر بروزاً. والسبب هو أن الامتصاص الاقتصادى والاجتماعى لألمانيا الديمقراطية سابقاً سيظل الهدف الأول للجهود الألمانية خلال السنوات القادمة. وفوق ذلك فقد اختارت القوى السياسى المهيمنة (المحافظون، الليبراليون والاشتراكية الديمقراطية) أن تعطى الأولوية لتوسع الرأسمالية الألمانية فى أوروبا الوسطى والشرقية. وبالتالى فهى تقلص الأهمية النسبية لأية استراتيجية أوروبية مشتركة على المستوى السياسى كما على مستوى الاندماج الاقتصادى.

المواقف الفرنسية أكثر تميزاً وأقل حسماً. ففرنسا هى فى نفس الوقت بلد أطلسى ومتوسطى، وهى وريث لإمبراطورية استعمارية وأحد المنتصرين فى الحرب العالمية الثانية، ولم تكف عن اعتبار نفسها قوة كبيرة رغم أن الواقع الاقتصادى والمالى لا يؤمن لها فعلياً هذه الوضعية.

وقد حاولت الحكومات الفرنسية المتعاقبة فى العقد الأول بعد الحرب أن تحتفظ بالمواقع الاستعمارية لبلدها وتحديداً فى أفريقيا الشمالية وأفريقيا جنوبى الصحراء، وكذلك فى الهند الصينية، عن طريق مزايدة أطلسية معادية للشيوعية وللسوفيت. إلا أنها مع ذلك لم تحصل على دعم صادق من واشنطن، كما أظهر ذلك الموقف الأمريكى خلال العدوان الثلاثى ضد مصر 1956. كانت السياسة المتوسطية والعربية لفرنسا، بحكم الوقائع ذاتها سياسة تراجعية.

ديغول، من جهته تخلص من هذه الأوهام الاستعمارية والأمريكية التوجه فى آن معاً، وصاغ مشروعاً طموحاً، مثلث الأبعاد، قوامه عصرنة الاقتصاد الفرنسى،وقيادة نهج استبدال الأشكال القديمة المتخلفة للاستعمار باستعمار جديد مرن، وأخيراً تغطية نقاط الضعف الملازمة لأى بلد متوسط مثل فرنسا بالاندماج الأوروبى. وفى هذا الخيار الأخير فهم ديغول أوروبا بوصفها قادرة على تحقيق استقلاليتها إزاء الولايات المتحدة ليس فقط على المستوى الاقتصادى والمالى، بل وكذلك السياسى والعسكرى فى نهاية المطاف. كما أدرك إمكانية انضمام الاتحاد السوفيتى إلى البناء الأوروبى (أوروبا من الأطلسى إلى الأورال). وكان ديغول يستشف - ببعد نظر أكيد- التليين التدريجى للنظام السوفيتى - "التقاء النظامين"- ولم يكن يبدو مقتنعاً بأن تصوير الاتحاد السوفيتى شيطاناً هو أمر شريف وحسن النية، بل رأى فيه وسيلة تؤكد الولايات المتحدة من خلالها هيمنتها وإلحاق أوروبا الغربية المرعوبة بها، هذا المفهوم الجيوستراتيجى للبناء الأور آسيوى فى مواجهة القارة الأمريكية الشمالية الذى لم يكن ليعجب واشنطن حتماً، كان يفرض اتباع سياسة عربية من قبل فرنسا متميزة عن المنطق العسكرى البحت لدور منطقة المتوسط -الخليج فى استراتيجية حلف شمالى الأطلسى، ومتمايزة تجاه إسرائيل، الأداة الأمريكية فى إطار هذه الاستراتيجية العسكرية.

إلا أن الديغولية لم تستمر بعد مؤسسها وعادت القوى السياسية الفرنسية، إن فى اليمين الكلاسيكى والتيارات التى تدعى الديغولية، أو فى اليسار الاشتراكى وريث الانحياز للأطلسية والصهيونية، تدريجياً إلى المواقع السابقة على أزمة سنة 1958 وضاقت رؤيتهم للبناء الأوروبى إلى حدود "السوق المشتركة"، والمواجهة الفرنسية الألمانية (لدرجة الشعور بالمفاجأة والقلق فى باريس عندما تحققت الوحدة الألمانية) وأخيراً الدعوة الملحة لبريطانيا للإنضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة (متناسين أن انكلترا ستكون حصان طراودة للأمريكيين فى أوروبا).

ومن الطبيعى أن يؤدى هذا الانزلاق إلى تخلى فرنسا عن أى سياسة عربية جديرة بهذا الاسم أى التخلى عن أية سياسة تتجاوز الدفاع البسيط عن المصالح الاستعمارية الجديدة المباشرة فى أفريقيا الشمالية وجنوبى الصحراء، حتى ولو غطيت بخطاب ثقافى عن "الفرنكوفونية". على المستوى السياسى تتصرف فرنسا فى العالم العربى كما فى أفريقيا جنوب الصحراء وكأنها قوة مساندة إضافية لاستراتيجية الهيمنة الأمريكية. وفى هذا الإطار تحديداً يجب إعادة وضع الخطاب الفرنسى المتوسطى الجديد الهادف إلى إلحاق دول المغرب بالقاطرة الأوروبية (على طريقة إلحاق تركيا)، بشكل يقطع الطريق على التقارب الوحدوى العربى، فى حين يترك المشرق للتدخل الإسرائيلى الأمريكى. ولا شك أن الطبقات المغربية القائدة مسؤولة عن التعاطف الذى تبديه إزاء هذه المشروع. إلا أن أزمة الخليج قد وجهت ضربة جدية للمشروع وأكدت الجماهير الشعبية فى أفريقيا الشمالية قوة عروبتها وتضامنها مع المشرق، كما كان متوقعاً منها.

ولن أتناول هنا دراسة مواقف الدول الأوروبية الأخرى، مثل إيطاليا وأسبانيا واليونان، التى قدمت تحليلاً لها فى مكان آخر ومن زاوية استراتيجية وسياسة المشروع الأمريكى ليست المنطقة مرادفاً للوطن العربى، بل تضم مجموع العالم العربى وبلدان الحوض الأعلى للنيل والقرن الأفريقى (أثيوبيا والصومال وكينيا وأوغندا)، وبلدان شواطىء الخليج وبحر عمان (إيران، أفغانستان، وباكستان). بوصفها مركز الإنتاج النفطى الحيوى لبقاء الغرب والجناح الجنوبى لأوروبا وروسيا وقلب العالم الإسلامى، وبؤرة الشعور القومى العربى، فإن هذه المنطقة تعتبر أساسية فى استراتيجية الهيمنة الأميريكية كما رأينا فى الأقسام السابقة. حتى الآن كانت أوروبا تدعم مفهوم الولايات المتحدة هذا وتنحاز إلى استراتيجيتها وحتى إلى تكتيكها، وبعد حرب الخليج تعزز هذا أكثر من أى يوم مضى. وكانت القوى الغربية تصطدم فى هذه المنطقة بالدعم الذى كان الاتحاد السوفيتى يقدمه للحركات القومية الجذرية حتى لحظة انهياره التى برزت جلية فى حرب الخليج.

ومن وجهة نظر الجنوب، فإن جيوستراتيجية الهيمنة الأمريكية مرفوضة من قبل شعوب المنطقة وحركاتها السياسية الجذرية التى تعبر عن التطلع إلى الاستقلال والتطور.

إلا أن دول العالم الثالث لم يكن لديها الاتساق الاجتماعى والأيديولوجى ولا الثبات السياسى الكافى ولا القدرة الاقتصادية العسكرية التى تؤهلها لمواجهة هذه الاستراتيجية باستراتيجية استقلالية خاصة تمتلك رؤيتها الخاصة بتنظيم العالم. والطبقات القائدة التى تحتكر السلطة فى معظم هذه الدول تتخذ غالباً مواقف كمبرادورية، بل وتمارس مشاركة فاعلة فى إلحاق شعوبها. وقد حاولت الأنظمة القومية الراديكالية التى وصلت إلى سدة المسؤولية فى السلطة هنا أو هناك أن تصد الهيمنة الأمريكية الأوروبية. وكانت أحياناً تنجح فى ذلك. إلا أن هذا النجاح كان يقع فى حدود لا تكفى لجعل الغرب يقبل نهائياً باستقلال المنطقة. ويبدو مع مرور الوقت أن الدعم السوفيتى كان يشكل العنصر الأساسى فى هذه النجاحات المؤقتة.

وهذه المنطقة ليست متجانسة على أى صعيد وطنى أو اقتصادى مع ذلك، وبالرغم من ماضيها الذى لا يختلف عن ماضى الشعوب الأخرى، فإن العرب والأفارقة والإيرانيين لا يعتبرون بعضهم أعداء تقليديين لبضعهم الآخر. على العكس من ذلك فإن الثقافة السياسية التى نشرتها حركة التحرر الوطنى بين هذه الشعوب كانت تركز دائماً على التضامن الذى يوحدها ضد عدو مشترك واحد. وأكثر هذه الثقافة -التى تعززت خلال كل مرحلة باندونغ (1955- 1975)- لم يختف، رغم أن المرحلة الراهنة تشهد بلا ريب انحساراً واضحاً للحركات القومية التقدمية.

إن النظريات السوسيولوجية المسيطرة فى الولايات المتحدة التى لا يتمايز عنها لا محللو الجيوسياسة ولا الذين يمارسون السلطة، والتى تصنف العرب والأفارقة السود والإيرانيين على أنهم "خصوم" أبديون بعضهم لبعض، واضعة فى الأولوية الوعى الإثنى الزائف قبل أى وعى اجتماعى أو إيديولوجى آخر، هذه النظريات تظل على قدر كبير من السطحية بالرغم من أنها تستعار أحياناً من قبل الجامعيين المحليين المغتربين، وبالرغم من أنها تتأكد أحياناً بالممارسات قصيرة النظر للسلطات القائمة فى أحيان أخرى.

مع ذلك لا بد من أن يؤخذ بعين الاعتبار - حتى فى العالم العربى بمفرده - تنوع المواقف والمفاهيم وحتى المصالح. والتعبيرات عن الأزمات هى بدورها مختلفة وتتلقى بدرجات مختلفة جداً فعل العوامل المختلفة. فالخلافات الكلامية مثلاً أو عكسها التصريحات الوحدوية الشمولية وحتى إعلانات "الوحدة" التى يلجأ إليها حكام بعض البلدان العربية بصورة شبه يومية لا يجب أن تعطى من الأهمية أكثر مما تستحق ولا أن تمارس أى مفعول جدى على الشعوب العربية. ولن أعود هنا إلى مناقشة فى العمق لقضية "القومية العربية" التى عبرت عن رأيى بشأنها فى مجال آخر. أسجل فقط أنه لا بد من معرفة أن الأمة العربية تمتد جذورها فى ماض حى دائماً من جهة وتستجيب لتوجه موضوعى مستقبلى من جهة أخرى. إلا أن هذه الأمة ما زالت أمام ضرورة بناء نفسها، لأن تنوع التطورات فى الماضى ذاته، وخاصة تسارع تبلور تشكيلات اجتماعية جديدة مختلفة شكلها الاستعمار، قد أنتجا هذه الخارطة السياسية التى نعرفها للعالم العربى الحديث. وتمتلك الطبقات القائدة فى هذا مصالح موضوعية فى حين أن الشعوب تمتلك أقل بكثير وهى بحاجة ماسة إلى كسر هذا القيد من أجل أن تحقق تقدماً حاسماً. فى هذه الشروط لن يكون النضال من أجل الوحدة العربية فعالاً إلا إذا ترافق مع الاعتراف بالتنوع. وقد عبرت عن هذه الضرورة عندما نعت الأمة العربية بكونها حقيقة تاريخية واجتماعية وأيديولوجية ذات مستويين يجد الوعى انعكاسهما فى التعبيرين العربيين "القطر" و "القوم". ما هى هذه التنوعات الرئيسية التى يجب أن تؤخذ فى الاعتبار وماذا يمكن أن تجر من خصومات؟

 

سأعدد هنا فقط بعضها مثل:-

أ-الاختلافات فى منطقة المغرب وعلاقاته الداخلية (الخصومة الجزائرية- المغربية).

ب-الاختلافات المتعلقة بالروابط الصحراوية مع السودان.

ج- الاختلافات المتعلقة بمسألة مياه النيل.

د- الاختلافات المتعلقة بالسيطرة على البحر الأحمر.

هـ- الاختلافات المتعلقة بقسمة الهلال الخصيب إلى دول خمس (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق).

و- الاختلافات المتعلقة بالتناقض بين اليمن والعربية السعودية فى شبه الجزيرة.

ز- الاختلافات المتعلقة بالإشراف على الخليج ("الخصومة" العربية "الإيرانية").

بالطبع لا يمكن معالجة هذه المشاكل بذاتها فى معزل عن ارتباطها بسياسة القوى وتحديداً بسياسة الهيمنة الأمريكية. من وجهة النظر هذه تفرض المشكلة الإسرائيلية نفسها بوصفها المحور المركزى الفعلى لكل مسألة الشرق، العربى والأوسط.

ومن الواضح أن كل الصراعات والأزمات التى نحن بصددها هنا سواء أكانت الأزمات الاجتماعية والسياسية الداخلية الخاصة بكل بلد فى المنطقة أو حالات الخصومة والتحالف التى تشكل هندسة جيو ستراتيجيتها- تطورت على خلفية شبكة ينسجها توسع الرأسمالية الطرفية. أى "الفشل" الذى أصاب تطورها العاجز بطبيعته عن إشباع الحاجات الأساسية للطبقات الشعبية، والعاجز عن إيصال دول وأمم المنطقة إلى مستوى الشركاء الفعليين فى النظام العالمى الذى تنخرط فيه. وفى هذه الحال ستحدد الإجابات السياسية والأيديولوجية لشعوب الجنوب مستقبل هذه المنطقة وموقعها فى العالم، تحديداً بعد أن استنفدت القومية الجذرية (الناصرية فى العالم العربى)، والاشتراكية القائمة فعلياً فى الاتحاد السوفيتى السابق، دورها التاريخى. إن طبيعة التحدى المعاصر ستكون إما وهماً إسلامياً أصولياً، أو تبلور مرحلة جديدة على مستوى الوقائع الجديدة، وهى ما أسميها بالوطنية الشعبية.

وقد شكلت حرب الخليج نموذجاً رهيباً لضعف إجابات العالم العربى وإيران وبلدان القرن الأفريقى، وكذلك للعالم الثالث إجمالاً، إزاء تحدى "حرب المئة سنة" الجديدة التى تستعد الرأسمالية المركزية للغرب المتقدم لأن تخوضها ضد شعوب الأطراف الآسيوية والأفريقية والأمريكية اللاتينية، تحت رايات وقيادة الولايات المتحدة العسكرية.

وقد سبق أن قدمت فى مكان آخر وبشىء من التفصيل تحليلات نقدية - شارحة فى بعض الحالات- للمواقف التى اتخذتها الدول العربية والدول الأخرى المعنية- إيران ودول القرن الأفريقى وبعض دول أفريقيا جنوب الصحراء- فى شؤون علاقاتها المتبادلة. وللأسف وفى العديد من الحالات المذكورة توصلت إلى استنتاج مر، ألا وهو هذه الممارسات والمواقف الشوفينية قصيرة النظر قد ساعدت انتشار نفوذ الاستعمار فى المنطقة.

 

التطورات الأخيرة: تجديد أم أزمة المشروع الأمريكى؟ أفول المشروع الأوروبى؟

 

النضال المطلوب من أجل عولمة متعددة القطبية

 

يزعم والرشتاين فى كتاباته الأخيرة أن مرحلة الهيمنة الأمريكية الحقيقية قد انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتى فدخلت فى مرحلة أزمتها الأخيرة. ويقدم والرشتاين تفسيراً لهذه المفارقة البينة قد يستحق النقاش. يقوم هذا التفسير على النقاط التالية:-

أولاً: إن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1945-1990) لم تتسم بالأساس بالثنائية الظاهرة بل اتسمت بهيمنة أمريكية كادت أن تكون شاملة بالرغم من أنها تركت مساحة استقلال ذاتى للاتحاد السوفيتى على شرط أن لا يخرج هذا الأخير عن منطقة النفوذ المسموح له،  وأن ديبلوماسية موسكو قد أدركت تماماً حدود حريتها فى التحرك فتحركت فعلاً فى سياق واشنطن.

ثانياً: إن الأسباب التى ضمنت للولايات المتحدة هذه الهيمنة قد تآكلت فى المجال الاقتصادى حتى لم يعد لها وجود. فأوروبا (وكذلك اليابان) أصبحت قوة اقتصادية كسبت قدرة تنافسية فى مواجهة الولايات المتحدة وبالتالى صارت قادرة على السعى إلى تحقيق مصالحها ولو تعارضت فى هذا الإطار مع خطط واشنطن.

ثالثاً: إن المرحلة القادمة سوف تتصف إذن باحتداد المنافسة بين قطبين (الأمريكى والأوروبى) - أى بمعنى آخر سوف تكون مرحلة ثنائية القطبية بالمعنى الصحيح. بعبارة أخرى سيكون النظام العالمى قد عاد إلى قاعدة غياب الهيمنة.

رابعاً: أن جميع القوى الأخرى (اليابان، الصين، روسيا، العالم الثالث) سوف تضطر إلى الدخول تحت مظلة إحدى الكتلتين، وأن الاحتمال الغالب - فى رأى والرشتاين- هو أن تلحق روسيا بصفتها طرفاً من الصف الأول بالقطار الأوروبى، بينما سيتعزز التحالف الأمريكى- اليابانى جاراً من ورائه الصين، وأن المناطق الأخرى للعالم الثالث ستهمش إلى حد كبير.

لى تحفظات عديدة بالنسبة لهذا التحليل هى بالأساس:-

أولاً: إن مغزى التناقضات بين "الاشتراكية القائمة بالفعل" والرأسمالية خلال العقود التى سبقت انهيار السوفيتية والماوية قد تجاوز مجال الثنائية العسكرية ليشمل مجالات السياسة حتى شجعت حركات اجتماعية احتلت مقدمة المسرح خلال الفترة المذكورة، ولا سيما حركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث، فأدت إلى تطورات عميقة فى بنية المنظومة العالمية نفسها، وهى تغيرات تحول دون العودة إلى ما قبلها. أقول إذن أن فرضية العودة إلى نموذج المنافسة بين قوى استعمارية كبرى تتجاهل ردود الفعل من قبل الشعوب ضحايا العولمة المعنية.. هى فرضية ضعيفة.

ثانياً: إن الولايات المتحدة - ولو إنها فقدت بالفعل أسبقيتها الاقتصادية المطلقة التى اتصفت بها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية - تحتفظ بموقع عسكرى لا مقابل له على الصعيد الأوروبى. وإن ديبلوماسية واشنطن قد أدركت تماماً فعالية هذا السلاح من أجل تحويل المنافسة الاقتصادية لصالحها كما سنرى فيما يلى.

ثالثاً: إن التوظيف الماهر لهذا السلاح - من خلال التدخل المباشر فى شؤون أوروبا- قد أتى بثماره، على الأقل فى الأجل القصير، إذ أدى إلى احتداد حدة التناقضات داخل أوروبا وإلى تعميق الفجوة بين أوروبا وروسيا. وليس هناك ما يدل على أن هذه الإنجازات للخطة الأمريكية ستكون مؤقتة فقط. فإذا استمرت الأوضاع على ما هى عليه حالياً لتبلور بالتدريج نمط آخر من العولمة -يختلف بالجوهر عن نمط الثنائية الذى يتصوره والرشتاين- ومن التناقضات الرئيسية المترتبة عليها. أطرح إذن نمطاً آخر يتصف باحتداد التناقضات بين المراكز الثلاثة المتحالفة من جانب وبين الأطراف، ولا سيما الصف الأول منها الذى تنتمى إليه روسيا والصين والهند من الجانب الآخر.

رابعاً: إن دخول الصين فى سياق تحالف عظيم يضم اليابان وراء الولايات المتحدة يبدو لى قليل الاحتمال.

وأطرح إذن منهجاً آخر لتحليل الواقع الراهن واحتمالات المستقبل. وذلك على ضوء التطورات الأخيرة، اقصد الهجوم المعاكس الذى قامت به الولايات المتحدة من أجل تكريس سيادتها على أوروبا نفسها.

أبدأ بلفت النظر إلى أن العولمة الليبرالية السائدة حالياً ليست "عولمة اقتصادية" بحتة، مستقلة، عن إشكالية الهيمنة.

أذكر بهذا الصدد مقالاً بالغ الأهمية كتبه توماس فريدمان، أحد مستشارى السيدة مادلين اولبرايت فى مجلة النيويورك تايمز مجازين بتاريخ 28/3/1999. فيكتب بالحرف ما يلى:

"لن تكون فعالية لليد الخفية للسوق دون جمع كف خفى هو الآخر. فلن يكون ماكدونالد مربحاً دون ماكدونيل دوجلس، صانع الـ ف-15  (الطائرة الحربية المعروفة). وإن الكف الخفى الذى يجعل العالم آمنا لتكنولوجيات سيليكون فله اسم هو الجيش والطيران والبحرية والمارين كور للولايات المتحدة".

فلنتمتع بخيار المثل اللذيذ، أى اعتبار أرباح مكدونالد معياراً لتقدم الحضارة العالمية‍! نرى أن النخبة الأمريكية الحاكمة تعلم تماماً أن الخطاب السائد الذى يزعم أن الأسواق تضبط من تلقاء نفسها وأن سيادتها المطلقة دون قيود تنتج تلقائياً الديموقراطية والسلام، إنما هو خطاب أيديولوجى مبتذل لا أساس علمياً له. وما يجب أن يستنتج من هذا الاعتراف العجيب إنما هو أن الولايات المتحدة سوف توظف موقعها العسكرى الاستثنائى من أجل إخضاع الجميع (أى أوروبا أيضاً) لمقتضيات ديمومة مشروعها للسيادة العالمية. بمعنى آخر لن تكون هناك "عولمة" (بالمضمون الأمريكى) دون امبراطورية عسكرية أمريكية.

وتقوم هذه الاستراتيجية العسكرية/ السياسية على ثلاثة مبادىء هى الآتية:-

أولاً: إحلال الناتو محل الأمم المتحدة بصفتها مؤسسة مسئولة عن إدارة السياسة العالمية وضمان السلام.

ثانياً: تكريس التناقضات فى داخل أوروبا من أجل إخضاعها لمشروع واشنطن.

ثالثاً: خيار منهج عسكرى يكرس "الميزة" المقارنة التى تستفيد الولايات المتحدة منها وهو القصف الجوى دون التعرض للحد الأدنى من الخطر والامتناع عن إنزال قوات عسكرية برية أمريكية. وقد تقوم القوات الأوروبية المرؤوسة بهذا الدور إن لزم الأمر!

رابعاً: توظيف قضايا "الديموقراطية" و "حقوق الشعوب" لصالح الخطة الأمريكية وذلك طالما أتاحت الظروف استغلالها فى خطاب موجه للرأى العام.

أقول إن لهذه الخيارات الواضحة نتائج بالغة الضرر. فهى أساليب تلغى كل مصداقية للخطاب من أجل الديموقراطية وحقوق الشعوب بسبب اعتماده على قاعدة "الكيل بمكيلين". فهناك نظم غير ديموقراطية يجب أن تحاكم إذا وقفت عقبة فى سبيل تنفيذ المشروع الأمريكى، وهناك نظم غير ديموقراطية هى الأخرى لن تعاقب طالما أنها لا تهدد مصالح رأس المال المهيمن للشركات متعدية الجنسية. هناك شعوب يجب أن تحترم حقوقها- مثل شعب كوسوفو اليوم وشعب التيبت غداً -وشعوب أخرى لا حق لها - مثل الشعب الفلسطينى أو أكراد تركيا الخ.

وللأسف الشديد فإن هذه الممارسات تفرغ خطاب الديموقراطية من كل مصداقية، ويتم ذلك طبعاً على حساب الدمقرطة المطلوبة. أقول إذن إن النضال من أجل الديموقراطية يقتضى بالضرورة محاربة الهيمنة الأمريكية.

وهى أيضاً أساليب تسعى إلى تفكيك المشروع الأوروبى. وأطرح هنا السؤال الآتى: هل دخل المشروع الأوروبى فى مرحلة الأفول؟

سبق أن أشرت إلى غياب تبلور مواقف أوروبية سياسية موحدة حقيقية، أى غير متمشية مع أهداف الخطة الأمريكية، فقلت إن بريطانيا سوف تظل تقتفى أثر واشنطن دون تحفظ كأنها تعوض اختفاء هيمنتها العالمية الماضية بتجديد معيشتها بالنيابة‍! كما قلت أن ألمانيا أصبحت لا تعلق أهمية كبرى على المشروع الأوروبى، بل تعطى الأولوية لسياسة توسعية نحو شرق وجنوب شرق أوروبا. وأن الولايات المتحدة ترحب بهذا الخيار فى مقابل أن تسير ألمانيا فى سياق واشنطن على صعيد السياسة العالمية.

ما مغزى هذه الوقائع؟ أليست هى دلائل قاطعة على أن النظم الأوروبية لا تعطى فى واقع الأمر الأولوية للمشروع الأوروبى نفسه، أقصد كمشروع سياسى يسعى إلى تجاوز حدود المشروع كما هو عليه حالياً، وهو مشروع سوق اقتصادية مشتركة بحتة ولا أكثر. أليس معنى ذلك أن الوعى السياسى لدى شعوب أوروبا لم يتح بعد تخطى مفهوم "أوروبا القوميات" L` Eyrope de Natn كما يقال.

أعتقد أن هذه الحقائق التى يتمظهر من خلالها ضعف المشروع الأوروبى لا تعمل فى صالحنا، إذ تعمل لصالح المشروع الأمريكى. لذلك لا أشارك رؤية والرشتاين القائمة على فرضية وجود حقيقى وفعال للمشروع الأوروبى حتى يتخطى البعد المركنتيلى البحت للسوق المشتركة فيجعل من أوروبا قوة سياسية موحدة فعالة.

بل أذهب إلى أبعد من ذلك وأزعم أن المشروع الأوروبى لن يكون إلا إذا اكتسب مضموناً اجتماعياً تقدميا،ً أى إلا إذا تطور ميزان القوى نحو حلول يسارية حقيقية ليست هى الخيارات التى اتخذتها قوى اليسار الأوروبى كما هى حتى الآن. هذا هو الشرط الذى لا مفر منه لكى يندرج المشروع الأوروبى فى تطلع يسعى إلى إعادة بناء عالم متعدد القطبية بالمعنى الصحيح. فإذا توافر هذا الشرط لاستطعنا أن نتصور مواقف أخرى من قبل أوروبا فى مواجهة روسيا والصين والعالم الثالث بشكل عام والعالم العربى بشكل خاص. أقصد مواقف تنبع من تفاهم ودى فتحترم استقلالية البلاد والأقاليم المذكورة، وتحل محل المواقف العدوانية السائدة فى ظل الخضوع للمشروع الأمريكى. أتمنى ذلك ولكن أعتقد أن طريق الوصول إليه لا يزال طويلاً، بالرغم من أنه احتمال موجود بسبب وجود تراث تاريخى إنسانى واشتراكى فى أوروبا لا مثيل له فى أمريكا الشمالية.

لذلك تفكر الولايات المتحدة اليوم فى تعميم "منهج كوسوفو" واستخدام وسائل متماثلة من أجل فرض سيطرتها فى مناطق أخرى "للشرق"- ويكتب بهذا الصدد السيد هنتر، السفير السابق للولايات المتحدة لدى ناتو من عام 1993 إلى عام 1998 فى مجلة واشنطن بوست بتاريخ 21 أبريل 1999 ما يلى (بالحرف):

"يمثل (كوسوفو) المدخل لمناطق أخرى ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى المصالح الغربية - منطقة النزاع العربى/ الإسرائيلى، العراق، إيران، أفغانستان، بحر القزوين ودول القوقاز. ويجب اعتبار الاستقرار فى جنوب شرق أوروبا شرطاً ضرورياً من أجل حماية المصالح الغربية، ودرء مخاطر قادمة من أبعد نحو الشرق".

مرة أخرى لا إشارة هنا إلى الديموقراطية، ولا إلى حقوق أكراد تركيا أو عرب فلسطين على سبيل المثال. فالإشارة الوحيدة تخص "المصالح" أى النفط والأنابيب وأرباح مكدونالد‍!

أعتقد أن لهذا التصريح أيضاً خطورة بالغة بالنسبة إلى المشكلة التى نحن بصددها هنا، أى مستقبل فلسطين. فما معنى هذه الكلمات؟ أتصور أن لا أحداً منا يفهم منها أن الولايات المتحدة تتجه نحو قصف إسرائيل بالقنابل حتى تقبل سلماً حقيقياً يضمن الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين العرب إلى وطنهم الأصلى (وهى الحجة التى يقدمها ناتو لتبرير تدخله فى كوسوفو‍). فالتصريح يعنى إذن أن واشنطن ستسعى إلى "التخلص" من تلك القوى العربية التى تقف "عقبة" فى سبيل تحقيق السلم (الإسرائيلى بالطبع). وما هى تلك القوى؟ حزب الله فى جنوب لبنان، وسوريا بالقطع. فلا بد أن ندرك تماماً أن واشنطن تتجه الآن نحو ضرب هذه القوى. ولا شك أن الإدارة الأمريكية ستوظف بهذه المناسبة الحجج السهلة المعروفة مثل "تعصب" حزب الله وغياب الديموقراطية فى سوريا. مرة أخرى نشاهد هنا العمل طبقاً لمبدأ "الكيل بمكيلين". إذ لا ترى واشنطن مانعاً فى تسليم الحكم للحركات الإسلامية (غير الديموقراطية) طالما أنها لا تهدد تلك "المصالح الغربية" المذكورة. فالحركات الإسلامية الوحيدة التى تحاربها الولايات المتحدة هى حماس فى فلسطين وحزب الله فى لبنان.

لعل قارىء هذه السطور سوف يتوصل إلى نتيجة بالغة التشاؤم فيذهب إلى أن الهيمنة الأمريكية لن تُقهر أبداً. وفى مجال المشكلة التى نحن بصددها هنا، أى مستقبل فلسطين، لعله سوف يستنتج أن لا بديل للالتجاء إلى الولايات المتحدة آملا أن تتوفر لديه قدرة على إقناع واشنطن "بالضغط على إسرائيل". وقد تمظهر هذا الأسلوب فى الدعوة المعروفة إلى مصادقة واشنطن لأن" 90% من الأوراق فى أيديها" كما قيل. لقد أثبتت التطورات اللاحقة أنه أسلوب غير نافع، بل شجع الصهيونية على مزيد من التوسعية والعجرفة وتكريس التحالف الإسرائيلى/ الأمريكى.

ليس للهيمنة الأمريكية تلك القوة المطلقة، بالرغم من الظاهر. ولعل والرشتاين على صواب عندما يزعم أنها تواجه صعوبات متصاعدة وأن هجومها المعاكس الحالى يقوم دليلاً على ضعف موقفها الحقيقى، فهو رد فعل على تطورات أدركت واشنطن أنها تهدد بالفعل ديمومتها.

إن نقاط الضعف فى الاستراتيجية الأمريكية واضحة تماما. فهناك ذلك الموقف الشاذ من الجمهور الأمريكى الذى يقبل الحرب طالما لا يتعرض "أولاده" لخطر القتل! هذا الموقف يشل فعالية استراتيجية واشنطن فيضعها مشروطة بمشاركة قوى حليفة مرؤوسة يطلب منها القيام "بالعمل القذر" أى إنزال قوات برية تتعرض للمخاطر الطبيعية فى أية ممارسة لعمليات حربية.

ثم هناك الوضع المالى المزعزع للاقتصاد الأمريكى الذى يتسم بالاعتماد على التمويل الخارجى اعتماداً كاملاً كى يعوض انعدام قدرته على توفير حد أدنى من الادخار. فالاستهلاك الخاص والعام (ويشمل النفقات الحربية) يمتص الدخل القومى بالكامل ، وهو وضع لا مثيل له سوى فى عدد البلاد التى تقع فى أسفل هرم المنظومة العالمية. وفى هذه الظروف تضطر الإدارة الأمريكية التى تحميل حلفائها بأعباء الحروب المطلوبة من أجل ضمان ديمومة هيمنتها، ولئن كان مثل هذا الطلب لم يصطدم بعقبة تذكر بالنسبة إلى حرب الخليج حيث أن الدول النفطية غطت نفقاتها بالكامل. إلا أن الأمر سوف يختلف بالتأكيد بالنسبة إلى حروب أخرى فى يوغسلافيا مثلاً. فإذا فرضت أوروبا مشاركة الولايات المتحدة فى تمويل هذه الحروب لأدى ذلك بالضرورة إلى احتداد حدة الأزمة الأمريكية، ومن ثم تهديد مكانة الولايات المتحدة فى الاقتصاد العالمى.

أتصور أن هذه العوامل معاً يمكن أن تجبر واشنطن على إعادة النظر فى مدى طموحاتها. هنا يقع التباين بين المجتمع الأمريكى وطبقته الحاكمة وبين المجتمع الألمانى النازى. فالقيادة النازية لم تتردد لحظة عند تحديد طموحاتها الجنونية وغير المتمشية مع قدرتها الحقيقية، حتى ذهبت فى حرب كان لابد أن تخسرها، هذا بينما مرونة القيادة الأمريكية تتيح لها مساحة للتراجع أمام صعود القوى المعارضة لمشروعها الأقصى. والعبرة التى أستنتجها من هذه الملاحظة هى أن الصمود فى مواجهة المواقف العدائية الأمريكية هى الوسيلة الصحيحة والفعالة للتغلب على عجرفتها الطبيعية، بينما التنازل أمامها يشجعها ويدعو دائماً إلى مزيد من التنازل.

استنتج من هذا التحليل الاستنتاجات الثلاثة الآتية:-

أولاً: إن المطلوب هو إعادة بناء كتلة دولية ترفض الخضوع لخطط الهيمنة الأمريكية. لعل كتلة عدم الانحياز وسكرتارية مجموعة الـ 15 يمكن أن توفر الإطار المناسب للبدء بإنجاز هذه المهمة. لذلك أعطى الأولوية الأولى للنضال من أجل إنعاش هذه الكتلة وصياغة برنامج عمل على قدر التحديات الخاصة بالمرحلة التى يجتازها للعالم. أطرح بهذا الصدد اقتراحاً يسعى إلى إضفاء مفهوم جديد للجبهة المطلوبة حتى تصبح "كتلة عدم الانحياز فى مواجهة العولمة" (الأمريكية بالطبع).

ثانياً: إلى أن تتحقق بعض الإنجازات فى الاتجاه المرسوم أعلاه اعتقد أن الاستراتيجية الوحيدة الممكنة بالنسبة إلى قضية الصراع العربى / الصهيونى هى استراتيجية قائمة على مبدأ الصمود -علماً بأن الصمود لا يعنى الامتناع عن العمل والنضال بل يحدد أشكالاً وتكتيكات خاصة فى قيادة النضال.

ثالثاً: إن المجتمع العربى – بأوضاعه الراهنة - غير قادر على أن يستفيد من تراجع احتمالى للمشروع الأمريكى، وهو الهدف الذى نسعى إليه من خلال النضال على الصعيد العالمى المذكور. فهو مجتمع مريض منذ قرون لدرجة أنه غير قادر حتى على إدراك مغزى التحدى، بله مواجهته. ومن هنا أعطى الأولوية الأولى إلى إنجاز الإصلاح الداخلى الضرورى. فالإصلاح المقصود هنا يتطلب الإبداع بشجاعة فى جميع مجالات الحياة الاجتماعية، ولن يكون هناك إبداع دون دمقرطة وإلغاء كل قيود الإرث السلفى التى تقف عقبة فى سبيلها.

هذا ولن أتناول هنا مناقشة هذه الاقتراحات التى تمثل فى حد ذاتها موضوع حوارات عديدة أخرى.

 

 

 

المراجع

 

1-   المفاهيم العسكرية والسياسية الأمريكية.

I-    وثائق رسمية (كونجرس ومجلس الشيوخ).

"National security strategy, Hearings before the Committee on Armed services", US Senate, 100 th Congress, Washington DC 1987.

"Discriminate Deterrence, Report of the Commission on Integrated Long Term strategy", Washington DC, Jannuary 1988.

"Sources of Change in the future security Environment, Integrated Long Term Strategy", Washington DC, April 1988.

"Commitment to freedom security Assistance as a Us policy Instrument in the Third World", Washington DC, May 1988.

:Supporting US strategy for Third world conflict", Washington DC, June 1988.

"US Sea control Mission", Us congressional Budget Office, Washington DC, 1977.

"Sha[ing the General purpose Navy of the Eighties", Congressional Budget Office, Washington DC, 1980.

"US Department of Defense", Annual Report to the Congress.

ب-دراسات عامة

JOXE Alain, Le Cycle de la dissuasion 194