|
|
|
العمل في هذا الموقع دائم
|
فخ الثقافوية (نقد كتاب رضا هلال المعنون "المسيح اليهودي ونهاية العالم")
د. سمير أمين
1- تتلخص أطروحة رضا هلال في كتابه المعنون بـ "المسيح اليهودي ونهاية العالم" في مقولة بسيطة مفادها انحياز الولايات المتحدة لدولة إسرائيل ومساندتها مساندة شاملة بلا قيد ولا شرط في مشروعها التوسعي الذي يسعى إلي تصفية الوجود العربي في فلسطين علي الأقل بل وفي المناطق المجاورة "من النيل إلي الفرات" إذا سمحت الظروف بذلك، ويرجع ذلك إلي أسباب ثقافية الطابع أكثر منها سياسية أي بتعبير آخر إن هذا الانحياز لاهوتى المصدر وليس انحيازا استراتيجيا ناتجا عن المشاركة في المصالح. بل يزعم رضا هلال أكثر من ذلك ويدعي أن هناك تناقضا بين الخيار المذكور ـ أي مساندة إسرائيل ـ وبين مصالح الولايات المتحدة (دون تحديد مضمون ما يعنيه هو بالمصالح المعنية) ثم يستنتج رضا هلال من اكتشافه لهذا التناقض المزعوم (والذي سوف نرى أنه قائم علي تجاهل واقع المجتمع الأمريكي وممارسات طبقته الحاكمة)، إن الجمهور الأمريكي ـ أي الرأي العام ـ هو الذي يفرض علي مؤسسة الحكم هذا الخيار المنحاز للمشروع الصهيوني. ثم تقوم الأطروحة علي فضح "يمين مسيحي" له نظرة دينية تدعو إلي مساندة الصهيونية حيث إن المسيحية طبقا لهذا الفهم قد أصبحت "يهو مسيحية" أي مسيحية "نصف يهودية"، ويبحث المؤلف عن مصادر هذا الفهم للمسيحية فيجدهما في تاريخ الثورة البروتستانتية التي أعطت الأولوية لقراءه التوراة (العهد القديم) ولو علي حساب مقولات الإنجيل (العهد الجديد) كما أن رضا هلال قد اختار من بين مختلف مقولات الإنجيل التركيز علي ذلك الفصل المعنون بـ "الرؤيا"Apocalypse المنسوب إلي القديس يوحنا، وذكر بهذه المناسبة أن القصة المذكورة تقوم علي تنبؤ بعودة اليهود إلي فلسطين وإحياء دولتهم اليهودية ثم عودة المسيح فاهتداء شعب إسرائيل للمسيحية ثم إنهاء العالم. 2 ـ ينطلق رضا هلال من وصف صحيح ودقيق لظاهرة اليمين المسيحي الأمريكي المعاصر وممارساته وأساليب عمله وخطوات صعوده لدي الرأي العام ومدى اكتسابه نفوذاً داخل المؤسسة الحاكمة وبالأخص في صفوف الحزب الجمهوري. وبما أن هذه الظواهر ـ والتي أعتبر أنا وصفها في الكتاب المذكور صحيحا تماما ـ قد ظلت مجهولة إلي حد كبير في المجتمع العربي والمصري فإن إفادة الكتاب بذكرها قد أكسب المؤلف سمعة واسعة وقوة في إقناع القارئ بصحة وأهمية أطروحته. ولنذكر هنا باختصار تلك المقولات الرئيسية التي يقدمها هذا التيار الديني المتطرف وممارساته وأساليب عمله ومدي مشاركته في المؤسسة الحاكمة. ثمة فعلا "يمين مسيحي" بشكل عام قد تجلي في صور متتالية عبر التاريخ، فالديانات ـ شأن المسيحية في ذلك شأن جميع الديانات ـ ظواهر معقدة لها بالضرورة وجه اجتماعي. أقصد أن تعامل الديانة مع الواقع الاجتماعي وتباين المصالح الفاعلة في إطاره لابد أن يؤدي إلي تعدد "التفسيرات". فهناك دائما تفسير "محافظ" (يميني) يتمشى مع المصالح الحاكمة والمهيمنة كما أن هناك أيضا في بعض الظروف تتبلور تفسيرات أخري يطرحها المظلومون لدفع قضاياهم، وهي إذن تفسيرات تقدمية (يسارية) إلي حد ما علي الأقل. هناك قاسم مشترك للتفسيرات اليمنية لا يتغير في جميع الظروف ألا وهو الدفاع عن "أخلاقية محافظة" تضفي أهمية حاسمة لإدانة "التغيير" الاجتماعي بشكل عام وما يرافقه بدوره من تحولات في مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة وخاصة في مجال تنظيم العائلة. فالأخلاقية المحافظة تكره التغيير وتنظر له دائما على أنه مجرد "تسيب". واليوم يركز اليمين المسيحي علي إدانة الإجهاض والتسامح بالنسبة للممارسات الجنسية المثلية. بل يلجأ في تعامله مع هذه الظواهر إلي استخدام وسائل العنف بما فيها الهجوم البدنى علي الأطباء والممرضات في المستشفيات التي تمارس الإجهاض. يضاف إلي ذلك أن اليمين المسيحي الأمريكي يدافع عن مفهوم للحرية يكاد ينحصر في حرية تحرك الفرد في إطار آليات وفعاليات السوق. أي بمعني آخر دفاع عن "حرية المنشأة" في إطار الرأسمالية free enterprise هكذا ليبدو أن اليمين المسيحي المذكور إنما هو يمين "حديث " بمعني أن مفاهيمه للحرية والعدالة ليست هي مفاهيم اليمين المسيحي للقرون الوسطي علي سبيل المثال، فهو إذن تفسير يتمشى تماما مع مقتضيات المعاصرة الرأسمالية، وهنا نرى أن اليمين المسيحي المذكور يقع في فخ الاستلاب السلعي الخاص بالنمط الرأسمالي. فهو يمين حقيقي إذ إنه يعادي تماما مبادئ الاشتراكية التي تقوم علي نقد هذا الاستلاب ـ من هنا كراهيته للشيوعية وبالتالي توظيفه من قبل المؤسسة الحاكمة. بيد أن رضا هلال يتجاهل تماما هذا الوجه من الإشكالية، وذلك لأنه يتجاهل تماما مفاهيم النقد الاشتراكي للرأسمالية ومنها نقد الاستلاب السلعي فلا يهتم رضا هلال بماهية الرأسمالية كما سنري فيما بعد. ويفيد رضا هلال القارئ بمعلومات صحيحة وهامة حول مدي "تدين" المجتمع الأمريكي ـ بالمقارنة مع شعوب أوروبا ـ ومدي تغلغل فكر اليمين المسيحي في هذا الإطار. ويشير إلي ممارسات وأساليب عمل استراتيجية وتكتيكية استخدمتها بعض الكنائس البروتستانتية والنحل الحديثة النشأة قد أدت بالفعل إلي إكساب هذا التيار وزنا ثقيلا في "الرأي العام"، ومن هذه الأساليب التغلغل في مؤسسات التعليم والقضاء والإعلام، فالانتقال إلي المجال السياسي من خلال التركيز علي جمع الأصوات الانتخابية لصالح مؤسسة الحزب الجمهوري. فالحركة ـ كما يقول رضا هلال ـ التي كانت "ما قبل السياسة" بمعني أنها لم تسع إلي السلطة قد أصبحت الآن حركة سياسية تسعي إلي ممارسة السلطة. كما أن رضا هلال قد ركز علي الأساليب الإعلامية التي يستخدمها اليمين المسيحي الأمريكي ومنها بالأخص إلقاء خطب متكررة ومتبسطة في الإذاعات وقنوات التلفزة (الوعظ التلفزي). لا أختلف أنا مع رضا هلال في أقواله بهذا الصدد، بل أوافقه تماما في دقة وصحة وصفه للظاهرة. علي أن رضا هلال قد أضاف إلي مقولات اليمين المسيحي وممارسته الموصوفة أعلاه تركيزا خاصا علي "نظرة" هذا التيار الديني الرجعي إلي علاقته بالمشروع الصهيوني، له أهميته الخاصة، وسوف نرجع إلي هذا الجانب من الإشكالية فيما بعد. 3 ـ لن تفوت علي من قرأ وصف رضا هلال لأفكار وممارسات اليمين المسيحي، المشابهة التي تفرض نفسها بين تجليات هذا التيار الديني المتطرف وبين تجليات الإسلام السياسي. فالتياران يشتركان في سذاجة النظرة إلي "المشكلة الأخلاقية والثقافية" ووضعها في مركز الاهتمام إن لم يكن من التحليل العلمي ـ الناقص تماما في كلتا الحالتين. والتياران يشتركان في نفس النظرة المحافظة بل الرجعية وكراهيتهما للتغيير بشكل عام ولما قد يحدث من تطور في العلاقات العائلية بشكل خاص. والتياران يركزان علي نفس الظواهر ـ مثل الإجهاض وتحديد النسل ...إلخ. وكلاهما يلجآن إلي وسائل العنف من أجل "التخلص" مما يبدو لهما "تسيبا". والتياران يستخدمان نفس الأساليب للتغلغل في مؤسسات التعليم والقضاء بل يلجآن إلي نفس الأساليب في توظيف وسائل الإعلام وخاصة التلفزة. فمن سمع وعظا تلفزيا أمريكيا لا يفوت عليه التشابه الشامل بين أسلوبه وبين أسلوب الوعظ التلفري للإسلام السياسي. وكذلك نجد تشابهاً واضحاً تمام الوضوح بين نجاح اليمين المسيحي الأمريكي في المشاركة فى الحكم وما يحدث في البلاد العربية. ففي كلتا الحالتين نواجه نفس ظواهر: ردة الدولة واتخاذها مواقف انتهازية في مواجهتها للحركة المعنية وذلك سواء أكان ذلك بالنسبة إلي الدولة الأمريكية نصف العلمانية أم بالنسبة إلي الدول العربية غير العلمانية! وكذلك فإن الحركتين تشتركان في امتناعهما عن نقد الرأسمالية، بل قبولهما مبادئ سيادة علاقات السوق كما هي بلا تحفظ. فالإسلام السياسي هو الآخر يتجاهل مبادئ نقد الاشتراكية للرأسمالية ويقبل سيادة فعاليات السوق دون تساؤل يذكر. والحركتان أصبحتا حركتين سياسيتين بنفس المعني أي حركتين تسعيان إلي السلطة في إطار الرأسمالية فهما جزء لا يتجزأ من اليمين بشكل عام. فالسؤال الصحيح الذي يجب أن يطرح هنا هو الآتي: ما هي المصالح الاجتماعية التي تخدمها هاتان الحركتان؟ ولماذا تلجأن إلي نفس الأسلوب "الديني" شكليا والمتخلف في حقيقة الأمر؟ لم يطرح رضا هلال هذه الأسئلة بل لم يخطر بباله التشابه الذي رأيت من الضروري توجيه النظر إليه. أما أنا فأنسب الأسلوب الرجعي الديني الشكل الذي يشترك فيه التياران من أجل التوصل إلي السلطة إلي ظاهرة مشتركة ألا وهي التخلف الثقافي والسياسي للمجتمعات المعنية. أقصد تخلف المجتمع الأمريكي ـ بالمقارنة مع المجتمعات الأوروبية التي تنتمي هي الأخرى إلي مراكز المنظومة العالمية ـ وكذلك تخلف المجتمعات العربية والإسلامية في المرحلة الراهنة بالمقارنة بما كان الأمر عليه في مراحل سابقة من التاريخ القديم والحديث. بحيث إن التناقض في الظاهر بين المشروعين إنما هو تناقض وهمي فالصراع بينهما ليس صراع حضارات كما يحلو لخطاب هنتجتن المشهور أن يقوله، بل أقرب إلي أن يكون صراعا بين بربريات كما كتبه جلبير أشقر، أي صراع بين بربرية الاستعمار الأمريكي السائدة من جانب، وبربرية رد الفعل من طرف بعض ضحاياه المتخلفين من الجانب الآخر. كما أننا سوف نري أيضا فيما بعد أن التشابه يتجاوز حدود المجال السياسي والاجتماعي ليشمل قضايا المنهج والتجاءه إلي قراءة ساذجة للنصوص الدينية في كلتا الحالتين والاعتماد علي منهج مثالي يصل إلى أقصى المثالية يتجاهل تماما إشكالية وطابع التحديات الاجتماعية الصحيحة. 4 ـ ولنتناول الآن المفاهيم المطروحة في كتاب رضا هلال حول "اليهو مسيحية" ومقوماتها ومصادرها. تنحصر أطروحة اليمين المسيحي في هذا المجال ـ طبقا لرضا هلال ـ في قصة إحياء دولة إسرائيل وإعادة بناء معبد أورشليم ثم عودة المسيح واهتداء شعب إسرائيل بالمسيحية فإنهاء العالم. الملاحظة الأولي التي أود أن أطرحها بهذا الصدد هي أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيين متدينين لا يؤمنون علي الإطلاق بمثل هذه القصة علما بأن المتدينين أنفسهم يكونون أقلية صغيرة فقط- في فرنسا (10%)- وأن نسبتهم تتراوح حول الثلث في بلدان أوروبية أخري، فلا يمثلون أغلبية إلا في الولايات المتحدة. وعلما أيضا بأن الأغلبية الساحقة في صفوف اليمين المسيحي نفسه يكتفون بالمقولات المحافظة المذكورة فيما سبق ويرضون بها دون إضفاء أي اعتبار "للقصة" التي اهتم رضا هلال بذكرها. لئن آمن البعض، ومنهم "شخصيات أمريكية كبري" مثل الرئيسين ريجان وبوش، بمثل هذه الخرافة. لست أدري، ولكن أستطيع أن أتصور أن القدرة الذهنية المحدودة لمثل هذين الشخصين تتيح مشاركتهما في الإيمان بمثل هذه الخرافة. علي أن الإيمان بالقصة يفترض درجة من السذاجة يستحيل أن نتصورها سائدة عند صناع القرار السياسي الذين تتكون منهم المؤسسة الحاكمة، فعلي سبيل المثال تقول القصة إن شعب إسرائيل علي وشك الاهتداء بالمسيحية! ورضا هلال يوحي بأن "اليمين المسيحي" يعتمد في صنع قراراته السياسية علي القناعة بأن الأمر علي هذا الوجه فلا يميز رضا هلال بين "فكر" النحل الأمريكية المتخلفة المذكورة ـ وهو فكر ساذج بالفعل ناتج عن تخلف الثقافة الأمريكية ـ وبين فكر المؤسسة الحاكمة، وهو في رأيي وبالتأكيد فكر عقلاني منطقي غير ساذج وإن كان إجراميا وقادرا علي توظيف سذاجة وتخلف النحل المعنية. وبالقطع لا تعتمد المؤسسة الحاكمة في صنع قراراتها علي مثل هذا "الأمل" الغريب ألا وهو أن شعب إسرائيل علي وشك الاهتداء بالمسيحية فالمؤسسة الحاكمة الأمريكية تعتمد في صنع قراراتها علي أسس أخري. وتطور استراتيجيات وتكتيكات عقلانية تماما من أجل دفع مصالحها الاقتصادية والسياسية والجيو استراتيجية لا دخل فيها لمقولات الخرافة المذكورة. وسوف نري أن التجاء رضا هلال إلي هذه الفرضية الغريبة ألا وهي أن المؤسسة الأمريكية الحاكمة "تؤمن" بخرافة قصة اليمين المسيحي المتطرف المذكورة ليحل عنده محل البحث عن المصالح الحقيقية التي تمثلها هذه الطبقة الحاكمة إنما يلعب دورا أيديولوجيا معيناً فيؤدي في نهاية المطاف إلي عجز في رسم استراتيجية فعالة في مواجهة خطط العدو الاستعماري الحقيقي. ملاحظاتي التالية تخص نظرة رضا هلال لتاريخ المسيحية ولاهوتها، وهي نظرة ضعيفة الأساس تظهر أوجها عديدة من التجاهل الخطير في هذه المجالات. أولا: يعلم الجميع أن التوراة كتبت في عصر نفى اليهود في بابل في القرن الخامس قبل الميلاد، وأن العودة المذكورة في الكتاب تشير إلي إنهاء هذا النفي لا غير؛ فلا تمت بصلة للعودة التي نادت بها الصهيونية الحديثة وعندما أقول "الجميع" أقصد الأغلبية الساحقة في صفوف المتدينين هنا وهناك وخاصة في أوروبا. أما الجماهير غير المتدينة فلا تهتم أصلا بتاريخ التوراة ومقولاتها. ثانيا: لا يخلط المسيحي المتدين في أغلبيته الساحقة بين الشعب المسيحي وشعب إسرائيل. فالمتداول عنده أن المسيحية ديانة أقيمت علي طموحات عالمية وبالتالي فإن مفهوم الكنيسة قد حل محل شعب إسرائيل وذلك بشكل نهائي. ثالثا: لا يضفي المسيحي المتدين ، في أغلبيته الساحقة، أهمية ما لقصة عودة المسيح وإنهاء العالم. فالتفسير الدارج عنده عن فصل الرؤيا وعودة المسيح وإنهاء العالم المنسوب للقديس يوحنا إنما هو أن هذه القصة تمثل تجليا آخر لقصة إحياء الموتى الموجودة لـدي ديـانات الكتاب الثلاث بينما التفسير الذى أصبح الآن سائداً عند المسيحيين المحدثين فى البلدان المتقدمة ذات الثقافة العالية هو تفسير قائم على قراءة دلالية للتراث الدينى. لم يدرك رضا هلال أن ثمة اختلافا جوهريا بين التراث التلمودي وكذلك القراءة النصية الموجودة عند البعض في الشريعة الإسلامية وبين القراءة الحديثة لتراث اللاهوت المسيحي الذي لم يجد أمامه "نصا واحدا كاملا ونهائيا" فتصدي إلي نصوص متعددة وغير دقيقة، الأمر الذي فرض عليه الاعتماد علي قراءة دلالية للعهد الجديد، حتي أصبحت المسيحية بالتدريج عند أقسام مهمة ممن يعتنقونها – خاصة فى أمريكا اللاتينية وأوربا ذات التراث الثورى كما يقال عنها "ديانة دون دوغما" هذه الأقسام المهمة لا تمثل طليعة منعزلة عن شعوبها، لكن رسالتها، بكل ما تنطوى عليه من سمو أخلاقى وتوجه إنسانى شامل وتركيز على آمال وحقوق المستضعفين فى الأرض وتغليب الأمل فى المستقبل على عوامل اليأس، تتمثل على المستوى العقائدى في الإيمان بأن ثمة تلاقيا سوف يتبلور من خلال تطور إنجازات الإنسانية الصادرة عن الإلهام ومشروع الرب. هكذا سوف يتحقق بالتدريج جوهر العقيدة القائلة بإن المخلوق قد خلق على صورة الخالق.
لن أخوض هنا في مزيد من التفاصيل حول مختلف أوجه إشكالية مسيرة العقيدة الدينية المعنية، مكتفيا بالإشارة إلي ما سبق أن كتبته (انظر العام والخاص فى الديانات الكبرى) وأقل ما يمكن أن يقال عن منهج رضا هلال هو أنه قائم علي معرفة منقوصة للعقائد المذكورة وتجاهل تطورها والقضايا التي تعارضت علي أرضيتها مختلف تيارات اللاهوت، علما بأن الاستنتاج العام الذي أشرنا إليه بشديد من الإيجاز يتعلق بجميع التيارات التقدمية (مثل لاهوت التحرير) بل وأيضاً ببعض التيارات المحافظة التى لا تستطيع أن تنعزل تماما عن التقدم المفاهيمى العام الذى يسرى منذ زمن فى مجتمعاتها حتي أصبحت علي ضوئه أقوال النحل الأمريكية تمثل "الشاذ" والاستثنائي لا العام والمقبول. رابعا: تظهر تماما نواقص منهج رضا هلال في تناوله قضية "مصادر" الأطروحة الشاذة التي حلا له أن يركز عليها. فلم تتجاوز نظرة الكاتب لحركة الإصلاح البروتستانتي حدود التعميمات الدارجة التي لا يقبلها الدارس المثقف للتاريخ. تنحصر هذه النظرة في جملة واحدة (صفحة 166) تقول إن "البروتستانتية أكدت الفرد وهو الوصي علي عقله والمسئول عن نفسه بيد أنها جذرت التراث اليهو مسيحي". يعزي الجزء الأول من الجملة إلي الأطروحة التي قدمها فيبر في زعمه المشهور أن البروتستانتية هي مصدر نشأة الرأسمالية. وبالرغم من أن هذه الأقوال قد اكتسبت شهرة في البلاد الانجلوسكسونية ـ ربما لأنها تمتدح دورها في إبداع الحداثة ـ إلا أنها في واقع الأمر ضعيفة الأساس. فماركس ومن بعده العديد من علماء التاريخ قد طوروا نظرة مختلفة تماما عن هذا الفصل من التاريخ الأوربي، فاعتبروا البروتستانية شكلا مبكراً وغير ناضج اكتفى بتكييف بعض أوجه نظام المؤسسة الدينية لمقتضيات تنظيم الحكم الجديد وهو بدوره ذو طابع تجميعي ضم معا مصالح البورجوازية الناشئة ومصالح الإقطاع المهيمن سابقا، فأضفي طابعا وطنيا للمؤسسة الدينية البروتستانتية؛ كما أن ماركس قد أشار إلي الطابع الرجعي للحركة اللوثرية ـ وهو ناتج تخلف ألمانيا ـ وتحالفها مع أمراء الإقطاع ضد ثورة الفلاحين. أما المذهب الكلفيني الذي نشأ وانتشر في أقاليم متقدمة بالمقارنة مع أوضاع ألمانيا فلم يمثل هو الآخر حركة جذرية من أجل تكريس سلطة البورجوازية وانعتاقها تماما عن قيود الماضي الإقطاعي. فلم تتحقق هذه الثورة في شكلها الكامل إلا بعد أن نضجت الظروف فأبدعت فلسفة التنوير مفهوم العلمانية أي الفصل بين الدين والدولة. يبدو لي أن أهمية ما ذكرته هنا ـ ورضا هلال يتجاهل تماما مقومات هذا الفصل من تاريخ الفكر الأوروبي ـ هو أنه يفسر، جزئيا علي الأقل، تخلف الفكر السياسي في أوروبا البروتستانتية ولاسيما في مجتمع ابنتها الأمريكية الشمالية، وبالتالى العقبات التي حالت دون قبول الفكر الماركسي في هذه المناطق. من هنا نستطيع أن ندرك الأسباب التي أدت إلي ظهور لاهوت التحرير التقدمي في الأوساط الكاثوليكية بينما أصبحت بالفعل البروتستانتية أرضية خصبة لإنتاج نحل رجعية متخلفة. ويسير الجزء الثاني من تعميم رضا هلال إلي إحياء قراءة التوراة في الأوساط البروتستانتية.الملاحظة حقيقية وصحيحة في حد ذاتها إلا أنها، لا تعني كثيراً وبالقطع لا تعني أن المسيحية بشكل عام أصبحت بعد ذلك "يهو مسيحية" بصرف النظر عن الاستخدام السياسى فى أمريكا بوجه خاص لهذا الاصطلاح اللقيط الحديث، وعن مجاراة بعض مثقفى السلطة وأجهزة الإعلام المغرضة أو الجاهلة لمن ابتدعوا هذا المصطلح لأسباب مرتبطة فى نهاية الأمر بالحرص على إعطاء غطاء ثقافى أو دينى مقبول جماهيريا للتوافق بين مصالح الإمبريالية الأمريكية وأطماع الصهيونية العالمية. والحكم في هذه القضية يتطلب فحصًا أعمق في أوجه التشابه والتباين بين ديانات الكتاب الثلاث إذ إن كلاً منها تعترف بالتوراة. ويبدو أن رضا هلال غير مؤهل في هذا المجال فأصبحت ملاحظاته بهذا الصدد سطحية للغاية. فعندما يشير ـ علي سبيل المثال ـ إلي "تأثير" الفيلسوف اليهودي بن ميمون على الفكر الغربي، ينسى تماما تأثير ابن رشد الأقوى والأعمق. ويرجع نقص رضا هلال بالأساس إلي تجاهله منهج اللاهوت وتاريخ الفلسفة الأوربية وإلي اكتفائه بأسلوب القراءة النصية وهي قراءه غريبة عن التراث الغربي المعني. خلاصة القول أن النظرية التي يقدمها رضا هلال تتسم بدرجة عالية من السطحية وهو يعمد إلى تكرار العديد من الأفكار المسبقة بل والخرافات التي نشرها حديثا الإسلام السياسي والتي مصدرها الأساسى خليجى في كثير من الحالات. وسوف نري الآن أن نواقص رضا هلال في المجال السياسي المناسب لدراسة قضية التحالف بين "الغرب" (أوروبا والولايات المتحدة) والصهيونية ثم دولة إسرائيل لا تقل خطورة عن نواقصه فيما يستنتجه من قراءة العقائد الدينية المعنية هنا. 5- يروج الخطاب السائد في المرحلة الراهنة مقولة "صراع الحضارات" والمقصود من وراء هذه المقولة هو القول بأن التناقضات الأساسية التي تحرك التاريخ المعاصر قد انتقلت من أرضية الصراع الطبقي والمنافسة بين القوميات والدول إلي الأرضية الثقافية وأن الثقافة المعنية هنا تتسم بدورها بطابع ثبات مقوماتها عبر التاريخ. لن أناقش هنا هذه الأطروحة التي تبدو لي اقرب إلي أن تكون برنامجا استراتيجيا في خدمة مصالح الاستعمار منها إلي نظرية قائمة علي أسس علمية صحيحة؛ فالمهم بالنسبة إلي موضوعنا هنا هو أن نلاحظ تطوير البعض لنظرية موازية في البلاد العربية وهي نظرية تزعم أن "صراع الحضارات" (وهو يتحول إلي صراع الديانات) ليس واقعا جديدا بل ظاهرة قديمة قدم العلاقات بين الغرب والشرق كأن الانتماء الديني والعداء الدائم قد تحكما في العلاقات بين "الغرب المسيحي" والشرق الإسلامي" تحكما مطلقا حتي أصبحا المحرك الأساسى في رسم مسيرة التاريخ وفرضا عليه خطا مستقيما وذلك منذ الحروب الصليبية إلي اليوم. يبدو أن رضا هلال لم يتبن هذه النظرة فقط بل أضاف إليها؛ فتحول المسيحية إلي يهو مسيحية - هكذا، دون تحديد للمنطقة الأمريكية التى نشأ وانتشر فيها هذا المصطلح أو بيان الأسباب الحقيقية لاختراعه فى هذا الوقت بالذات- قد أدي إلي وضع المسيحيين واليهود في سلة واحدة في مواجهة المسلمين وبالتالي فإن التحالف بين الغرب والصهيونية صار تحالفا ذا أصول دينية تتجاوز المصالح السياسية والاقتصادية كما يجرؤ رضا هلال أن يقول. كأن الاستيطان الإسرائيلي في أرض فلسطين يمثل تكراراً للفتح الصليبي. يكتظ كتاب رضا هلال بالتعليقات حول وقائع مختارة لكي توحي بأن تطور الأمور قد خضع بالفعل لهذا المحرك "الديني" الرئيسى بل والوحيد. ومن أجل تحقيق غرضه استبعد صاحب الأطروحة ألوف الوقائع التي تشكك في صحة نظريته فليس هذا المنهج ناقصا من الزاوية العلمية فقط بل أصبح تمرينا أيديولوجيا ساذجا ومبتذلا يحول دون فهم قضية الصهيونية وأسباب مساندة الاستعمار لها فهما صحيحا. علي سبيل المثال ينظر رضا هلال إلي الحروب الصليبية علي أنها حروب دينية ولا غير، متجاهلا طابعها الرئيسي الحقيقي والثابت عند جميع المؤرخين ألا وهو أنها تجليات للصراع المتحكم في هذا الفصل من التاريخ من أجل السيطرة علي "طرق الحرير". وفي هذا الإطار سعي كبار الإقطاعيين غرب أوروبا (الإفرنج) إلي إنهاء احتكار الدولتين الشرقيتين على طرق التجارة الأساسية وهما دولة الخلافة الإسلامية ودولة الإمبراطورية الشرقية المسيحية. هكذا نري أيضا أن النظرة الأحادية الجانب لرضا هلال تحول دون فهمه للعديد من الوقائع التي لعبت دورا حاسما في تطور تاريخ أوربا، مثل تحالف ملوك فرنسا مع السلطان العثماني ضد إمبراطور النمسا، الأمر الذي ساعد علي فتح البلقان واقتراب العثمانيين من فيينا. هكذا ينقل رضا هلال تلك القصة التي روجت حديثا والمتعلقة بنداء بونابرت لليهود عند دخول جيوشه في فلسطين عام 1798، حتي صار الأمر كأن بونابرت قد اخترع الصهيونية قبل تبلور الظاهرة نفسها! كلام ساذج، يتجاهل طابع المشروع الأصلي وهو إقامة إمبراطورية شرقية جديدة قادرة علي تهديد موقع الإنجليز في الهند وإن بونابرت استخدم في هذا المنظور جميع وسائل "الانتهازية السياسية" ومنها، علي سبيل المثال، مشروع إسلام جيشه الذي أفشله شيخ الأزهر برفضه طلب بونابرت لفتوى يستثنى بها الجنود من منع شرب الخمر!. وفي تناوله لإشكالية "المعاداة للسامية" لم يشر رضا هلال إلا إلي ذلك التحول في موقف لوثر بعد أن رفض اليهود الاهتداء بالمسيحية المطلوب منهم في دعوة زعيم الإصلاح، ولا يذكر أياً من الكتب العديدة التي درست المشكلة بأسلوب علمي حتي وضعت الجانب الديني في إطاره النسبي وربطته بالجوانب الاجتماعية الأخرى (مثل كتاب إبراهام ليون مثلا). ليس رضا هلال مؤهلا لفهم معقدات المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل ومساندتها من قبل القوي الاستعمارية السائدة. فالغرب المسيحي يبدو للقارىء المتعجل لكتاب رضا هلاك كما لو كان قد أصبح واحدا وبالتالي الحليف الأصلي الطبيعي والدائم للمشروع الصهيوني؛ هكذا يتجاهل فعل التناقضات بين مختلف القوي الاستعمارية.
علي سبيل المثال: حقق المشروع الصهيوني انتصاره الأول من خلال تحالفه مع أهداف استراتيجية الاستعمار البريطاني الذي سعي إلي تكريس موقعه المهدد في مصر خلال الحرب العالمية الأولي. ولذلك بالتحديد امتنعت فرنسا عن الاعتراف بشرعية إعلان بلفور. حدث التقارب بين فرنسا وإسرائيل أثناء حرب الجزائر ومساندة النظام الناصري للطرف الجزائري، ثم عندما تبلور- في أعقاب تأميم القناة ـ التحالف الثلاثي الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي اتخذت الولايات المتحدة موقفا معاد يا له، فاستغلت الظروف من اجل تصفية مواقع النفوذ الأوربي في الشرق الأوسط لصالح انفراد المصالح الأمريكية. ولم يشر رضا هلال إلي هذا الفصل من التاريخ. يرجع التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة إلي فصل حديث من التاريخ المعاصر، عندما أدركت واشنطن استحالة اعتمادها علي النظم الوطنية الشعبوية (مصر وسوريا والعراق) وعندما أثبتت إسرائيل من خلال حرب 67 قدرتها العسكرية المتفوقة علي قوي النظم العربية وقد أوضح الباحث الأمريكي (اليهودي) نورمان فنكلشتان Nozman Finkelstein ذلك في كتابه اللامع حول (وضد) "صناعة الهولوكوست". من هنا يظهر التقاء مصالح إسرائيل والولايات المتحدة. فإسرائيل فى حاجة إلى أن يظل العالم العربى ضعيفاً حتى تستمر فى مشروعها التوسعى. وكذلك فإن مشروع الهيمنة الأمريكية على صعيد عالمى يقتضى هو الآخر أن تظل الدول العربية فى موقع هش داخل المنظومة العالمية حتى تضمن واشنطن سيطرتها على الثروة النفطية وهى بدورها شرط مهم من شروط تكريس قدرة أمريكا على التحكم فى أمور الاقتصاد العالمى. يقوم التحالف الأمريكى الصهيونى على الالتقاء فى هذه المصالح المهمة والمشتركة التى يستحيل الفصل بينها بحيث إن الاستراتيجية القائلة بالاعتماد على واشنطن كوسيلة للضغط على إسرائيل لن تغذى عدا أوهاما عقيمة. كما أن المقولات والأطروحات ذات الطابع الأيديولوجى (بل و"دينى" الشكل) لا تعدو كونها أدوات توظف فى خدمة المصالح السياسية المادية المذكورة ولا غير. وبناء على ذلك استبعدت أوروبا من المسرح الشرق أوسطي الأمر الذي يفسر بدوره وبقدر كبير علي الأقل موقف الفاتيكان الذي لم يعترف بإسرائيل إلا في أعقاب اتفاقية مدريد عام 1991، أي بعد اعتراف الفلسطينيين والعرب أنفسهم، أين الجريمة هنا؟ وقد وظف العنصر الديني بالفعل في كثير من التطورات التاريخية المعنية هنا، ولاسيما من خلال تعبئة صناعة الهولوكوست المذكور ولكن لم يكن يوما ما هذا العنصر لا وحيدا في إضفاء فعالية للاستراتيجيات ولا حتي رئيسيا في العديد من الحالات. لئن كانت الاستراتيجية الأمريكية تستغل أقوال (بل وخرافات) تيارات اليمين المسيحي المتطرف إلا أنها تستغل أيضا تحالفها مع النظم الإسلامية في الخليج وباكستان وغيرها ولا تري تناقضا بل تكاملا بين تحالفها مع الصهيونية من جانب وتكريس علاقاتها بالإسلام السياسي من الجانب الآخر. ثمة تعاطف حقيقى ـ في رأيي ـ بين الرأي العام الأمريكي والمشروع الصهيوني، ولا شك أيضا ـ في رأيي ـ فى أن أسلوب قراءه التوراة عند "البوريتان" الإنجليز الذين شبهوا هروبهم من إنجلترا بهروب قدماء "العبرانيين" بحثا عن أرض الميعاد (حتي أصبحت أمريكا أورشليم الجديدة) قد لعب دوره في انتشار هذا التعاطف خارج الأوساط الأمريكية اليهودية. علي أنني أطرح هنا أن ثمة عنصرا مشتركا آخر وأقوي ألا وهو أن الثقافتين الأمريكية والإسرائيلية تقومان علي نفس مبدأ الاستيطان وإبادة السكان الأصليين. ليست العناصر "الثقافية" هي محرك التاريخ الأساسي، بالرغم من أهميتها والدور الذي تقوم به بفاعلية في مساندة الاستراتيجيات في بعض الحالات. 6- خلاصة القول أن رضا هلال ينطلق من وصف صحيح لمقولات التيار المتطرف فى اليمين المسيحى الأمريكى المعاصر، ثم يستنتج استنتاجات خاطئة تماماً، فهى استنتاجات لا علاقة لها بالوصف المذكور، بل استنتاجات غريبة ومدهشة تتلخص فى جملة هى أن أطروحات اليمين المسيحى لا تتمشى مع المصالح الحاكمة فى الولايات المتحدة! وبالتالى تصير المؤسسة الأمريكية الحاكمة بريئة بل هى ضحية تطرف رأى عام شعبى متخلف يفرض عليها مساندة المشروع الصهيونى لأسباب "دينية" بحتة ناتجة عن قراءة معينة للتوارة واللاهوت المسيحى! ولم يذكر رضا هلال مرة ما يقصده بالمصالح الأمريكية المعنية. بل أزعم أن المنهج الذى يستخدمه يجعل تحديد محتوى هذه المصالح أمرا مستحيلا حيث إنه منهج لا يهتم أصلا بجوهر مقومات المجتمع الأمريكى فيتجاهل طابعه الرأسمالى وهيمنة المال الاحتكارى للشركات العملاقة ذات النشاط العالمى وبالتالى كون الاستراتيجيات التى تطورها المؤسسة الحاكمة (وهى فى خدمة هذه المصالح) ذات طابع استعمارى بالضرورة. هى من ثم تعتمد على وسائل العنف المتزايد (ومن هنا تحالفها مع الصهيونية فى منطقة الشرق الأوسط) من أجل إخضاع العالم بأجمعه والعالم الثالث بصفة خاصة لمقتضيات تحكم مصالح رأس المال الأمريكى فى شئونها. وفى هذا الإطار تطور المؤسسة الأمريكية الحاكمة وسائل عقلانية تماما فى خدمة الأهداف التى تسعى إلى تحقيقها- والتحالف الأمريكى/ الصهيونى جزء لا يتجزأ من هذه الوسائل العقلانية- فاليمين المسيحى هو فى خدمة هذه السياسة وليس داخلا فى تناقض معها. والمؤسسة الحاكمة هى التى توظف اليمين المسيحى وليس العكس. يقوم منهج رضا هلال على انقلاب علاقة السببية- ولكى يتوصل إلى هذا الانقلاب كان لابد أن يفترض صاحب الأطروحة من الأصل أن العقائد الدينية ورؤياها للقضايا المطروحة هى التى تحكم مسيرة التاريخ. الأمر الذى يفترض بدوره استبعاد التساؤل حول كيفية تكوين الرؤى "الثقافية" المعنية. فلا يهتم رضا هلال باكتشاف الأسباب التى تجعل مجتمعا ما (أو فئة معينة منه) يميل إلى الاهتداء بتفسير معين من بين العديد من التفسيرات التى تقبلها العقيدة والنص. كما أنه لا يهتم باكتشاف شبكة العلاقات التى تربط مختلف الرؤى "الدينية" والأوجه الأخرى للواقع المجتمعى. كأنك قدمت تفسيرا لسياسة دول الخليج من خلال قراءة نصوص مذهب الوهابية وإهمال الطابع القبائلى للمجتمع المعنى والثروة النفطية! ثمة قاسم مشترك يجمع منهج رضا هلال وخطاب الإسلام السياسى وخاصة الخليجى منه وأطروحة هنتجتن المشهورة حول "صراع الحضارات" ألا وهو الاعتماد على الفرضية "الثقافوية" القائمة على إهمال جميع جوانب الواقع الاجتماعى عدا بعده "الثقافى". فالمنهج يخدم تماما استراتيجية الاستعمار الأمريكى وطموحاته فى السيادة العالمية. كما أن هناك تشابها عجيبا يستحق أن يُذكر بين أطروحة رضا هلال والخطاب السياسى لنظم الخليج- فهى أيضا تزعم أن العيب ليس فى طابع الرأسمالية ومقتضيات تحكمها بل فى مقومات "الثقافة الغربية المسيحية". هكذا تصير ممارسات رأس المال المهيمن للشركات العملاقة بريئة من المسئولية فيما يحدث من استخدام وسائل العنف وعسكرة العولمة- هكذا تصير المؤسسة الأمريكية الحاكمة بريئة مما يحدث فى فلسطين وهو ناتج الرؤية اليهومسيحية التى يفرضها الشعب الأمريكى على قياداته. أكان هذا التشابه من باب الصدفة؟ |
|
|