[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

عن الصين:

 

هل "اشتراكية السوق"

 

مرحلة في التحول الاشتراكي الطويل،

 

أم طريق مختصر نحو الرأسمالية؟

 

بقلم د. سمير أمين

 

 

هذا المقال استمرار لمقال سابق كُتب عام 2000، تحت العنوان: "النظرية والتطبيق لمشروع الصين لاشتراكية السوق". ويدل التقارب بين عنواني المقالين على أن دواعي انشغالي بهذا الشأن لم تتغير.

 

وقد تُرجم مقالي السابق إلى اللغة الصينية، الأمر الذي أعطاني الفرصة، خلال زيارة جديدة للصين عام 2002، للاطلاع على تعليقات بعض المثقفين الصينيين، خاصة ممن يتمسكون بالتطلع لمستقبل من الاشتراكية لبلادهم.

 

1.  ولم يتغير السؤال الأساسي الذي طرحته منذ 1980، أي منذ بدأت الصين، تحت قيادة دنج شياو بنج اختيارها لنوع من "اقتصاد السوق"، والذي وصل بها إلى ما هي عليه الآن. وهكذا، فقد طرحت هذا التساؤل، استناداً إلى نقد "النموذج السوفييتي" كما تحقق في "الاشتراكية القائمة بالفعل"، وذلك قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بأكثر من عشر سنوات (س. أمين، "ثلاثون عاماً من نقد السوفييتية").

 

وما زال هذا السؤال قائماً، وسيبقى كذلك لمدة طويلة. ولكنه يجب أن يبقى ـ أو كان يجب أن يبقى ـ في قلب اهتمام جميع أولئك الذين، نظراً لعدم إيمانهم بفضائل الرأسمالية، التي باتت تدعي تمثيل عقل الإنسانية عابر التاريخ، وبالتالي تمثل "نهاية التاريخ"، يستمرون في الانشغال بالتفكير في ما بعد هذا النظام، وفي متطلبات، وإمكانيات قيام بناء اجتماعي جديد، أرقى، نظام اشتراكي.

 

وكثيراً ما يستغرق التاريخ وقتاً أكثر مما نتوقع، أو نتمنى، فالموجة الأولى من التجارب التي حاولت بناء الاشتراكية، على الأقل في مراحلها الأولى، والتي استغرقت الجزء الأكبر من القرن الماضي، قد استنفذت طاقتها الكامنة، وتآكلت، بل انهارت في بعض الحالات، أو أثارت الشكوك في مصداقيتها. وستتلوها موجة ثانية بالتأكيد، ولكنها لن تكون "تكراراً" للسابقة، لا فقط لأنه من الضروري الاستفادة من التجارب السابقة الفاشلة ، وإنما لأن العالم (الرأسمالي) قد تغير هو الآخر. ومع ذلك، فإذا دققنا النظر، سنجد أن الموجة الأولى من التحولات الرأسمالية، التي جرت في المدن الإيطالية في عصر النهضة، قد أُجهضت، ولكن موجة تالية تبعتها، تركزت هذه المرة، في الجزء الشمالي الغربي من أوروبا المتاخم للأطلنطي، وهي التي أفرخت الرأسمالية التاريخية بأشكالها الأساسية الباقية حتى اليوم.

 

وهكذا يحتل الجدل حول مستقبل الاشتراكية مكاناً مركزياً وحياً، ويمكن أن يلم هذا الجدل بالزوايا المتعددة للواقع الاجتماعي المعقد، وما يتيحه من فرص للتحليل، والتحرك نحو التغيير وعليه أن يفعل ذلك. وسأقتصر في هذا المقال، كما في مقالي السابق، على النظر في هذا السؤال المركزي من منطلق ما يثيره تطور الصين من تأملات. مع الأخذ في الاعتبار، أن هذا السؤال نفسه، مطروح على منابر أخرى، ومن زوايا مختلفة، وعلى أساس النظر في تجارب أخرى، سواء أكانت متعلقة بفيتنام وكوبا، أو بالعالم السوفييتي السابق، أو بالاشتراكية الديمقراطية في البلدان الرأسمالية المتقدمة، أو حتى بالأنظمة الشعبوية الوطنية الراديكالية في بلدان العالم الثالث.

 

والسؤال المركزي الذي أطرحه هنا هو: هل تتطور الصين نحو نظام مُثبَّت من الرأسمالية، أو هل ما زالت تسير نحو مستقبل ممكن من التحول إلى الاشتراكية؟

 

ولا أنظر في هذه القضية من وجهة نظر الاحتمالات "المتوقعة"، وإنما أنظر إليها من وجهة نظر مختلفة تماماً، وهي: ما التناقضات والصراعات التي تجري في الصين المعاصرة؟ ما  نقاط القوة والضعف في الطريق المتبع (وهو رأسمالي إلى حد كبير)؟ وما نقاط القوة في يد القوى المعادية للرأسمالية (الساعية نحو الاشتراكية، على الأقل)؟ وما هي الشروط لانتصار الطريق الرأسمالي، وما أشكال الرأسمالية المثبتة بدرجة أو بأخرى التي يستطيع إقامتها؟ وما الظروف التي تسمح للحظة الراهنة أن تنعطف في اتجاه يسمح لها بأن تصبح مرحلة (طويلة) في الانتقال (الأكثر طولاً) تحو الاشتراكية؟

 

ولا تستطيع الروح النضالية، التي تضع قدراتها التحليلية في خدمة نضالها من أجل التغيير أن تتجنب تقدير التوقعات، على الأقل لضرورة حساب فرص نجاح الخط الذي تعارضه في مقابل الخط الذي تتبناه. ولكنها، بنفس القدر، لا تستطيع الاكتفاء "بتوقع المستقبل" كما قد يفعل مراقب محايد. بل سينصب اهتمامها الأساسي على كيفية التأثير على مجرى التاريخ، ويلزمها لذلك، عدم الاكتفاء بمجرد قراءة مسار التطور.

 

2.  لقد اختارت الطبقة الحاكمة الصينية الطريق الرأسمالي، إن لم يكن منذ أيام دنج، فعلى الأقل بعده، ولكنها لا تعترف بذلك. والسبب في ذلك أنها تستمد شرعيتها بالكامل من الثورة، وهي لا تستطيع التنكر لهذه الثورة، لأن هذا التنكر يعني الانتحار. لقد كانت الثورة الصينية، مثلها في ذلك مثل الثورة الفرنسية، الحدث الأكبر، والانقطاع الحاسم في تاريخ الشعبين.  ويعود الفضل في دخول كلا الشعبين الحاسم والواعي من أبواب التاريخ إلى هاتين الثورتين، مهما شابهما من قصور، بل من الإحباط من بعض النواحي. وهاتان الثورتان "مقدستان"، مهما حاول بعض المثقفين الرجعيين النيل منهما، أو حتى إنكار مداهما.

 

ولكننا يجب أن نحكم على البشر ـ والقوى السياسية التي يمثلونها ـ بناءً على الأفعال لا الأقوال. ولما كان ذلك كذلك، يصبح السؤال الواجب الإجابة عنه متعلقاً بمستقبل هذا الاختيار الأساسي القائم في الواقع. إن المشروع الحقيقي للطبقة الحاكمة الصينية ذو طبيعة رأسمالية، وبذلك تكون "اشتراكية السوق" مجرد طريق مختصر لبناء الهياكل الأساسية للرأسمالية ومؤسساتها، مع التقليل بقدر الإمكان من الاحتكاكات والآلام المصاحبة للتحول إلى الرأسمالية. وهذا الأسلوب يقف على خط النقيض من الأسلوب الذي اتبعته الطبقة الحاكمة الروسية التي اختارت التنكر للثورة والتطورات اللاحقة لها والتي سمحت لها بالتحول إلى طبقة جديدة مرشحة لأن تصبح برجوازية. وتتبع الطريقة الروسية أسلوب "العلاج بالصدمة"، ولا يمكن الجزم بأن التاريخ سيسمح لهذه الطبقة بتحقيق النجاح بهذه الطريقة، وبناء شكل مدعم من أشكال الرأسمالية يضمن لها الاحتفاظ (لبعض الوقت) بسلطتها الطبقية، وهذا ليس موضع اهتمامي هنا.

 

لقد اختارت الطبقة الحاكمة الصينية طريقاً جد مختلف. وأعتقد أن جزءً كبيراً من هذه الطبقة يعرف أن الخط الذي تحاول السير به للأمام يؤدي إلى الرأسمالية، وهو يتمنى ذلك، حتى وإن كان جزء آخر (في الأقلية بالتأكيد)، ما زال أسيراً للحديث الرنان حول "الاشتراكية بالطريقة الصينية". وتعرف الطبقة الحاكمة الصينية كذلك ـ على الأرجح ـ أن شعبها متمسك "بقيم الاشتراكية" (والمساواة على رأسها)، وبالمكتسبات الحقيقية التي ارتبطت بهذه القيم ( وخاصة حق جميع الفلاحين في الحصول على الأرض). وهي تعرف، لذلك، أن عليها أن تتقدم نحو الرأسمالية بكل الحيطة، والتأني المحسوب.

         

وهنا يصبح السؤال هو معرفة ما إذا كانت ستتمكن من تحقيق أهدافها، وماذا ستكون عندئذ، السمات (المتميزة أو غير ذلك) للرأسمالية الصينية في طريق البناء، وخاصة مدى ثباتها. أما القول بأن "الشعب الصيني لن يسمح بذلك"، فهي إجابة غير مقنِعة حتى وإن كان ذلك ـ بصفة عامة ـ ليس أمراً مستحيلاً، ويتمناه الكثيرون، بل يناضلون لتحقيقه.

 

وللسير قدماً في المناقشة، يجب أن نتعمق في تحليل تناقضات الخط الرأسمالي، وفي نقاط الضعف والقوة لديه، وما يستطيع تقديمه في مجالات النمو الاقتصادي، والتنمية، وتحسين الظروف الاجتماعية، ومستوى المعيشة، وما لا يستطيع تقديمه. وهنا أيضا لا يجوز الاكتفاء بترديد القول بأن النظام الرأسمالي يقوم على أساس استغلال العمال، وإدانته لهذا السبب. وهذا القول حقيقي، ولكنه لا يمنع من استمرار النظام الرأسمالي، وتمتعه بالشرعية حتى في نظر الكثيرين ممن يستغلهم. فالطريق الرأسمالي يحتفظ بقوته، وبالتالي بجزء كبير من شرعيته، وثبات هياكله، بفضل قدرته على تحقيق نمو اقتصادي توزع مكاسبه المادية على الكثيرين وإن بكثير من التفاوت.

 

يتوقف بناء، وطبيعة، وشكل الهيكل الرأسمالي، ودرجة ثباته، على "التنازلات التاريخية المتبادلة" بين التحالفات الاجتماعية للكتل السائدة التي تتوالى على رأس النظام خلال تطوره. لقد حددت الظروف الخاصة لكل من هذه الطرق التاريخية (الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والأمريكية،...)، السمات الخاصة بكل من هذه المجتمعات الرأسمالية المعنية. والنجاح في تحقيق هذه التطورات ـ المختلفة ـ هو الذي أدى إلى "تثبيت" الرأسمالية في بلدان المركز من النظام الرأسمالي العالمي (وهذا لا يعني أنها "أبدية"!).

 

ما هي الإمكانيات المتاحة أمام الطريق الرأسمالي في الصين اليوم؟ ليس من الصعب تصور قيام تحالفات بين سلطات الدولة، والطبقة الجديدة من "كبار الرأسماليين من القطاع الخاص" (وهم حتى اليوم يتكونون أساساً من الصينيين من الخارج، مع عدم استبعاد ظهور طبقة مناظرة من صينيي الداخل)، والفلاحين في المناطق التي زاد ثراؤها بفضل أسواق الحضر، والطبقات المتوسطة المزدهرة، فهذه التحالفات قائمة بالفعل. ولكن هذه الكتلة السائدة ـ الممكنة أكثر من كونها قائمة بالفعل ـ تستبعد الأغلبية العظمى من العمال والفلاحين. وعلى ذلك فالمقارنة مع التحالفات التاريخية التي عقدتها بعض البرجوازيات مع الفلاحين (ضد الطبقة العاملة)، وفيما بعد الحل الوسط التاريخي بين البرجوازية والطبقة العاملة في ظل الاشتراكية الديمقراطية، تبقى مفتعلة وهشة.

 

وهذا الضعف للكتلة السائدة الميالة للرأسمالية في الصين هو أساس الصعوبات التي تواجه الإدارة السياسية للبلاد. وسأترك هنا للمنظرين الدعاة الأمريكان، أن يروجوا لمقولاتهم المبتذلة عن المساواة بين الديمقراطية والسوق، فالرأسمالية تعمل أحياناً في مواكبة ممارسات سياسية ذات شكل ديمقراطي معين، طالما استطاعت أن تسيطر على هذه الممارسات، وأن تمنع "الانحرافات" (المعادية للرأسمالية) التي تصاحب الديمقراطية بالضرورة. فإذا لم تتمكن من ذلك، تخلت الرأسمالية بكل بساطة عن الديمقراطية، ولم تجد أية غضاضة في ذلك.

 

وتُعرض مشكلة الديمقراطية في الصين بعبارات أكثر تعقيداً، ويعود ذلك إلى ميراث الدولية الثالثة (وتعاليم الماركسية اللينينية، والماوية)، ومفاهيمها الخاصة عن "دكتاتورية البرولتاريا"، و"الديمقراطية الاشتراكية" المزعومة. وهذا ليس موضوعي هنا (وقد عالجته في موضع آخر). ولكنه من الواضح أن من الصعب التوفيق بين هذه الأشكال السياسية وبين الاختيار الرأسمالي الذي يتضح أكثر فأكثر. وكيف يحتفظ الحزب-الدولة باسمه (الحزب الشيوعي!)، وبانتمائه لماركس وماو، مهما كان ذلك من باب الطنطنة اللفظية ليس إلا!؟ وهل يمكن التخلي عن هذه الانتماءات لصالح بعض أشكال "الديمقراطية الغربية" في ظروف البلاد؟ أشك في ذلك لا بسبب الاعتبارات التاريخية المتخطية للثقافة (من عينة: "أن الديمقراطية مفهوم غريب عن الثقافة الصينية")، وإنما بسبب أن الصراعات الاجتماعية التي ينتظر أن تخوضها الطبقات الشعبية لن تجعل ذلك ممكناً. فعلى الصين أن تبتدع شكلاً جديداً من الديمقراطية، يرتبط باشتراكية السوق بصفتها مرحلة من التحول طويل المدى نحو الاشتراكية، وهو ما سأعود له لاحقاً. وإذا لم يحدث ذلك، لا أجد مفراً من سلسلة لا تنتهي من أشكال الحكم الأتوقراطي، تتخللها بعض مراحل "الديمقراطية المحدودة" غير المستقرة، طبقاً للسائد في البلدان الرأسمالية من العالم الثالث.

 

وتتوقف الإمكانيات الاقتصادية للطريق الرأسمالي في الصين، ومجموعة أشكال الإدارة السياسية المرتبطة بها ـ جزئياً على الأقل ـ على ظروف اندماج هذه الرأسمالية في النظام الرأسمالي العالمي القائم حالياًُ ومستقبلاً، وسأعود لهذا الموضوع متعدد الأبعاد لاحقاً. فالأمر لا يتعلق بالأبعاد الاقتصادية لهذا الاندماج فحسب، فالأبعاد الجيو سياسية لهذا الاندماج لا تقل أهمية. وكما هو معروف، فقد صرحت الولايات المتحدة على لسان رؤسائها بوش الأب، وكلينتون، وبوش الابن، أنها لن تسمح بقيام قوة عظمى صينية، حتى لو كانت رأسمالية.

 

ويزدهر الحديث الرنان عن تنوع أشكال الرأسمالية في أنحاء العالم اليوم، ويرتبط هذا الحديث كثيراً بإشارات أقرب إلى التعاويذ إلى درجات مزعومة من الخصوصية، يستغلها البعض بدرجة واضحة من الانتهازية السياسية. والصين ليست استثناءً في هذا الشأن، ونادراً ما يجري التعبير عن "الطريق الصيني" ـ وهو رأسمالي دون الإفصاح عن ذلك لدى البعض، واشتراكي بالتأكيد لدى البعض الآخر ـ بما يكفي من الدقة لمنع هذه الاستخدامات الانتهازية. 

   

التنوع من سمات الطبيعة، والقول بتنوع المجتمعات الرأسمالية يعتبر من نافلة القول. وبالطبع تختلف الرأسمالية "الرينانية" (بدلاً من القول الرأسماليتين الفرنسية والألمانية ـلئلا نغضب دعاة التقارب الفرانكو-ألماني)، عن الرأسمالية "الأنحلوسكسونية" (وحتى هنا نجد تفاوتاً بين الرأسمالية الإنجليزية وزميلتها في الولايات المتحدة). ولهذا فضلت أن أنقل الجدل في الموضوع من مستوى وصف الواقع إلى مستوى التحليل التاريخي للثقافات السياسية التي أنتجتها الصراعات الاجتماعية المصاحبة لنشأة الحداثة (انظر: س. أمين، "ماركس والديمقراطية"؛ وس. أمين، "الرشاد"). ودون تكرار الحجج التي قدمتها في تلك المناسبة، سأكتفي هنا بتلخيص مضمونها بالتأكيد على التباين بين أيديولوجيتي أمريكا الشمالية وأوروبا. فالأولى لا تعترف إلا بقيمتين أساسيتين، وهما: الملكية الخاصة والحرية ( ونعني بالأخيرة حرية استخدام الملكية الخاصة بلا قيود). أما الثانية فتعترف بقيمة للمساواة، يحتاج الأمر إلى تنظيم الصدام بينها وبين الحرية، بوضع بعض القيود على الملكية (التي وضعت الثورة الفرنسية بدلها الإخاء). بل لقد وضعت هذا التباين في قلب التناقض بين أوروبا والولايات المتحدة، الذي لا أرجعه إلى تناقض بين مصالح رأس المال السائد، نظراً لأن الإمبريالية الجماعية للثالوث (الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان)، قد حلت محل الإمبريالية التاريخية (س. أمين، ما بعد الرأسمالية الشائخة).

 

وبنفس الدرجة من الأهمية، إن لم يزد، يقوم التباين بين رأسماليات التخوم (وهي تختلف فيما بينها في الزمان والمكان)، ورأسماليات المركز. وهو تباين تتغير أشكاله من مرحلة لأخرى من مراحل توسع رأس المال العالمي الإمبريالي دوماً (بمعنى المستقطِب)، ولكنه تباين دائم التعمق. وفي هذا المجال، لا يختلف المستقبل عن الحاضر أو الماضي، نظراً لأن الاستقطاب من الطبائع الأصيلة للرأسمالية. ولن أتوسع هنا في الأشكال الجديدة من التباين بين المركز والتخوم التي تتشكل حول الاحتكارات الجديدة للمركز (التكنولوجيا، والحصول على الموارد الطبيعية، والاتصال والمعلومات، والتحكم في النظام المالي العالمي، وأسلحة الدمار الشامل)، والتي تحل محل الاحتكارات الصناعية البسيطة للحقب الماضية. وفي هذا المجال، فإن الحديث عن "البلدان البازغة" يعتبر من قبيل اللغو الفارغ، فالأمر يتعلق ببلدان هي أبعد ما تكون عن "اللحاق"، وإنما هي تبني رأسمالية التخوم للغد. والصين ليست استثناءً في هذا المجال.

 

والحديث عن البعد الثقافي، الحقيقي أو المزعوم، والتنوع الذي يفرضه على طرائق الرأسمالية (أو الاشتراكية)، يتخذ شكلاً طقسياً في التعبير، وانتهازياً في محاولة تبرير ما يدافع عنه، بقدر ما يعتبر "الثقافة" ظاهرة ثابتة عابرة للتاريخ، وهو الفرض الضروري لكل الأصوليين (من بوش إلى بن لادن). فلتجاهل هذه "الموضة" حتى نطرح السؤال الحقيقي، ألا وهو التفاعل بين الحضارات وتحولها المستمر، وهما ظواهر لا يعنى بها الخطاب السائد.

 

وبنفس الدرجة من الابتذال، التباين المزعوم بين "الرأسمالية العادية" (طبقاً للنموذج المثالي لفيبر)، و "الرأسمالية الشعبية" التي يزعمون أن الملكية فيها موزعة، دون مساواة، ولكن على نطاق واسع على الأقل (حيث يكون المواطن عاملاً ومالكاً لأسهم في الوقت نفسه، على طريقة نظرية "تراكم الذمة المالية"، وغيره من أنواع الخطاب الرائجة هذه الأيام).

 

وعلى الرغم من جميع هذه التنويعات والمتغيرات، الماضي منها والمستقبل، المركزي منها والهامشي، فإن الرأسمالية تفرض مجتمعاً (وليس مجرد اقتصاد) مؤسس على التغريب (الاستيلاب) الاقتصادي والتجاري، وهو الناتج الأصيل لخضوعها لمتطلبات التراكم.

 

3.  والاشتراكية تعني قبل كل شيء تحرير الإنسانية، وبالتالي بناء شكل من تنظيم المجتمع متحرراً من الخضوع لمتطلبات التراكم الرأسمالي، وبذلك تكون الاشتراكية والديمقراطية غير قابلين للانفصال.

 

ولن أكرر هنا ما كتبته في موضع آخر بشأن طبيعة نظامي العالم السوفييتي، والصين الماوية، وأهدافهما الأولية، ثم تطورهما (أو انحرافهما)، ومسئولية الظروف في تحولهما تحت ضغط ضرورة "اللحاق"، وكذلك بشأن أيديولوجيات الحركة العمالية والاشتراكية للدوليتين الثانية والثالثة. ولكنني أذكِّر فقط بأنني قد لفت النظر إلى عدم الوقوع في الخطأ التبسيطي بالخلط بين التخطيط المركزي الذي مورس كاستجابة ضرورية (وفعالة من وجهة نظري) للظروف الآنية، وبين "تحقيق الاشتراكية"، كما زُعِم بعد ذلك (انظر المقال السابق).

 

والاشتراكية "المتحققة"، إذا أمكن إطلاق هذه التسمية على نظام اجتماعي معين، لا بد أن تكون عالمية بأكثر من الرأسمالية (التي تنتج عالميتها الناقصة والمتحيزة، بالضرورة الاستقطاب المركز/التخوم الأصيل في طبيعتها). وهذه الاشتراكية لا يمكن وصفها مقدماً بتعبيرات ترسم أشكالاً محددة من التنظيمات والمؤسسات المكتملة، وإنما تعبر عنها المبادئ التي يُفترض أن توجه خيال الشعوب الخلاق، وممارستها لسلطاتها التي تمنحها إياها ديمقراطية دائمة التعمق، ولا نهاية لها. وعلى هذا المستوى، يقدم حلم اليوطوبيا الخلاق الماركسي الإلهام (مع التسليم بأن كون المرء ماركسياً لا يعني التوقف عند ماركس، وإنما البدء به)، وكذلك لاهوت التحرير، للتأمل، أكثر بكثير مما تقدمه سوسيولوجيا فقيرة تدعي أنها واقعية.

 

وسيكون الطريق نحو هذه الاشتراكية طويلاً، وأكثر طولاً (واختلافاً)، من الطرق التي تخيلتها الدوليتان الثانية والثالثة (انظر س. أمين، "تحديات العولمة، الفصل الأخير: العودة لموضوع الانتقال") ومن هذا المنظور، يمكن أن تكون "اشتراكية السوق" مرحلة أولى في هذا الطريق. ولكن هناك شروط لتحقيق ذلك، أجملها في الاقتراحات الثلاثة التالية.

 

الأول هو خلق أشكال من المِلكية الجماعية والمحافظة عليها ودعمها طوال عملية التطور الاجتماعي. ويمكن لهذه الأشكال، بل يجب، أن تكون متعددة: وتعود إلى الدولة، وكذلك إلى الجماعيات الإقليمية، أو جماعيات العمال أو المواطنين. ولكن لكي تعمل هذه الوحدات بكل المسئولية التي يقتضيها نظام التبادل التجاري، يجب أن تكون أشكالاً حقيقية من الملكية (حتى إن لم تكن خاصة)، وليس كتعبير عن سلطة غير واضحة المعالم. ولا أقبل في هذا الشأن، التبسيط السائد ـ الذي ابتدعه فون ميزس، وفون هايك ـ بالتسوية بين المِلكية والمِلكية الخاصة. وهذا التبسيط المخل ينبع من الخلط بين التخطيط المركزي على النمط السوفييتي والاشتراكية. وهنا نجد النقيضين يقفان على أرضية واحدة. ومع ذلك، فسيادة الملكية الجماعية لا تستبعد تخصيص مكان للملكية الخاصة، لا فقط "الملكية الصغيرة" المحلية (حرفيون، وشركات صغيرة ومتوسطة، وتجارة وخدمات صغيرة)، وإنما كذلك، "شركات كبيرة"، بل ربما اتفاقات مع رأس المال الكبير متعدي الجنسية، وذلك بشرط التحديد الدقيق للإطار الذي يُسمح فيه لها بالعمل.   

 

وذلك لأنه من الضروري تقنين الأسلوب الذي يمارس به دور "المالك" (الدولة، أو الجماعيات، أو الخاص). ونصوغ هذا الاقتراح الثاني هنا بشكل غير محدد، حيث يحتاج تحديده أن نأخذ في الاعتبار الظروف الموضوعية الملموسة في المراحل المتتالية، وفي الوقت نفسه، الرؤية الأبعد للهدف الاشتراكي. وبعبارة أخرى، يجب أن يعني التقنين الجمع بين عاملين متصارعين هما: متطلبات التراكم ذي الطبيعة الرأسمالية (رغم الطبيعة الجماعية للملكية)، والتفعيل المتتالي لقيم الاشتراكية (وأولها المساواة، واندماج الجميع في عملية التغير، والخدمة العامة بأرقى معاني الكلمة).

 

ويتعلق اقتراحي الثالث بالديمقراطية، التي لا يمكن الفصل بينها وبين مفهوم التحرر. وهنا لا تبقى الديمقراطية وصفة نهائية موضوعة، وكل ما يلزم هو "تطبيقها"، وإنما عملية مستمرة وغير منتهية، وهذا ما يجعلني أفضل تعبير "المقرطة". وهذه تعني الجمع، بأشكال تزداد تعقيداً وغنى باستمرار، بين المتطلبات الحتمية للتعبير عنها على شكل "إجراءات" محددة (أي بعبارة مبسطة، دولة القانون)، وبمضمون "جوهري". وأعني بذلك قدرة عملية المقرطة هذه، على دعم تأثير قيم الاشتراكية على عملية اتخاذ القرار على جميع المستويات، وفي كل المجالات.

 

هل كان باستطاعة الاتحاد السوفييتي أن يتطور في هذا الاتجاه، أي أن يحقق إصلاحات تتيح له تجاوز حدود التخطيط المركزي بالطريقة التي سار بها، ودولة الحزب، الذى أعلن نفسه "طليعة المجتمع"؟ وينصب هذه السؤال اليوم، على الماضي، الذي يشير على أية حال، إلى أنه عندما اتجه إلى "الإصلاحات"، لم يسر في هذا الاتجاه، وإنما عملت الإصلاحات على استمرار النظام الذي كان قد وصل إلى نهاية حدوده التاريخية.

 

أما الصين الحالية، فقد خرجت فعلاً عن نطاق "اشتراكية السوق" كما نحددها هنا، إذ تقدمت على طريق الرأسمالية، بقبولها ـ من ناحية المبدأ ـ فكرة إحلال الملكية الخاصة محل سيادة الملكية الجماعية، والعامة. ويؤكد الكثير من المنتقدين، وخاصة الصينيين منهم، أن "الوقت قد فات"، ولديهم من الوقائع الملموسة ما يدعم وجهة نظرهم. ولا أوافق تماماً على وجهة النظر هذه، فطالما استمر الاعتراف بالمساواة في حق الوصول إلى الأرض، واستمر تطبيقه عملياً، فإني لا أعتقد أن الوقت قد فات لكي يؤثر النضال الاجتماعي على تطور لم يُحسم بعد. وهذه وجهة نظر وليام هِنتون كذلك، وسأقدم الحجج على ذلك في القسم التالي.

 

4.  كان تعداد شعب الصين عام 2000، ألف ومائتي مليون نسمة، ثلثاهم من سكان الريف (800 مليون). ولا يُتوقع على الإطلاق أن يعمل نمو الحضر على تخفيض هذا العدد بحلول عام 2020، أي خلال عشرين عاماً، حتى إن كانت نسبتهم إلى عدد السكان الكلي ستقل بعض الشيء.

 

وإذا افترضنا معدلاً للنمو السكاني مقداره 1,2 % سنوياً، لبلغ عدد السكان عام 2020، ألف وخمسمائة وعشرون مليوناً. ولنسلم بأن الصين ستحافظ على معدل نمو لصناعاتها وخدماتها الحديثة في الحضر بمعدل سنوي 5 %، ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد التوسع الكمي (أي "ذات الصناعات والخدمات" الحالية ولكن أكثر عدداً)، وإنما بأسلوب أكثر كثافة عن طريق رفع إنتاجية العمل (بمعدل حوالي 2 % سنوياً). وفي هذه الحالة سيرتفع العرض لفرص العمل بالحضر بمعدل حوالي 3 % سنوياً، وهذا يسمح للمناطق الحضرية باستيعاب حوالي 720 مليون فرد. ويشمل هذا العدد الحالي ذاته من سكان الحضر العاطلين عن العمل، أو الذين يمارسون أعمالاً هامشية، أو في القطاع غير الرسمي (وهو عدد ليس بالقليل)، ولكن نسبتهم ستكون أقل من الحالية بكثير، وهي نتيجة جيدة لحد كبير.    

 

وبعملية طرح بسيطة، نجد أن سكان الريف سيبقون كما هم الآن 800 مليون فرد، ولكن نسبتهم إلى العدد الكلي ستهبط من 67 %، إلى 53 %. وإذا اضطر هؤلاء إلى الهجرة إلى المدن لأنهم لا يستحوذون على الأرض، فإن السبيل الوحيد أمامهم سيكون الانضمام إلى سكان العشوائيات في المدن كما هو الحال منذ زمن طويل في بلدان العالم الثالث الرأسمالي.

 

وأي امتداد أطول للتقديرات (لأربعين عاماً مثلاً) سيؤكد هذه النتائج، فحتى في حالة أكثر التوقعات تفاؤلاً بافتراض عملية تحديث وتصنيع قوية، ومستمرة لا تعرقلها أية أحداث أو هزات سياسية أو اقتصادية، وطنية أو عالمية، حتى لو كانت عابرة، لا يمكن توقع انخفاض نسبة سكان الريف إلا ببطء شديد، على مدى قرن كامل مثلاً.

 

وهذه المشكلة لا تخص الصين وحدها، بل هي مشكلة العالم الثالث بأسره، أي ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم.

 

يعمل حالياً بالفلاحة البسيطة حوالي 3 مليار من البشر، أي نصف سكان العالم. وتنقسم هذه الفلاحة بين تلك التي انتفعت من الثورة الخضراء (الأسمدة، والمبيدات الحشرية، والتقاوي المنتقاة)، وإن كانت لا تتمتع بمستوى عال من الميكنة، وتتراوح إنتاجيتها بين 100، و500 قنطار (القنطار المترى يساوي 100 كيلوجراماً) للعامل الواحد، وتلك التي لم تلحقها الثورة الخضراء، وتتراوح إنتاجية الفرد فيها حول 10 قنطار للعامل. أما الزراعة الرأسمالية التي تخضع لمبدأ ربحية رأس المال، والمتمركزة بالكامل تقريباً في أمريكا الشمالية، وأوروبا، والمخروط الجنوبي من أمريكا اللاتينية، وأستراليا، فلا يعمل بها سوى بضع عشرات الملايين من المزارعين الذين لم يعودوا "فلاحين" بحق. ولكن إنتاجيتهم، بفضل الميكنة (التي يكادون يحتكرونها على المستوى العالمي)، والمساحة المتاحة لكل منهم، تتراوح بين 10 إلى 20 ألف قنطار من الحبوب (أو ما يعادله) للعامل الواحد في السنة.

 

وتستطيع ما يقرب من 20 مليون مزرعة حديثة إضافية، إذا حصلت على المساحات الكافية (من الأراضي المنتزعة من الاقتصاد الفلاحي، وباختيار أجود الأراضي طبعاً)، وإذا توفرت لها رؤوس الأموال اللازمة لتجهيزها، أن تكفي لتغطية كل الطلب المدعوم بقوة شرائية في المدن والذي يعتمد حالياً على الإنتاج الفلاحي. ولكن ما الذي سيحدث لهذه المليارات من المنتجين من الفلاحين غير القادرين على المنافسة؟ لا شك أنهم سيستبعدون خلال بضع عشرات من السنوات، وهي لحظة في حساب التاريخ. ما الذي سيحدث لهذه المليارات من البشر، وأغلبهم في عداد الفقراء، ولكنهم على أية حال يطعمون أنفسهم بقدر كافٍ، أو بالأرجح غير كافٍ (وثلاثة أرباع الجوعى في العالم هم من سكان الريف)؟ لا ينتظر لأي مستوى من التنمية الصناعية، المنافسة بدرجة أو بأخرى، خلال الخمسين عاماً القادمة، حتى لو تخيلنا معدلاً مفرطاً في التفاؤل فدره سبعة بالمائة سنوياً لثلاثة أرباع الإنسانية، أن يستوعب حتى ثلث هذا الفائض. وهذا يعني أن الرأسمالية بطبيعتها غير قادرة على حل المشكلة الفلاحية، وأن كل المستقبل الذي تقترحه هو كوكب تحول إلى مجموعة من المدن العشوائية، ومليارات من البشر "الزائدين عن الحاجة".

 

إن الاستراتيجية التي يرغب رأس المال المسيطر في فرضها اليوم، ليست أقل من مثيلتها التى فُرضت فى انجلترا تحت اسم "تسييج المزازع" (enclosure) يتم تعميمه الآن على مستوى العالم. فقد وصلنا إلى النقطة التي عندها يحتاج الأمر، من أجل فتح مجال جديد لتوسع رأس المال (تحديث الإنتاج الزراعي)، إلى تدمير مجتمعات بأسرها. عشرون مليوناً من المنتجين الأكفاء الجدد (خمسون مليوناً بإضافة عائلاتهم)، في مقابل عدة مليارات من البشر المستبعدين. والبعد الخلاق لهذه العملية، لا يتجاوز نقطة في المحيط من التخريب الذي تستلزمه. وأستنتج من ذلك أن الرأسمالية قد دخلت مرحلة الشيخوخة الهابطة، حيث لا يستطيع المنطق الذي يحكم هذا النظام، أن يضمن مجرد البقاء لنصف سكان العالم. لقد تحولت الرأسمالية إلى البربرية، وهي تدفع مباشرة إلى الإبادة الجماعية، وأصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى، أن يحل محلها منطق آخر للتنمية، يتمتع بدرجة أفضل من الرشاد.

ويجادل المدافعون عن الرأسمالية بأن المشكلة الفلاحية في أوروبا قد وجدت حلها في الهجرة من الريف، فلماذا لا تكرر بلدان الجنوب هذا النموذج متأخرة عن بلدان الشمال بقرن أو قرنين من الزمان؟ وهم يتجاهلون هنا أن الصناعات والخدمات الحضرية في أوروبا القرن التاسع عشر كانت تحتاج إلى أيدٍ عاملة كثيرة، وأن ما زاد عن ذلك هاجر إلى الأمريكتين بكثافة. والعالم الثالث اليوم، لا تتوفر له هذه الظروف، وإذا حاول أن يكون منافساً، كما يؤمر بذلك، فإن عليه أن يستخدم تكنولوجيات حديثة لا تحتاج إلا لأيدي عاملة قليلة. فالاستقطاب الناتج عن التوسع العالمي لرأس المال لا يسمح للجنوب بتكرار نموذج الشمال بقدر من التأخير.

 

إذن ما العمل؟

 

لا مناص من القبول باستمرار الزراعة الفلاحية طوال المستقبل المرتقب في القرن الواحد والعشرين، وذلك لا بسبب الحنين الرومانسي للماضي، وإنما ببساطة لأن حل المشكلة يقتضي تجاوز منطق الرأسمالية، حيث لن يتحقق إلا في إطار التحول الطويل نحو الاشتراكية في العالم. ولذلك يجب استنباط سياسات لتقنين العلاقات بين "السوق" وبين الزراعة الفلاحية. وعلى هذه التقنينات، المتخذة بشكل فردي يتواءم مع الظروف المحلية، أن تحمي الإنتاج الوطني، وتضمن بذلك الأمن الغذائي للأمم، وتحميها من آثار سلاح التجويع الذي لا تتورع الإمبريالية عن استخدامه، أي بعبارة أخرى، فك الارتباط بين الأسعار الداخلية، وما يطلق عليه السوق العالمي. وعلي هذه التقنينات كذلك ـ عبر زيادة في إنتاجية الزراعة الفلاحية، بطيئة ولا شك، ولكن مستمرة ـ أن تسمح بالتحكم في انتقال السكان من الريف إلى المدن. ومن المفهوم طبعاً، أن الارتباط بين تنمية الزراعة الفلاحية والتصنيع الحديث، يجب أن يكون جزءً من الرؤية المستقبلية الخلاقة لفكر اشتراكي متحرر من أسلوب التبذير السفيه، الأصيل في أسلوب الرأسمالية المركزية، الذي لا يمكن تصور أن يُعمم على عشرة مليارات من البشر.

 

إن "المشكلة الزراعية" أبعد ما تكون عن إيجاد الحل الملائم، بل ما زالت تشكل تحدياً رئيسياً للإنسانية في القرن الواحد والعشرين، والحلول التي ستطرح لهذه المشكلة، ستشكل مجرى التاريخ بشكل حاسم.

 

والصين تملك في هذا المجال نقطة ثمينة ـ وهي ميراث الثورة ـ تسمح لها بإيجاد أحد "النماذج" الممكنة لما يجب عمله. إن الحصول على الأرض، هو في واقع الأمر، أحد الحقوق الأساسية لنصف البشرية، والاعتراف بهذا الحق، هو أحد شروط بقائها على قيد الحياة. ومع ذلك، لم ترد أية إشارة لهذا الحق في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان للأمم المتحدة! ولكنه مُعترف به حتى اليوم في الصين (وفي فيتنام). وسيكون وهماً كبيراً الاعتقاد بأن التخلي عن هذا الحق، أي بتحويل الأرض إلى سلعة كما يقترح المدافعون عن الرأسمالية في الصين وغيرها، "سيعجل بعملية التحديث".

 

إن تحديث الزراعة هو بالفعل أحد التحديثات الأربعة التي عبر عنها تشو إن لاي، وكون هذا التحديث أمراً ضرورياً لا يعني أن النمو الضروري للإنتاج الزراعي يقتضي التخلي عن الحق في الأرض للجميع لمصلحة البعض. فهذا الاختيار سيعطي بالتأكيد زيادة كبيرة في إنتاج البعض، ولكن على حساب الركود للكثيرين، والأغلب أن المتوسط الذي ينتج عن هذه الزيادة بالنسبة لمجموع سكان الريف الباقين في قراهم، أو الذين هاجروا إلى العشوائيات، سيبقى ضئيلاً على المدى الطويل.

 

وهذه الحقيقة لا تقلق المدافعين المتشددين عن الرأسمالية، فالتراكم وإثراء البعض هو القانون الوحيد الذي يعترفون به، أما استبعاد "غير المفيدين" حتى إذا بلغوا المليارات فليس بالمشكلة التي تخصهم.

 

ويكشف تاريخ الصين خلال تصف القرن المنصرم أن طريقاً آخر يعمل على جذب مجموع الفلاحين إلى عملية التحديث (وبالتالي يحترم حق الجميع في الحصول على الأرض)، يمكن أن يعطي نتائج متميزة عند مقارنتها بالطريق الرأسمالي (والمقارنة بين الصين والهند في هذا المجال ذات مغزى). واختيار هذا الطريق لا يعني الأخذ بالسهل بين الأمور، فالاستراتيجيات، وآليات التدخل، والأشكال المؤسسية اللازمة لمنحه الكفاءة القصوى المرغوبة لا يمكن رسمها بشكل نهائي قاطع، ولا تصلح في كل مكان (في مجموع المقاطعات الصينية مثلاً)، وفي جميع مراحل التطور. ويكمن خطأ نموذج الكلخوزات السوفييتية، وكذلك الكوميونات الصينية، مثلها مثل التخطيط المركزي، في أنها اعتُبِرت حلولاً نهائية. وأنضم هنا إلى اقتراحات الكثير من منظمات الفلاحين الصينية، ووليام هِنتون الذين يعملون حالياً على دعم حركة متنوعة من التعاونيات الاختيارية.

 

وسواء رضينا أم أبينا، تبقى "المشكلة الزراعية" أحد المحاور الرئيسية لتحدي التحديث. والتعارض المركز/التخوم هو ذاته، لحد كبير، نتيجة متكررة لاختيار "الطريق الرأسمالي"، وآثاره على مجتمعات التخوم كارثية بشكل مستمر. و "الطريق الفلاحي" المرتبط ببقية مكونات تنظيم مرحلة من "سوق اشتراكي"، هو الرد الوحيد، الكافي نظرياً، القادر على إخراج مجتمعات العالم الثالث من حالة "التخلف"، والبؤس المتزايد الذي يصيب المليارات من البشر، ومن حالة تهميش سلطة حكوماتها في المجال الدولي.  

 

5.    إن إرث الثورة الصينية، يضغط بثِقَل إيجابي كبير، وسيستمر في ذلك.

 

إن النجاحات التي تحققت خلال العشرين سنة الماضية ـ النمو الاقتصادي المتوازن وغير العادي، والنمو الحضري الضخم (انضمام 200 مليون نسمة لسكان الحضر)، والناجح بصفة عامة، واستيعاب التكنولوجيا بشكل فائق ـ توصف بأنها "معجزة"، وهي ليست كذلك، فبدون الثورة التي وفرت الظروف اللازمة لما تحققت. وقد أشرت في كتاباتي السابقة عن الصين لوجهة النظر هذه التي يشاركني فيها أغلب المثقفين الصينيين المحترمين. ولا يدعي الجهل بها إلا الدعاة من الإمبرياليين الأمريكان وأتباعهم من الأوروبيين والصينيين. والنتائج الاجتماعية لهذه الفترة ـ التى تجسدت فى إنماء عدم المساواة الاجتماعية، وبين الأقاليم، والبطالة وتدفق الريفيين على المدن ـ والتي تناقَش كثيراً (انظر مقالي السابق)، لا تقارن بالكوارث التي تُسجل في تجارب بقية العالم الثالث الرأسمالي، بما فيها تلك الموصوفة "بالمعجزات" (ولكنها بلا مستقبل). ويجهل الكثير من الصينيين هذه الحقائق، ومن هذا المنطلق يقللون من قيمة نجاحهم. ولكن أي شخص يعرف العالم الثالث، لا يستطيع تجاهل الفروق الضخمة بين الصين وبين بقية التخوم في النظام العالمي.

 

"الصين بلد فقير لا نرى فيه سوى عدد قليل من الفقراء." والصين تطعم 22 % من سكان العالم مع أنها لا تمتلك سوى 6 % من الأراضي القابلة للزراعة في الكوكب، وهذه هي المعجزة الحقيقية. وليس السبب الأساسي في ذلك هو عراقة الحضارة الصينية، لأنه إذا كان صحيحاً أن الصين كانت تمتلك قبل عصر الثورة الصناعية، مستوى من التكنولوجيا أكثر تقدماً من بقية مناطق العالم، إلا أنها قد تدهورت طوال قرن ونصف من الزمان، وبلغت درجة من البؤس الواسع النطاق، تقارن ببقية بلدان التخوم التي خربها التوسع الاستعماري، كالهند وغيرها. وقد استعادت الصين عافيتها بهذا المستوى الذي لا ينكر بفضل ثورتها. وعلى الطرف الآخر من الأوضاع التي خلقها التوسع الرأسمالي العالمي، نجد البرازيل، وهي "بلد غني لا نرى فيه سوى الفقراء".

 

ولا يوجد سوى عدد قليل من بلدان العالم الثالث تعاني من الفقر فيما يتعلق بالنسبة بين عدد السكان ومساحة الأراضي القابلة للزراعة كالصين، ولا تقارن بها في هذا الشأن، فيما أعلم، إلا فيتنام، وبنجلاديش، ومصر. وقد تشبهها بعض مناطق من الهند، وجزيرة جاوا، ولكن ليس الهند أو إندونيسيا في مجموعهما، ومع ذلك، نرى في الهند، ومصر، وبنجلاديش، وأمريكا اللاتينية بأكملها تقريباً (باستثناء كوبا)، مناظر من البؤس تصدم أي مراقب منصف. وأي من جال في الصين، وقطع آلاف الكيلومترات بين مناطقها الغنية والفقيرة، وزار الكثير من مدنها الكبيرة، يجب أن يكون أميناً ويعترف بأنه لم يرِ بها أبداً تلك المناظر من البؤس التي لا بد أن يقابلها من يزور الريف، أو عشوائيات المدن في العالم الثالث. ولا شك أن السبب وراء هذا النجاح للصين، هو ثورتها الفلاحية الجذرية، وضمانها لحق الجميع في الحصول على الأرض.

     

لقد نقلت الثورة الصينية مجتمع هذه البلاد إلى الحداثة، والمجتمع الصيني مجتمع حديث بحق، ويتضح هذا من جميع مظاهر تصرف مواطنيه. وأعني بالحداثة، ذلك الانقطاع التاريخي والثقافي الذي يجعل البشر يشعرون بالمسئولية عن تاريخهم (انظر س. أمين، "تحديات الحداثة ... الملحق؛ و "ما وراء الرأسمالية الشائخة"). وهي حداثة غير مكتملة باستمرار، في الصين كما في غيرها، وهي تهيمن على الفكر، والأيديولوجيات، والتصرفات.

 

وهذه الحداثة تفسر لماذا لا نرى في الصين التعبير عن أولئك المهووسين شبه المثقفين الذين تعج بهم البلدان الإسلامية، والهند الهندوسية، وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء. ويعيش الصينيون حاضرهم، غير متأثرين بتلك الأنواع من الحنين إلى ماضٍ أسطوري معادٌ تشكيله، من التي تعبر عن روح العصر في بلدان أخرى، وهم لا يعانون من مشاكل "الهوية".

 

ومع أن الحداثة لا تؤدي بشكل تلقائي للديمقراطية، إلا أنها شرط ضروري لها، ولا يمكن تحقيقها بدونها، وليس هناك إلا القليل من مجتمعات بلدان تخوم العالم الرأسمالي التي حققت هذه القفزة إلى الحداثة (ولعل كوريا وتايوان تكون، على هذا المستوى، استثناءً لهذه القاعدة لأسباب معقدة ليس هنا مجال تفسيرها). وعلى العكس، فالمرحلة الراهنة تتميز بصفة عامة، على هذا المستوى، بتراجعات مخيفة تعبر عن إفلاس الرأسمالية. وكما يقول جرامشي: "يموت العالم القديم، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الجو المضيء-المعتم، ترتع الوحوش."

 

وفي هذا المجال، لا يؤدي الخطاب السائد حول الإرث الثقافي الذي يُزعم بأنه يلائم،أو لا يلائم الديمقراطية، إلا إلى المزيد من الارتباك. فهذا الخطاب يتجاهل الانقطاع الذي تحدثه الحداثة، ويمنح هذه "الثقافات" المزعومة، صفات ثابتة، عابرة للتاريخ.

 

والحداثة التي انغمست فيها الصين تمثل ورقة رابحة بالنسبة لمستقبلها، ولا أستطيع الجزم بما إذا كانت ستحقق بالسرعة الكافية أمل شعبها في الديمقراطية، وابتداع الأشكال المحققة لها. ولكن هذا ليس من باب "المستحيل"، والأمر يتوقف لحد كبير على الارتباط بين الصراعات الاجتماعية والديمقراطية.

 

وقد غيرت الثورة والانغماس في الحداثة الشعب الصيني بأكثر من أي شعب آخر في العالم الثالث المعاصر. والطبقات الشعبية الصينية لديها ثقة كبيرة بالنفس، وهي تعرف كيف تناضل، وتعرف أن النضال يؤتي ثماره، وقد تخلصت لدرجة كبيرة من مواقف الخضوع التي يلاحظ المراقب المنصف بكل أسف، تفشيها في كثير من البلدان الأخرى. لقد أصبحت المساواة قيمة مهمة من الأيديولوجية العامة كما هو الحال في فرنسا (التي قامت هي الأخرى بثورة عظمى)، والتي لا نجدها في الولايات المتحدة (التي لم تقم بثورة).

 

وتؤدي هذه التغيرات العميقة في مجموعها إلى روح نضالية عالية، وتحدث الصراعات الاجتماعية بشكل يومي، وتعد بالآلاف، وكثيراً ما تأخذ طابعاً عنيفاً، ولا تفشل على الدوام. وتعرف السلطات ذلك، وهي تعمل جهدها على كبتها، أو تجنب تبلور جبهات نضال تتجاوز النطاق المحلي (بمنع التنظيم المستقل للطبقات الشعبية)، أو تخفيف أخطارها باستخدام فنون "الحوار"، والتلاعب. ولا تُعجب هذه الصراعات، على ما يبدو، المدافعين الغربيين عن "حقوق الإنسان"، فالديمقراطية في خدمة الصراع الطبقي أمر لا يهمهم، بل لعلها تقلق البعض منهم. وفي المقابل، فإن المطلب الديمقراطي الذي يدافعون عنه جميعاً بشدة، ويصدعون آذاننا به، هو قضية "اللبراليين" الذين تحاول السلطة كذلك، التخفيف من ضراوة دفاعهم عن فضائل الرأسمالية.

 

6.  وتحتل القضية الوطنية كذلك، مكاناً مركزياًُ في المجادلات الصينية، وفي الصراعات السياسية التي تثور بين أنصار الخطوط المختلفة للتطور.

 

لقد تعرضت الصين للعدوان الإمبريالي المستمر منذ عام 1840، وحتى 1949، مثلها مثل جميع بلدان آسيا وأفريقيا. وعرف المعتدون كيف يقيمون تحالفات مع الطبقات الرجعية السائدة المحلية، من "إقطاعيين"، وكمبرادور (بل إن هذه التسمية كانت من صياغة الشيوعيين الصينيين)، ولوردات الحرب. وأعادت حرب التحرير التي قادها الحزب الشيوعي الصيني للصين كرامتها، ووحدة أراضيها (ولا تبقى بلا حل حتى اليوم سوى مشكلة تايوان). ويعرف جميع الصينيين ذلك.

وعلى الرغم من الروح الإقليمية التي تخلقها ضخامة البلاد بالضرورة، فإن الأمة الصينية (الهان) حقيقة واقعة (وأرحب بذلك). والمشكلتان القوميتان الوحيدتان اللتان تداران بطريقة قد تسمح بالنقاش، هم قضيتا التبت، والأويغور (المسلمين). وإن كنت لا أوافق بالمرة على وجهة نظر المدافعين المزعومين "عن الديمقراطية" الذين يمجدون ـ ويعملون في خدمة ـ "اللامات" "والملالي" الذين، بالإضافة إلى ظلاميتهم، قد استغلوا دائماً، بوحشية همجية، شعوبهم إلى أن حررتهم الثورة الصينية منهم. وتستغل الإمبريالية باستمرار نقط ضعف النظام هذه.

 

وسأسير خطوة أخرى في التعبير عن توقعاتي، فقد أتيحت لي الفرصة لمناقشة مشاكل في غاية التنوع مع بعض القادة من ذوي المستوى المتوسط (وليس أكثر)، ممن يشغلون مراكز ذات طبائع مختلفة. وتقديري (ولعلني أعمم أكثر من اللازم؟) أن من يديرون الشئون الاقتصادية يميلون أكثر نحو اليمين، في حين أن من يمارسون السلطة السياسية لديهم وضوح كامل بالنسبة لنقطة أعتبرها أساسية، ألا وهي: أنهم بصفة عامة، يعتبرون التسلطية الأمريكية العدو الأول للصين (كأمة ودولة، لا لمجرد أنها "اشتراكية"). وهم يعلنون ذلك بصراحة، وكثيراً. ويدهشني كثيراً، على هذا المستوى، الفرق بين أقوالهم، وبين ما كان يقوله (عن اقتناع على ما يبدو) القادة السياسيون السوفييت، (ومن باب أولى قادة الديمقراطيات الشعبية). فقد بدا لي هؤلاء دائما غير واعين بالأهداف الحقيقية لواشنطن وحلفائها الغربيين من ورائها. والخطاب من عينة ما أعلنه جورباتشوف عام 1985 في ريكيافيك ـ بسذاجة لا تُصدق ـ  عن "نهاية" عداء الولايات المتحدة للاتحاد السوفييتي، أمر لا يمكن حدوثه في الصين. وقد كنت بغد هذا الخطاب بالصدفة في بيجين، وعبر جميع الصينيين عن اندهاشهم من هذه الحماقة، وزادوا قائلين بلا تردد: إن الولايات المتحدة هي عدونا، بل عدونا الأساسي، وستبقى كذلك. 

 

ولدى الصينيين وعي قوي بالمكانة التي حازتها أمتهم عبر التاريخ، واسم بلادهم ، تشونج كو ـ لا يشير إلى أية "إثنية" متميزة، بل يعني "إمبراطورية الوسط" (واسم جمهورية الصين الشعبية، يُقرأ بالصينية: "الجمهورية الشعبية لإمبراطورية الوسط"!) وهم لم يتحملوا أبداً تدهور أمتهم. ولهذا السبب اتجهت الإنتلجنتسيا الصينية دائماً بأنظارها نحو "النماذج" الخارجية التي تصلح، في نظرهم، لاكتشاف ما يجب عليهم عمله ليعيدوا الصين إلى المركز اللائق بها في العالم الحديث. ومنذ الرابع من مايو 1919، كان هذا النموذج إما اليابان (في نظر الكومنتانج)، وإما روسيا الثورية (التي انتصر نموذجها في النهاية لأنها ربطت بين النضال ضد الإمبريالية، وبين تحول اجتماعي ثوري شارك فيه الشعب بأكمله). واليوم، واليابان في أزمة، وروسيا قد انهارت، وحتى أوروبا تجتهد في محاكاة الولايات المتحدة، يلوح خطر ألا ترى الصين الحداثة والتقدم إلا عبر "النموذج الأمريكي"، رغم أنه خصمهم كما كانت اليابان بالأمس. فالصين كأمة عظمى، لا تقارن نفسها إلا بأقوى من في الساحة.

 

ولا أقلل بالمرة من الأخطار الجسيمة التي تنطوي عليها هذه النظرة، فهي تغذي في الجيل الجديد وهم "الصداقة الأمريكية". وهي تساهم في نسيان الأهمية الحاسمة للتصدي لروح التسيد العدوانية الأمريكية التي تقف ضد إعادة بناء الحركة الدولية التضامنية للشعوب. حيث تقف خلف الطبقات الحاكمة الأوروبية المتراصة خلف استراتيجية واشنطن للدفاع عن المصالح المشتركة لرأس المال المسيطر لإمبريالية الثالوث الجديدة، شعوب لا تنظر للحداثة بالمنظار الذي تريد النيولبرالية المعولمة، والمتأمركة، فرضه. وخلف السلطات الكمبرادورية المتحفزة في بلدان العالم الثالث، توجد شعوب نجحت من قبل في دفع إمبريالية عصرها للوراء بتفعيل تضامن الشعوب الأفرو-آسيوية عبر حركة عدم الانحياز. وكان لبناء الصين لخط سكة الحديد بين تانزانيا وزامبيا (تانزام)، وهي المبادرة الوحيدة التي حررت بلدان الجنوب الأفريقي من التبعية لنظام حكم الأبارتهيد لجنوب أفريقيا، و كذلك لدور الأطباء الصينيين الذين تغلغلوا إلى القرى النائية في أفريقيا، أثراً كبيراً في اكتساب الصين في تلك الفترة شعبية كبيرة في أفريقيا. وإعادة الحياة لروح التضامن بين الشعوب الآسيوية والأفريقية في وجه العدوان الوحشي للتسلطية الأمريكية في الحاضر والمستقبل، يمثل واجباً على أعلى درجة من الأهمية للاستراتيجية المعادية للاستعمار للصين وللآخرين. وهو الشرط لكي لا يتصدر المسرح في مجال مقاومة الإمبريالية أمثال صدام حسين، وبن لادن.

 

7.  مدت جميع الثورات الكبرى ـ الفرنسية أو الروسية أو الصينية ـ بصرها إلى ما وراء "المتطلبات المباشرة للحظة"، والتحولات الضرورية العاجلة لمجتمعاتها. فجمهورية الإخاء الشعبية التي كانت ثورة 1793 تريد بناءها "فوراً"، والشيوعية التي قام الروس والصينيون بثورتهم تحت لوائها، كانت اليوطوبيات الخلاقة المرتقبة في مستقبل بعيد.

 

وعليه يجب ألا نندهش من أن جميع الثورات الكبرى، تلتها تراجعات، وحركات "إعادة"، و"ثورات مضادة". ولكن إذا كانت هذه التراجعات قد نجحت في إعادة البندول إلى الوراء، فإنها لم تنجح في محو البذار الخصب للرؤى الثورية الواسعة الأفق. والثورات الصغيرة وحدها ـ التي قد لا تستحق الوصف بالثورة ـ مثل الثورة الإنجليزية "المجيدة" لعام 1688، (ويا له من مجد)، أو الثورة الأمريكية التي لم تغير شيئاً من النظام الاجتماعي الاستعماري، واكتفت بنقل السلطة السياسية من الدولة الأم إلى المستعمرين، هي وحدها التي تستطيع أن تتفاخر بأنها "نجحت بنسبة 100 %"، لأنها لم تفعل أكثر من تسجيل ما كان سيحدث تلقائياً في المجتمع.

 

ومع ذلك فالتراجع شيء خطير على الدوام، فهو يهدد روسيا اليوم بالاندثار تقريباً كأمة، دون ظهور أية إشارات على التعافي. وهو يهدد الصين بالغرق في مستنقع طريق رأسمالية التخوم التي لا مستقبل لها.

 

وليس من الصعب وضع قائمة بالظواهر السلبية التي تعبر عن الحقيقة القائمة فعلاً، والتي تنذر بالأخطار.

 

والبرجوازية الصينية الجديدة لا تقل في أنانيتها وابتذالها عن البرجوازيات الكومبرادورية في بلدان العالم الثالث المعاصرة. وهي لا تحتل (حتى الآن؟) واجهة المسرح السياسي، ولكنها لا تُعدَم الوسائل (بالإفساد ضمن وسائل أخرى) للتأثير على القرارات.

 

ويبدي شباب الطبقة الوسطى المزدهرة مظاهر "الأمركة" السطحية في تعبيراتها المباشرة، ولكنها تخفي تباعداً خطيراً عن السياسة. وكان أبناء العمال يذهبون فيما مضى للاتحاد السوفييتي لتعلم صناعة محركات الطائرات. أما أبناء الطبقة الوسطى الجديدة، فيذهبون للولايات المتحدة لتعلم "إدارة" الفنادق!     

 

وفي ظل هذه الظروف، يبقى مستقبل الصين محوطاً بالشك، فالنضال من أجل الاشتراكية لم يحقق الانتصار، كما أنه لم ينته بالهزيمة (حتى الآن؟). وفي رأيي أنه لن يُهزم إلا إذا قرر النظام الصيني يوما ما، التخلي عن ضمان الحق في الأرض لجميع الفلاحين، كما حاولت التدليل عليه أعلاه. وحتى الآن ما زالت الفرصة قائمة أمام الصراعات السياسية والاجتماعية للتأثير على مجرى التطورات.

 

وتعمل الطبقة السياسية الحاكمة على السيطرة على هذه الصراعات بالالتجاء إلى دكتاتوريتها البيروقراطية. وهناك جزءٌ من هذه الطبقة يعتقد كذلك أنه يستطيع باستخدام نفس الوسائل منع ظهور البرجوازية. والبرجوازية والطبقات المتوسطة في مجموعها ليست مستعدة للنضال من أجل الديمقراطية (على الطريقة الأمريكية)، فباستثناء بعض المُنظِّرين، تقبل هذه الطبقات دون اعتراض نموذج الأتوقراطية "على الطريقة الآسيوية"، بشرط أن تسمح لها بإشباع شهيتها كمستهلكين. أما الطبقات الشعبية فتناضل من أجل الدفاع عن حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، فهل ستتمكن من توحيد معاركها، وابتداع أشكال ناجعة من التنظيم، ووضع برنامج إيجابي بديل، وتحديد مضمون الديمقراطية التي يمكن أن تخدمها، ووسائلها؟ يبدو لي هذا جميعه ممكناً جداً على المدى الطويل، أخذاً في الاعتبار ما تحدثنا عنه آنفاً بالنسبة للشعوب التي مرت بثورة عظمى، أما على المدى المتوسط، فلا أستطيع التكهن.

 

ولهذا يبدو لي أن كلاً من السيناريوهات الأربعة التي رسمتها في مقالٍ سابق ممكن التحقيق.

 

وأفضل هذه السيناريوهات ينطوي على الانعطاف في اتجاه بناء اشتراكية السوق بوصفها مرحلة في التحول الطويل نحو الاشتراكية العالمية.

 

أما الأسوأ، الذي لم تتخلَ الإمبريالية أبداً عن تحقيقه، فسينتهي بانفجار الصين، لأنها "قوة أكبر من اللازم"، في نظر حكام واشنطن.

 

وبين هذين الخيارين، يظل الإبقاء على "الحل الوسط" أو اتجاهه نحو اليمين، مع الحفاظ على وحدة البلاد، ودون إجراء تنازلات نحو الديمقراطية، هو البديل الأقرب إلى التحقق في المدى القصير. ويبقى أن هذه الحلول الوسط لا تستطيع أن تضمن، لا استقرار هذا الشكل الخاص من "الرأسمالية على الطريقة الصينية" (حتى مع تسميتها "اشتراكية على الطريقة الصينية")، ولا حتى، في رأيي، التحديث الاقتصادي المتسارع.  

 

!أتصلوا بنا ألفهرس أبحث

 

الرجا إرسال أية أسئلة أو ملاحظات إلي ألمنتدي
ftm.messages@ifrance.com

Copyright © 2003  منتدى العام الثالث
Last modified: 01/23/04