[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

الدعم العام وحماية الزراعة المشاكل المزيفة، والتحديات الحقيقية

 

وثيقة مقدمة للتحضير لمؤتمر منظمة التجارة العالمية

في كانكون، سبتمبر 2003

.

سمير أمين

 

 

أتوجه بهذه المذكرة الشاملة للمسئولين في المجتمع المدني الذين يتابعون المناقشات داخل منظمة التجارة العالمية، وبالأخص تلك المتعلقة بالزراعة، وكذلك لمندوبي بلدان الجنوب الذين يقومون بهذه المفاوضات.

 

وسنثبت الآتي:

1)  أن دراسة التحديات الحقيقية التي تواجهها بلدان الجنوب ـ وهي مستقبل مجتمعاتها الزراعية التي تشمل لا أقل من نصف البشرية، أي ثلاثة مليارات من البشر ـ مستبعدة تماماً من اهتمامات منظمة التجارة العالمية؛

2)  وأنه في المقابل، فالقضايا الموضوعة على جدول أعمال المنظمة، قد جرى اختيارها، وصياغتها، لتخدم هدف فتح أسواق الجنوب أمام الصادرات الزراعية للشمال، والفائضة عن حاجته؛

3)    وأنه فوق خلفية هذا الهدف المشترك لبلدان الشمال، توجد خلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛

4)  وأن القضايا التي تركز عليها منظمة التجارة العالمية، وتبدو ذات أهمية لهذه المجموعة أو تلك من بلدان الجنوب، لا تمثل في الواقع، سوى قضايا ثانوية؛

5)  وأخيراً، أن الطريقة التي سمحت بهذا "الاختيار" للقضايا، والتي ترتدي مسوح "العلمية" ليس لها في الواقع أي أساس منطقي.

 

وفي المقابل، سنقدم المبادئ التي تقوم عليها استراتيجية بديلة، يتوجب على بلدان الجنوب تبنيها سواء في أثناء "المفاوضات" داخل منظمة التجارة العالمية، أو خارجها، في مستوى التحدي الحقيقي، وتساهم بذلك، في بناء "عولمة مختلفة" تستجيب لتطلعات الشعوب.

 

1.    الرهان الحقيقي: مستقبل فلاحي الجنوب

 

أولاً يجب التذكير بما أدعوه "القضية الزراعية الجديدة" التي يواجهها عالمنا المعاصر.

 

فالزراعة الرأسمالية التي تخضع لمبدأ ربحية رأس المال، والتي توجد بالكامل تقريباً، في أمريكا الشمالية، وأوروبا، والمخروط الجنوبي لأمريكا اللاتينية، وأستراليا، لا تستخدم سوى بضع عشرات الملايين من الزارعين، الذين لم يعودوا "فلاحين" تقريباً. ولكن إنتاجيتهم، بفضل استخدام الآلات (وهم يكادون يحتكرونها على مستوى العالم)، والمساحة الراجعة لكل منهم، تتراوح ما بين 10 آلاف، و20 ألف قنطار مكافئ من الحبوب للفرد في العام.

 

وفي المقابل، تشمل الزراعة الفلاحية حوالي نصف الإنسانية ـ 3 مليارات من البشر. وتنقسم هذه الزراعات بدورها بين تلك التي انتفعت بالثورة الخضراء (الأسمدة، وقاتلات الآفات، والبذور المنتقاة)، ولكنها لا تستخدم إلا القليل من الآلات، وتتراوح إنتاجيتها ما بين 100،    و500 قنطار مكافئ للفرد، وتلك التي لم تلحق بالثورة الخضراء، وتتراوح إنتاجية الفرد فيها حول 10 قنطار فقط.

 

وقد ارتفع الفرق بين الزراعة الأكثر تجهيزاً، وتلك الراجعة لفقراء الفلاحين، بشكل استثنائي بالنسبة لما كانت عليه منذ نصف قرن. أي بعبارة أخرى، تجاوز معدل زيادة الإنتاجية في الزراعة بمراحل التقدم في المجالات الأخرى، مما أدى لخفض أسعارها بنسبة 5 إلى 1.

 

وفي هذه الظروف، ومع تطبيق ما فرضته منظمة التجارة العالمية في مؤتمر الدوحة (نوفمبر 2001) من "إدخال الزراعة" في نطاق القواعد العامة "للمنافسة" باعتبار المنتجات الزراعية والغذائية، "سلعاً مثل غيرها"، ماذا ستكون النتائج الأكيدة في ظل انعدام المساواة الهائل بين الزراعة الرأسمالية المتقدمة وبين إنتاج الفلاحين؟

 

تستطيع حوالي العشرين مليوناً من المزارع الحديثة الإضافية، إذا ما حصلت على ما تحتاجه من الأراضي الإضافية (التي ستقتطع بالطبع من مزارع صغار الفلاحين، مع اختيار أجود الأراضي)، وإذا حصلت على رؤوس الأموال اللازمة لتزويدها بالمعدات الآلية الحديثة، أن تنتج ما يكفي لسد احتياجات جميع سكان المدن القادرين، والتي يحصلون عليها حالياً من إنتاج الريف. فماذا إذن سيكون مصير هذه المليارات من المنتجين الريفيين غير القادرين على المنافسة؟ لا شك أنهم سيستبعدون خلال بضع عشرات من السنين. فماذا إذن سيحدث لهذه المليارات من البشر، وهم اليوم من أفقر الفقراء، ولكنهم يطعمون أنفسهم كيفما اتفق، ويشكل سيئ لما يقرب من ثلثهم تقريباً (ثلاثة أرباع من يعانون من سوء التغذية في العالم ريفيون)؟ أية تنمية صناعية منافسة بدرجة أو بأخرى، منتظرة خلال السنوات الخمسين القادمة، حتى مع افتراض معدل نمو خيالي مستمر قدره، 7% سنويا لثلاثة أرباع الإنسانيةً، لا يمكن أن يستوعب حتى ثلث هذا الاحتياطي.

 

إذن ما العمل؟

 

لا مناص من قبول استمرار الزراعة الفلاحية طوال المستقبل المنظور في القرن الواحد والعشرين، لا بسبب الحنين الرومانسي للماضي، وإنما ببساطة لأن حل المسألة يكمن في تجاوز منطق اللبرالية. فيجب إذن، اكتشاف سياسات لتقنين العلاقات بين "السوق" والزراعة الفلاحية. وهذه التقنينات المختلفة والمتوافقة مع الظروف المحلية للبلدان أو الأقاليم المختلفة، يجب أن تحمي الإنتاج الوطني لضمان الأمن الغذائي الحيوي للأمم، ومقاومة السلاح الغذائي للإمبريالية. أي بعبارة أخرى، عزل الأسعار المحلية عن "السوق" المسمى بالعالمي ـ كما هو الواجب ـ لحين ما يسمح التقدم البطيء ولكن المستمر لإنتاجية الزراعة الفلاحية، بالتحكم في انتقال سكان الريف إلى المدن. وعلى مستوى ما يسمى بالسوق العالمي، قد يكون التقنين المناسب هو إجراء اتفاقيات إقليمية بين أوروبا من جهة، وبين أفريقيا، والعالم العربي، والهند، والصين، من جهة أخرى، ويذلك تستجيب لمتطلبات تنمية تجمع بدلاً من أن تستبعد.

 

وهذه القضايا الأساسية مستبعدة من المناقشة، وتحل محلها قضايا دعم الزراعة، وتأثيره على شروط "المنافسة العادلة المزعومة"، على الأسواق العالمية للمنتجات الزراعية.

 

والهدف ـ الذي تؤكده منظمة التجارة العالمية ـ هو فتح أسواق الجنوب أمام الصادرات الزراعية للشمال. ولكن المزايا المطلقة التي تتمتع بها زراعة الشمال، الناتجة عن الفروق الهائلة في الإنتاجية، ودون أي دعم إضافي للصادرات، تؤدي إلى أن فتح هذه الأسواق لن يؤدي إلا إلى مضاعفة مشاكل هؤلاء الفلاحين بدلاً حتى من البدء في حلها. أما فتح أسواق الشمال أمام الصادرات الزراعية للجنوب، إذا حدث (وهو محل شك)، ففوائده لا تقارن بالمرة بالتدمير الذي يحدث من الانفتاح في الاتجاه المضاد.

 

وتدعي منظمة التجارة العالمية، أن اختيارها ينصب على شروط التجارة الدولية، بتركيز المفاوضات على دعم الصادرات، مما يؤثر على هذه الشروط، وهذا يتسق مع دورها الصريح وهو الاهتمام بالتجارة مع استبعاد أي قضايا أحرى مثل التنمية، وهذا الادعاء لا يقف على قدمين. والانفتاح غير المشروط للتجارة الخارجية، يشكل الأنظمة الإنتاجية، وخاصة للشركاء الضعفاء، ويلغي حقهم في التنمية وفي الحماية الضرورية لها. وفضلاً عن ذلك، تتبع منظمة التجارة العالمية هنا سياسة الكيل بمكيالين، فهي تعترف بشرعية سياسات البلدان المتقدمة، بخلق تباينات مصطنعة بين المكونات المختلفة لتلك السياسات، كما سنرى فيما بعد، ولكنها ترفض الاعتراف بمثل هذه الحقوق للآخرين.

 

2.    دعم الزراعة في العالم المعاصر القائم بالفعل

 

تبدو إجراءات دعم الإنتاج الزراعي، ودخول المزارعين، كمتاهة معقدة من النصوص المتداخلة التي يمكن لغير المتخصصين أن يضيعوا بداخلها. ومع ذلك فهذه المجموعة من الإجراءات ـ "الوطنية" في حالة الولايات المتحدة أو كندا أو اليابان)، و"الجماعية"، (في حالة الاتحاد الأوروبي) ـ تمثل سياسات متماسكة نسبياً (أي أنها وسائل فعالة لتحقيق الأهداف المبتغاة)، فيما عدا بعض الاستثناءات هنا أو هناك، التي نتجت عن بعض الصدف التاريخية، والتي تلغي تماسكها جزئياً. وبالطبع من الممكن الحكم على هذه السياسات (أو أهدافها) من وجهات نظر مختلفة، والدفاع عنها أو انتقادها، ولكنها قائمة بالفعل. ومن الممكن كذلك المجادلة بشأن فاعلية الوسائل المستخدمة لتحقيق الأهداف المبتغاة، ولكن هذا الجدل يجب أن ينصب، إن كان جاداً، على الاقتصاد الحقيقي، وليس الاقتصاد اللبرالي الخيالي.

 

لقد بلغ مجموع الدعم الحكومي "للزراعة" حسب تقديرات منظمة التجارة العالمية، في عام 1995، 286 مليار دولار. ومن المعروف أن 90% على الأقل من هذه الاعتمادات قد أنفقته بلدان الثالوث (الولايات المتحدة وكندا، والاتحاد الأوروبي، واليابان).

 

وبالنسبة للبلدان الغنية (مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية) يبدو هذا المبلغ جسيماً، وهو جسيم بالفعل إذا ما نظرنا له من ناحية عدد المزارعين المنتفعين به (متوسط مقدار الدعم لكل مزرعة)، او حتى بمقاييس أخرى (الدعم بالنسبة لكل هكتار منزرع، أو لكل طن من اللحم يُنتج). وهو جسيم كذلك إذا نسبناه لقيمة إنتاج معين، أو حتى بالنسبة لإجمالي الإنتاج الزراعي بأكمله، أو بالنسبة لدخل المزارعين المستفيدين، أو للمزارعين ككل.

 

و"ترتب" منظمة التجارة العالمية الإنفاق العام في مجال الزراعة إلى أربعة أنواع، تطلق عليها الصناديق: الأحمر والبرتقالي والأزرق والأخضر.

 

والمعيار لهذا الترتيب هو أثر ذلك الإنفاق على الإنتاج، وبالأخص على "أسعار" المنتجات الزراعية (سعر الإنتاج، وسعر البيع في المزرعة، وسعر البيع للمستهلك). وتضع المنظمة في الصندوقين الأحمر والبرتقالي الإنفاق الذي تعتبر أنه يؤثر على الأسعار المعنية، وتضع في الصندوقين الأزرق والأخضر، الإنفاق الذي تعتبره غير مؤثر على الأسعار.

 

وهكذا نجد:

 

1) في الصندوقين الأحمر والبرتقالي           124 مليار دولار

2) في الصندوقين الأزرق والأخضر           162 مليار دولار

 

وهذا الترتيب يكتسب أهمية خاصة، لأن إجراءات "التحرير" (اللبرالية) للزراعة، التي تهدف إلى معاملة الإنتاج الزراعي كأي إنتاج سلعي آخر، لا تمس سوى الإنفاق من الصندوقين الأولين، والتي ينبغي تخفيضها بالتدريج، طبقاً لبرنامج معين يُتفق عليه في إطار المفاوضات داخل منظمة التجارة العالمية. وهكذا تحتفظ الدول بحرية الإبقاء على إنفاقها الأزرق أو الأخضر، أو حتى زيادته، وهو الواقع منذ ما يقرب من عشر سنوات.

 

وتقسيم الإنفاق بين نوعي الصناديق المشار إليها، يضع الولايات المتحدة في مواجهة صريحة مع الاتحاد الأوروبي، وكندا، واليابان من الجانب الآخر. إذ لا نجد في الصندوقين الأحمر والبرتقالي إلا 12% من الإنفاق العام للولايات المتحدة، في حين يندرج في هذين الصندوقين، 55% من إنفاق الاتحاد الأوروبي، و48% من إنفاق كندا، و54% من إنفاق اليابان. وبعبارة أخرى، سيكون على أوروبا وكندا واليابان أن تقوم بالجهد الأكبر للتواؤم مع عملية التحرير التي تتطلبها منظمة التجارة العالمية، وليس الولايات المتحدة.

 

والتعريفات التي تم على أساسها تحديد الترتيب المشار إليه أعلاه، قد جرى الاتفاق عليها بعد "مفاوضات" في الإطار شيه السري لغرفة التجارة الدولية (نادي الشركات متعدية الجنسية)، وتبادل الآراء بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي لن تخرج عن إطار الدائرة الضيقة للموظفين المشاركين فيها. فإلى جانب السرية الكبيرة التي تطوق المشكلة، يبقى السؤال: لماذا وافق الأوروبيون على "طريقة" تضعهم في موقف أضعف تجاه منافسهم/شريكهم الرئيسي وهو الولايات المتحدة؟ ليس عندي شخصياً إجابة عن هذا السؤال سوى المتطلبات السياسية "للإمبريالية الجماعية للثالوث".

 

وعلى أي حال، فهذا الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذي يحتل حيزاً رئيسياً من المناقشات داخل منظمة التجارة العالمية، يجب ألا يثير اهتمام الجنوب في الواقع، فإن انفتاح أسواقه لمصلحة هذا الجانب أو ذاك من الفريقين المتنافسين، لن يقلل من الأثر المدمر لهذا الانفتاح على اقتصاد الفلاحين في بلدانه.

 

المعايير التي يقوم عليها ترتيب منظمة التجارة العالمية، لا تقف على قدميها.

 

وفي الواقع، وكما يقول جاك برتيلو (الزراعة، عقِب أخيل للعولمة)، فالصناديق الأربعة لا تعدو كونها صندوق واحد يمكن تسميته بالصندوق "الأسود". ففحص مجموع الإنفاق المدرج بشكل مصطنع في أي من الصناديق الأربعة، هو وحده الذي يمَكِّن من فهم منطق السياسة الزراعية المتبعة، وأهدافها، والمصالح التي تخدمها، ووسائلها. أما تقسيمها إلى "أنواع" يُزعم أنها مختلفة، هو نتاج شبه التحليل ـ البيزنطي ـ للاقتصاد المجرد للعالم الخيالي. ومثل هذا التحليل لا يختلف كثيراً عن الجدل حول "جنس الملائكة" أو "لون اللوغاريتم".

 

وفي الواقع، فإن جميع هذه النفقات لها أثرها الواضح على الإنتاج، وحجمه، وكفاءته، وبالتالي على سعره. إن هدف هذه النفقات هو بالضبط هذا الأثر، وهو ما تحققه فعلاً.

 

وبعض أمثلة على أنواع الإنفاق المسماة بالخضراء توضح هذه الحقيقة بكل جلاء.

 

المعونة الغذائية للفقراء، وهي كبيرة في الولايات المتحدة ـ أكثر من 20 مليار دولار ـ وبدونها يتعرض 10% من السكان للجوع، تخلق سوقاً إضافية للمنتجات الزراعية (فبدونها يبقى طلب هؤلاء الفقراء غير مدعوم بقوة شرائية). فهذا الإنتاج الإضافي، والثمن الذي تدفعه الحكومة للمزارعين، لهما أثر مباشر واضح على الزراعة. ويمكن الدفاع عن هذه المعونة ـ أو توزيع الحليب مجاناً على تلاميذ المدارس ـ بحجج تتعلق بالتضامن الاجتماعي، بل بتحسن كفاءة العمال بفضل التغذية الجيدة. ولكن لا يمكن إنكار أن هذا الإنفاق العام له تأثير على الإنتاج والأسعار.

 

وبعض أشكال الدعم الأخرى ـ المعتبرة خضراء (أو زرقاء) ـ هدفها الصريح هو الحد من الإنتاج (لخفض الإنتاج الزائد)، مثل التعويض عن ترك مساحات من الأراضي بدون زراعة. وهناك أشكال مشابهة لامتصاص الإنتاج الزائد بتكوين مخزونات عامة أو خاصة، تُشترى بأسعار محددة. وكلاً من هذين النوعين له أثره على الإنتاج والأسعار.

 

والمساعدات الأقل ارتباطاً في الظاهر، بالإنتاج والأسعار، هل هي حقيقة كذلك؟ ونذكر من هذا النوع الدعم للمزارعين بهدف رفع دخلهم لمساواته مثلاً بدخل العاملين بالمدن (الأجراء أو الطبقات المتوسطة)، أو غير المباشرة (مثل خفض الضريبة على الدخل)، أو حتى مباشرة. ومعادلات التوازن العام ـ التي يشير إليها الاقتصاديون التقليديون باستمرار ـ توضح المشاركة في تحديد توزيع الدخل، والأسعار النسبية، لأن إعادة توزيع الدخل تغير تركيب هيكل الطلب. وعلي هذا فمنطق الاقتصاد التقليدي يؤدي بنا إلى الاستنتاج بأن التدخلات لها فعلاً تأثير على الأسعار.

 

مما سبق يتبين أن فكرة "الارتباط" أو "عدم الارتباط" التي تميز بين الأشكال المختلفة من الإنفاق العام من جهة، والأسعار من الجهة الأخرى، لا تقف على أي أساس سليم. بل هي من نتاج الخيمياء (كيمياء تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب) "للاقتصاد المجرد"، وتستخدم في الواقع كحجة تخضع للظروف، ويمكن استخدامها في اتجاه أو في عكسه وفقاً للرغبة في تأييد هدف معين أو عكسه من السياسات الاقتصادية.

 

3.    طبيعة ومدى السياسات الزراعية لبلدان الشمال

 

وتضع منظمة التجارة العالمية طبيعة ومدى السياسات الزراعية لبلدان الشمال، وخاصة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الإطار المحدد بتأثير الدعم المتمثل في النفقات العامة المخصصة للزراعة، على التجارة العالمية للمنتجات الزراعية.

 

وفي الواقع، فإن هذه السياسات لها بعد آخر، فهي الوسيلة التي بنى بها الشمال الميزات التي يمتلكها في مجال الزراعة (وفي غيرها من الأنشطة الاقتصادية) على منافسيه المحتملين من الجنوب. 

 

والميزات التي يتمتع بها الشمال في هذا المجال (وفي غيره كذلك) إذن، هيكلية. وفضلاً عن ذلك، فنجاح السياسات الزراعية لأوروبا (السياسة الزراعية الأوروبية) وللولايات المتحدة، أدت لزيادة القدرة الإنتاجية لهذه البلدان بما يتجاوز كثيراً قدرة أسواقها الداخلية على الاستيعاب، وهي لذلك تلعب دوراً عدوانياً من أجل تصدير فائض إنتاجها الزراعي. وعليه فالضغط "لفتح" أسواق الجنوب أمام الصادرات الزراعية والغذائية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الذي تعمل منظمة التجارة العالمية كأداة لتحقيقه هو الاستجابة لهذا الهدف.

 

 

ـ وعلى ذلك، يجب النظر في هذا الإطار، إلى عملية "الإغراق" التي تضاف إلى المزايا البنيوية لزراعة الشمال. وهذه الأساليب متنوعة، وبعضها واضحة، وبعضها أقل وضوحاً، ومنها:

1)    الواضحة: الدعم المباشر للصادرات؛

2)  أقل وضوحاً: تصفية المخزونات الخاصة والعامة المكوَّنة، في الأسواق العالمية لامتصاص فائض الإنتاج، بأسعار هامشية، يمكن الطعن في مصداقيتها، ولكن يُدَّعى بأنها "الأسعار الحقيقية" وفقاً "لأسعار السوق العالمي".

3)  غير معترف بها، ولكن حقيقية: "المساعدات الغذائية" ـ وكثيراً ما يقال إنها عمليات "إنسانية" ـ التي تضعف قدرة الزراعة المحلية على مواجهة العجز.

 

ويمكن الجدل حول الحكمة المشكوك فيها من الاختيار الذي يطالب الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي بعمل المراجعات اللازمة لسياساتهما الزراعية، بحيث تتوقف عن "الإنتاج الفائض" بشكل مستمر. وكثيرون في الشمال ذاته يوجهون هذا الانتقاد.

 

وعلى أي حال فبلدان الجنوب، من حقها أن تقوم بإجراءات للحماية حتى إن كانت قاسية (وقف حق الاستيراد، أو حتى فرض الحصص)، ولا يمكن إنكار حقها هذا في مواجهة عدوان لا يقل قسوة. ومثل القطن ذو مغزى كبير في هذا الصدد.

 

فهل يمكن لهم الاستفادة من سياسة الإغراق لدول الشمال في بعض الحالات (عندما يكون هناك عجز بنيوي في الغذاء) لسد العجز بتكلفة منخفضة؟ الخطر هنا يكمن في أن "الفرصة" المتاحة ستؤخر الجهود اللازم اتخاذها لتحقيق الإصلاحات الضرورية في مجال السياسات الزراعية القومية.

 

ـ وتشمل السياسات الزراعية المتصارعة ـ سياسات الشمال كما هي عليه، والسياسات التي يمكن للجنوب اتباعها (وهو ما لا تقوم به أغلب تلك البلدان) ـ جوانب كثيرة غبر تلك الواردة تحت العناوين: "أسعار (ما يقال إنه السوق العالمي)"، و"الرسوم الجمركية"، و"الدعم المباشر للتصدير".

 

عنوان "الأسعار العالمية": لقد كررنا كثيراً بما لا يترك مجالاً للاستزادة، أنها لا تمثل "الأسعار الحقيقية"، بل هي بالأساس أسعار هامشية، حيث إن تجارة المنتجات الزراعية والغذائية العالمية لا تتعلق إلا بجزء صغير من الإنتاج (حوالي 10%)، ومن هنا فإن مجموع السياسات الزراعية تجعل هذه الأسعار على الهامش ولا تمثل التكلفة الحقيقية، فهي تعبر عن ظروف خاصة. ومرة أخرى نؤكد أن وصف هذه الأسعار بأنها "حقيقية" كما يدعي لبراليو منظمة التجارة العالمية لا يقوم على أي تحليل علمي، بل هو يفتح المجال لجميع التلاعبات السياسية المرغوبة.

 

وهناك أوجه أخرى للسياسات العدوانية للشمال يجب أن تؤخذ في الاعتبار، فأوضاع الاحتكار التي تعمل الرأسمالية الزراعية على تقويتها بحجة "حقوق الملكية الفكرية والصناعية"، بفرض البذور المختارة التي تصنعها شركات هذا القطاع، يجب أن  ترفضها دول الجنوب، مع غيرها بشكل حاسم. وهذه القضية تمثل أحد أوجه مشكلة البيئة، حيث تمتد الممارسات التي يدافع عنها اللبراليون في هذا المجال من النهب الصريح للمعارف التي اكتسبها الفلاحون في بلدان الجنوب عبر مئات السنين، إلى تدمير التنوع البيولوجي، وحتى تدعيم اختيارات قد تكون لها أخطار جسيمة في المستقبل (مثل النباتات المعدلة جينياً).

 

ـ ولنكن واضحين، فالأمريكان والأوروبيون (والآخرون) لهم الحق المطلق في بناء السياسات الوطنية، والاتحادية التي اختاروها. ولهم الحق في حماية صناعاتهم وزراعاتهم؛ كما أن لهم الحق في وضع أنظمة إعادة توزيع الدخل التي يرون أنها تتوافق مع متطلبات التضامن الاجتماعي. وبالتأكيد، هناك عدة أبنية سياسية ممكنة يمكن أن تكون محل جدل، وصراعات سياسية في داخل مجتمعاتهم بهذا الشأن، وهذا أبسط ما تقضي به الديمقراطية.

 

أما المطالبة بتفكيك هذه السياسات باسم اللبرالية الخيالية التي لم توجد أبداً في الواقع، ولن توجد، فأمر لا معنى له، فهل سنطالب بأن تخفض البلدان المتقدمة من مستواها في التعليم والتدريب، وقدرات البحث والتجديد لديها لتتمشى مع البلدان الأقل تقدماً؟ وذلك بحجة أن المزايا التي يتمتعون بها في تلك المجالات تعطيهم ميزة في التجارة العالمية؟

 

ومع الأسف، فالاستراتيجية التي اختارتها دول الجنوب بصفة عامة، وهي أن يحافظ الشمال على "قواعد اللعبة اللبرالية"، ليس لها أي معنى، وهي مع ذلك التي "يوصينا" البنك الدولي والآخرون بها. وربما كان السبب في ذلك هو بالضبط لكونها غير فعالة، ولن تكون، فاللبرالية الحقيقية لم توجد أبداً إلا في الخيال.

 

 

 

4.    القدرة التنافسية للشركات أو القدرة التنافسية للأمم؟ إعادة الاعتبار للحق في الحماية، وللسياسات الوطنية (أو الإقليمية)

 

ـ يهتم الحطاب اللبرالي بالقدرة التنافسية على مستوى المشروع ليس إلا، سواء أكان حيازة زراعية، أو شركة صناعية أو تجارية، أو مشروع خدمي، وبالكثير بالقدرة التنافسية للفروع المختلفة للاقتصاد (زراعة الحبوب، أو صناعة السيارات). ولكنه يتجاهل الإدراك الحقيقي الوحيد للقدرة التنافسية، أي القائم بين الأمم (بين نظمها الإنتاجية)، وهو الذي يحدد لدرجة كبيرة (ولكن ليس بالكامل) القدرة التنافسية لفروع الاقتصاد أو الشركات. وعلى ذلك فقبل الحديث عن الاختلافات بين القدرة التنافسية بين الشركات، أو بين هذا الفرع أو ذاك من فروع الإنتاج، يأتي الحديث عن القدرة التنافسية بين الأمم. أما النظرية التي تتحدث عن المزايا النسبية في مجال التجارة الخارجية، فنظراً لتجمد أسسها النظرية، تتجاهل دينامية التحولات التي تؤثر على القدرة التنافسية بين الأمم، وبالتالي موقعها عل سلم التراتب في النظام العالمي.

 

والتباين في القدرة التنافسية بين الأمم، ينتج بالضبط من هذه "النفقات العامة" المختلفة الأنواع، التي تُشكل الإطار الذي يعمل داخله المنتجون (البنية التحتية، ونوع التعليم والتكوين المهني، والقدرة على التطوير التقني، الخ.)، وكذلك الذي يربط بين نظام الإنتاج ونظم توزيع الدخل، وإعادة توزيعه. مع العلم أن هذين البعدين للعالم القائم بالفعل لا يمكن فصلهما، كما لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة (بمفهوم أن السياسة هي مجموع علاقات القوى بين الشركاء الاجتماعيين، والصراعات لتغيير هذه العلاقات).

 

لقد درسنا أعلاه حجم النفقات العامة المخصصة للزراعة في بلدان الشمال، ولكن من المفيد أن نُذكِّر أن مجموع هذه النفقات يبدو صغيراً بالمقارنة بما يُنفق في مجالات أخرى. فالنفقات العسكرية وحدها تزيد عن ضعف الدعم المخصص للزراعة، حيث فاقت حد الستمائة مليار من الدولارات (حوالي نصفها من الولايات المتحدة)، يضاف إليها الدعم الهائل الذي تتمتع به الصناعات الحربية المعنية، وبشكل غير مباشر، بعض الصناعات المدنية (مثل الطيران والفضاء والاتصالات). وحجم النفقات العامة على البنية التحتية التي تؤثر على ظروف وكفاءة الإنتاج في جميع قطاعاته، أكبر بكثير. وكذلك الحال بالنسبة للنفقات الاجتماعية (التعليم والتدريب، والبحوث، والصحة، والضمان الاجتماعي)، التي تحدد لمدى كبير "القدرة التنافسية للأمم".

 

ومن المعروف أن مجموع النفقات العامة تمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي للبلدان الرأسمالية المتقدمة، لا تقل عن 40%. وهذه الحقيقة تلغي تماماً أية مصداقية للخطاب اللبرالي المؤسس على اقتصاد خيالي "بلا دولة" أو ما يقرب من ذلك!

 

وبهذا المعني، لا توجد "أسعار حقيقية" وأخرى غير حقيقية، فجميع "الأسعار" حقيقية، وتعبر عن واقع لا تنفصل بداخله إعادة الإنتاج الاقتصادية، وإعادة الإنتاج الاجتماعية.

 

وبدورها، تتحكم القدرة التنافسية غير المتساوية للأنظمة الوطنية (أو الإقليمية عندما تصل هذه الأخيرة لمستويات معقولة من التحقق) في العلاقات الدولية، وفي هياكل العولمة. فجميع الأمم تشارك في العولمة، ولا يوجد في العصر الحديث، ومنذ مدة طويلة، بلد "خارج العولمة"، ولكن لا يستفيد الجميع على قدم المساواة من هذا النظام. وفي هذا المقام، ينفتح البعض "بعدوانية"، في حين يخضع البعض الآخر " سلبياً للانفتاح". ومن هذا المنطلق، يصبح من المستحيل عملياً التفريق في مجموع الهياكل والسياسات الوطنية، بين تلك التي لا تؤثر "إلا" على القدرة التنافسية للأنظمة الإنتاجية (وبالتالي على الفروع الإنتاجية والمشروعات) دون التأثير على العلاقات الدولية، وبين تلك التي تؤثر بالضبط على تلك العلاقات.

 

ـ وقد أدرك ليست في النصف الأول من القرن التاسع عشر، طبيعة التحدي، ووجه الانتقاد "للمزايا النسبية"، وفهم أنها تُبنى تاريخياً، وليست "مُعطاة" مرة وللأبد. وتجاوزت مقترحاته "حماية الصناعات الناشئة"، وكانت التعبير الأول عما طورتُه وسميتُه "استراتيجية الانفصال"، لا بمعنى "الخروج من العولمة بالاكتفاء الذاتي"، وإنما البدء ببناء سياسة وطنية (أو إقليمية) قادرة على تحسين القدرة التنافسية لمجموع النظام الإنتاجي، ولفروع مختارة منه، وفي نفس الوقت، بناء الهياكل "الحامية" (بالمعنى الواسع وليس مجرد التعريفة الجمركية) لمواجهة الشركاء الأقوياء (وبالتالي العدوانيين) في النظام العالمي. وبعبارة أخرى، فالنضال من أجل الانفصال، هو نضال من أجل "عولمة من نوع آخر" (تختلف عن تلك التي تقترحها اللبرالية وتفرضها، والتي لا تستطيع إلا تدعيم وتعميق "مزايا" الطرف الأقوى. وبعبارة أخرى، فإن ما يجب علينا المطالبة به لمواجهة التحدي الحقيقي، هو: الحق في أن نفعل ما فعله الآخرون  (الأقوياء)، ويفعلونه باستمرار ـ على الرغم من الخطاب اللبرالي الذي يتجاهل هذه الحقيقة ـ أي الحق في بناء سياسات وطنية وإقليمية فعالة، وحمايتها.

 

 

 

        5. الخطاب شبه العلمي لمنظمة التجارة العالمية

 

على الرغم من أسطورة اللبرالية، تدخلت الدول الرأسمالية دوما، وستتدخل على الدوام في تقنين عملية إعادة الإنتاج الرأسمالية، عن طريق "النفقات العامة" ضمن وسائل أخرى. وهذه التدخلات ذات تأثير حاسم، بمعنى أن تصور "نظام اقتصادي رأسمالي" (يسمى اقتصاد السوق) يُدعَّى أنه مجرد أو نقي، ويوجد قائماً بذاته "دون دولة"، هو من قبيل الأساطير التي تستبدل بتحليل الرأسمالية القائمة بالفعل، تحليل نظام خيالي.

 

والفكر الوحيد السائد اليوم ـ المسمى باللبرالية ـ يقوم على الفكرة غير المنطقية والغيبية، التي تقول بأن "اقتصاد السوق المجرد" لديه القدرة على كشف "الأثمان الحقيقية" (للمنتجات، وجميعها سلع بالضرورة، و"عناصر الإنتاج" ـ الأجور، وفائدة رأس المال، ومعدلات الربح ـ وأسعار تبادل العملات)، أي بعبارة أخرى، "الأسعار" التي تحقق "التوازن العام"، في سوق غير مقنن، ومعمم، بدون تشوهات ناتجة عن تدخل السلطات العامة، وهو الأمر المستحيل تحققه في الواقع.

 

وخلف هذا الخطاب شبه العلمي، يختفي هدف مغلف بالحديث الأيديولوجي لإكسابه الشرعية، وهو إلغاء التقنين، أي منح رأس المال (الذي يمسك بأعنة السلطة في الحياة الاقتصادية للمجتمعات الرأسمالية) حق اتخاذ القرار دون شريك. ورأس المال، بدلاً من إبعاد الدولة عن المسرح، ومنع تدخلاتها، سيختار منها ما يناسبه ـ تلك التي تدعم سيطرته على المجتمع، وتعظيم المكاسب التي يجنيها منه ـ ويمنع الأخرى، أي تلك التي تضعف من سلطاته، وتسمح للاعبين الآخرين في الحياة الاجتماعية، بإبراز مصالحهم الخاصة، جزئياً على الأقل.

 

وتمثل أسطورة "الأسعار الحقيقية" الأساس، ضمن أفكار أخرى، "للبرهنة" شبه العلمية على أن أية "حماية" في مجال التجارة الدولية، تعطل "حصول المستهلكين على أقصى فائدة". وتصير كلمة الحماية في حد ذاتها ممنوعة، فهي المرادف لإلغاء العقلانية، بل للغباء. وتجري "البرهنة" عن طريق تحويل المجتمعات الوطنية والعالمية، إلى عالم من "الأفراد" المتساوين، وإلغاء الطبقات الاجتماعية، والأمم. وكما يقال بأن جميع الأفراد الذين يكونون الأمة متساوون (فلا يوجد رأسماليون أو عمال، بل مجرد "منتجون بائعون")، فكذلك جميع الأمم متساوية. ولا يوجد إنكار للواقع أكثر من هذا، مثل إنكار التباين في "التنمية" بين الأمم، وإنكار حقيقة أن المجتمعات الغنية لم تصبح كذلك إلا لأنها حمت نفسها بفاعلية، وتستمر في حماية نفسها.

 

6.    إجابات بديلة ضرورية

 

ـ وإلى جانب ضرورة فحص المشاكل المثارة حالياً (وخاصة تلك الموضوعة على جدول أعمال منظمة التجارة العالمية، ومؤتمر كانكون)، واحدة بعد الأخرى، لا مندوحة عن وجود رؤية عامة بديلة للسياسات الزراعية ـ في الشمال والجنوب، وبالتالي للمبادلات العالمية.

 

وبالتأكيد لا تملك بلدان الجنوب الوسائل التي تمكنها من الرد على التحدي بأن تقلد في بلدانها السياسات الزراعية التي طبقها الشمال، حتى إذا كان لذلك معنى في ظروفها (وهو أمر محل شك). فليس لديها الموارد التي تسمح لها "بدعم" إنتاجها الزراعي، وقدرتها على إعادة توزيع الدخل، يحد منها انخفاض هذا الدخل، وكذلك الميزانية العامة.

 

وهذا لا يعني بالمرة أنها لا تحتاج لسياستها الخاصة لتنمية زراعتها، التي تأخذ في الاعتبار متطلبات التعجيل بخطوات رفع إنتاجيتها، وفي الوقت نفسه، التحكم في التحول الاجتماعي (تجنب تفريغ الريف وتعميم المدن العشوائية). كذلك على هذه السياسات أن تتضمن أهدافاً وطنية وفي مقدمتها ضمان الاستقلال الغذائي (على مستوى الأمم والتكتلات الإقليمية).

 

ومن المفهوم أن السياسات الوطنية و/أو الإقليمية المقترحة، ووسائل حمايتها، يجب أن تكون محلاً لمناقشات انتقادية شفافة يقدر الإمكان (أي توضح بجلاء المصالح التي تدافع عنها ولا تخفيها)، أي أن تكون موضوع الجدل السياسي بالمعنى الجميل للكلمة.

 

وبهذا المفهوم، يمكن أن تكون الحماية إيجابية أو ضارة، فالحماية تكون ضارة عندما تهدف لحماية أنشطة غير ذات كفاءة (أي ذات قدرة تنافسية متدنية) وتحافظ على عدم كفاءتها. وتكون الحماية إيجابية عندما تعمل على حماية عمليات تحول تسمح لأنشطة بتحسين كفاءتها (أو بالتقليل من عدم فاعليتها).

 

ـ إن اختيار استراتيجية، بانخراطها في منطق الخطاب اللبرالي، تعمل على "تفكيك" الأنظمة الوطنية للبلدان المسيطرة بهدف تدعيم قدرتنا التنافسية الظاهرية في المبادلات العالمية، مآلها الفشل المؤكد والمطلق، وهي بالتأكيد بلا أساس شرعي.

 

وفي المقابل، فالرد على التحدي الحقيقي الذي يواجه أمم الجنوب يعني ضمناً انتزاع الحق المشار إليه أعلاه، وهذا الانتزاع يجب أن تسبقه إرادة بناء سياسات وطنية فعالة، وحمايتها. وهذه هي الاستراتيجية الوحيدة المجدية الممكنة.

وإذا ما قامت بلدان الجنوب بذلك، فإن من حقها، بل من واجبها، أن تحمي هذه السياسات بأنسب الوسائل الفعالة التي تشمل إلى جانب التعرفات الجمركية المناسبة، إجراءات كمية (مثل تحديد الحصص). وفضلاً عن هذه الوسائل المباشرة، تفترض حماية الاقتصاد الوطني بالتأكيد سياسات وطنية متماسكة في سلسلة من المجالات، وفي مقدمتها إدارة العملة الوطنية، وسعر الصرف.

 

وقد لاقت هذه الأفكار ـ التي يُبنى عليها المشروع البديل (العولمة البديلة) ـ ترحيباً لدى الرأي العام، وانعكست في جلسات تبادل الرأي في المؤتمر الأخير لبلدان عدم الانحياز (في كوالا لمبور في فبراير 2003).

 

وفي مجال الإدارة الاقتصادية للنظام العالمي، بدأت ترتسم كذلك، الخطوط التوجيهية لبديل يمكن للجنوب الدفاع عنه بشكل جماعي، لأنه يمثل نقطة التقاء لمصالح جميع بلدانه.

 

1. لقد عادت فكرة التحكم في التحركات الدولية لرؤوس الأموال إلى الظهور. وفي الواقع، فإن حرية الحسابات الرأسمالية التي فرضها صندوق النقد الدولي كعقيدة جديدة "للبرالية" ليس لها إلا هدف واحد، وهو تسهيل انتقال رؤوس الأموال بكثافة للولايات المتحدة لتغطية العجز الأمريكي المتزايد، والناتج عن نقاط الضعف في اقتصاد الولايات المتحدة، إلى جانب استراتيجيتها للتحكم عسكرياً في العالم.  ولا مصلحة لبلدان الجنوب في أن تسهل بذلك نزيف رؤوس أموالها، ولا التدمير الناشئ عن المضاربات المحتملة. وعليه فلا بد من مراجعة مخاطر "حرية تحويل رءوس الأموال" الناتجة عن تطبيق منطق حرية الحسابات الرأسمالية، وبدلاً منها يمكن النظر، بين الدول غير المنحازة، ومجموعة السبعة والسبعين، في نظام للمؤسسات الإقليمية التي يمكن أن تحقق قدراً من الاستقرار النسبي لحرية التحويل. ونُذَكِّر بأن ماليزيا قد اتخذت المبادرة، إبان الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، بفرض القيود على التحويلات، وكسبت المعركة، حيث اعترف صندوق النقد الدولي بحقها في ذلك.

2.  كذلك عادت فكرة تقنين الاستثمارات الأجنبية. وبالتأكيد لا تفكر بلدان العالم الثالث، أن تغلق أبوابها أمام جميع الاستثمارات الأجنبية، كما كان البعض منها يعمل في الماضي، وبالعكس، فهي تسعى وراء الاستثمارات الأجنبية، ولكن شروط استقبالها أصبحت من جديد، محل الانتقاد، وبعض الأوساط الحكومية في العالم الثالث تشعر بوجاهة ذلك.

وفي ارتباط وثيق مع هذا التقنين، يجري الآن التشكيك في حقوق الملكية الفكرية والصناعية، التي تعمل منظمة التجارة العالمية على فرضها. فقد صار واضحاً أن هذه الفكرة بدلاً من تعزيز المنافسة "الشفافة" في أسواق حرة، تعمل بالعكس، على تدعيم احتكارات الشركات متعدية الجنسية.

3. لم تعد الديون مجرد عبء لا يمكن احتماله، بل أصبحت شرعيتها ذاتها محل شك. وهكذا بدأ تظهر المطالبة بإلغاء الديون الكريهة، وغير الشرعية، من جانب واحد، وكذلك صياغة قانون دولي ـ جدير بهذا الاسم ـ بشأن الديون، وهو أمر غير موجود حالياً. وإجراء عملية مراجعة محاسبية للديون ستبين أن نسبة ذات مغزى من الديون إما غير شرعية، أو كريهة. وقد وصلت الفوائد المدفوعة مبلغاً يجعل المطالبة ـ ذات الأساس القانوني ـ باعتبارها قد سُددت، مشروعة تماماً، وتكشف عملية النهب البدائي التي تجري بهذا الشأن.

ولتحقيق ذلك، يجب القيام بحملة لوضع تشريع دولي يخضع الديون الأجنبية للتقنين مثل الديون الداخلية، وتتسق هذه الحملة مع هدف تدعيم شرعية القانون الدولي. ومن المفهوم أن سكوت القانون الدولي عن هذه القضية هو الذي يجعل موضوع تسوية الديون يخضع لعلاقات القوى الوحشية. وهذه العلاقات هي التي تسبغ الشرعية على ديون دولية، كان من الممكن لو كانت داخلية (أي أن كلاً من الدائن والمدين ينتميان لجنسية واحدة)، لكانت تدخل تحت باب "الاتفاق الجنائي".

4.تشعر الكثير من بلدان العالم الثالث من جديد، بأنها لا تستطيع الاستغناء عن سياسة وطنية للتنمية الزراعية، تأخذ في الاعتبار ضرورة حماية الفلاحين من النتائج المدمرة لتسارع انهيارهم أمام "المنافسة الجديدة" التي تعمل منظمة التجارة العالمية على تعزيزها في هذا المجال، وعلى ضمان الأمن الغذائي الوطني في الوقت نفسه.

 

وفي الختام أود أن أؤكد أهمية إقامة إطار مؤسسي يسمح بإعادة تضامن الجنوب لسابق عهده، وهذا يدعم كثيراً قدرته على خوض المعارك الضرورية في داخل منظمة التجارة العالمية (ما دامت دول الجنوب قد اختارت الانضمام إليها)، وكذلك داخل هيئات إدارة العولمة (خاصة صندوق النقد الدولي). وذلك دون المبالغة في الأوهام بشأن هذه المؤسسات التي كونتها القوى المسيطرة على مقاسها بهدف تدعيم سيطرتها، ومنع أية فرص للتنمية التي لم تكن في يوم من الأيام فكرة تعترف بها الأيديولوجية اللبرالية.

 

 ترجمة: سعد الطويل

 

 

!أتصلوا بنا ألفهرس أبحث

 

الرجا إرسال أية أسئلة أو ملاحظات إلي ألمنتدي
ftm.messages@ifrance.com

Copyright © 2003  منتدى العام الثالث
Last modified: 01/23/04