[En construction] 

العمل في هذا الموقع دائم
 و لا يتوقف

[!أتصلوا بنا]
[ألفهرس]
[أبحث]

من أجل إرساء أسس جديدة للتضامن بين شعوب الجنوب

 

 

سمير أمين

 

تهدف هذه الورقة إلي تقديم مساهمة فى نقاش مستقبل التضامن بين شعوب الجنوب. وفي الحقيقة يبدو أن التضامن بين بلدان الجنوب الذي كان حاضرًا بقوة منذ مؤتمر باندونج (1955) حتي  مؤتمر كانكون نيودلهى (1981)، سواء كان تضامنًا سياسيًا (حركة عدم الإنحياز) أم اقتصاديًا (المواقف المشتركة التي اتخذتها مجموعة الـ 77 داخل مؤسسات الأمم المتحدة، وخاصة الأنكتاد) ـ هذا التضامن لم يعد قائمًا الآن.

ولا شك أن النمط الحالي لاندماج بلدان الجنوب في المؤسسات الدولية الثلاث المعينة الآن بهذا الاندماج (منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي) يستهدف بالأساس إضعاف مجموعة الـ 77، ومجموعة القارات الثلاث (التي لم تعد قائمة الآن)، وحركة عدم الانحياز (والتي تكشف رغم هذا عن علامات لإحياء ممكن). ويسهم أيضًا في الاتجاه السابق: ازدياد الفجوات التنموية داخل نسق مجموعة الـ 77، وذلك بفعل بروز بلدان أعضاء في المجموعة تنخرط بشكل جاد في عملية التصنيع وتنافس في السوق العالمية مع كل من بلدان الثالوث (الولايات المتحدة وأوربا واليابان) ومع بلدان جنوبية أخري تضمها مجموعة الـ 77، ومن ناحية أخري تضم المجموعة بلدانًا أخري أصبح يشار إليها بمصطلح العالم الرابع.

لم تعد مصالح جميع بلدان الجنوب واحدة تمامًا وبما يسمح لها بصياغة دفاع جماعي. ويتضح هذا بشكل أساسي من انحسار اهتمام بعض الأطراف في الشروط قصيرة الأمد والمباشرة الحاكمة "للفوائد" التي تنتظرها ـ أو تتصور أنها تستطيع استخلاصها ـ من العولمة الليبرالية. ولكن هذا ليس صحيحًا علي المدى الطويل لأن المنظومة الرأسمالية القائمة ليس لديها الكثير الذي تستطيع أن تقدمه للطبقات الشعبية في الجنوب، ولا حتى لبلدان لا ترغب هذه المنظومة في مساعدتها "للحاق"، أو بعبارة أخري لتأكيد نفسها كشركاء أنداد للكيانات المركزية (الثالوث) في تشكيل النظام العالمي.

ولكن الوعي بضرورة التضامن بين بلدان الجنوب يبدأ في التبلور ثانية من زاوية سياسية. إذ إن الغطرسة الأمريكية واضطلاعها بخطة "للسيطرة علي العالم بالوسائل العسكرية" عبر اصطناع سلسلة لا تنتهي من الحروب "المصنوعة في الولايات المتحدة"، تخطط لها وتقررها واشنطون بمفردها، تمثل السبب الجذري للمواقف التي اتخذت مثلاً في قمة عدم الانحياز في كوالالمبور (فبراير 2003).

 

[1] نظرة علي الماضي:

مرحلة باندونج (1955 ـ 1981)

شهدت باندونج عام 1955 الاجتماع الأول من نوعه لقادة البلدان الآسيوية والأفريقية التي كانت قد نالت استقلالها للتو.

لم يكن هناك تطابق كامل بين أولئك القادة، حيث اختلفت الحركات السياسية والأيديولوجية التي يمثلونها، كما تباينت رؤاهم لمستقبل المجتمع الذي يرغبون في بنائه أو إعادة بنائه، وللعلاقات مع الغرب. ورغم هذا كان هناك مشروع مشترك قّرب بينهم وأعطي معني لعملية توحدهم. وتمثل برنامجهم الأساسي الأول في أستكمال تصفية الاستعمار سياسيًا في آسيا وأفريقيا، ولكنهم أيقنوا أيضًا أن الاستقلال السياسي يمثل وسيلة للوصول إلي الغاية النهائية، وهي تحقيق التحرير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وعلي الرغم من وجود اختلافات وفروق بين بلدان عدم الانحياز فيما يتعلق ببناء اقتصاد ومجتمع مستقلين (حتي ولو في إطار الاعتماد المتبادل العالمي) فقد كان هناك اتفاق علي درجة معينة من "الصراع" مع الغرب المسيطر  (وإن كان الجناح الراديكالي قد رأي ضرورة انتزاع السيطرة علي الاقتصاد الوطني من أيدي الاحتكارات الأجنبية).

وفوق هذا، وفي سياق التطلع لحماية الاستقلال المنتزع، رفضت هذه البلدان الدخول في المباراة العسكرية العالمية، أو أن تصبح قاعدة لحصار البلدان الاشتراكية والذي حاولت فرضه نزعات الهيمنة الأمريكية. بيد أنها رأت في الوقت نفسه أن رفضها الانضمام للمعسكر الأطلنطي لا يعني بالضرورة وضعها تحت حماية الاتحاد السوفيتي. وكانت المحصلة لهذا الموقف هي "الحياد" أو "عدم الانحياز". ومن هنا كان الاسم  الذي حملته المجموعة والمنظمة التي نشأت في سياق روح باندونج.

* ومن خلال تواتر مؤتمرات "عدم الانحياز" في عقدي الستينيات والسبعينيات تجمعت كل بلدان آسيا وأفريقيا تقريبًا بالإضافة إلي كوبا، وعبرت من ناحية عن مواقف التضامن السياسي المبني علي دعم نضالات التحرر، ورفض الأحلاف العسكرية، ومن ناحية ثانية رفعت نوعًا من المطالب الاقتصادية "النقابية" في وجه "الشمال". وقامت حركة عدم الانحياز بتجميع شعوب، إن لم يكن دول أمريكا اللاتينية (التي لم يسبق لها قط أن انضمت لكيان يضم القارات الثلاث). وعبرت مجموعة الـ 77 (أي مجمل العالم الثالث) عن هذا التحالف الجنوبي الواسع الجديد. وفي عام 1975، وبعد حرب أكتوبر 1973 ومراجعة أسعار النفط، تشكل وضع جديد سمح ببدء المعركة حول "نظام اقتصادي دولي جديد"، وهو التطور الذي كان له رد فعله من جانب ريغان وحلفائه الأوربيين.

ورغم عدم الوضوح والغموض الغالبين علي الاقتصاد السياسي لحركة عدم الانحياز، فمن الممكن تحديده في العناصر التالية:

ـ الرغبة في تطوير القوي الإنتاجية وتنويع هياكل الانتاج (التصنيع بشكل خاص).

ـ الرغبة في إيكال القيام بهذه العملية ومراقبتها للدولة الوطنية.

ـ الاعتقاد بأن النماذج "الفنية" تشكل بيانات "محايدة" لا يمكن إعادة إنتاجها إلا من خلال السيطرة عليها.

ـ الاعتقاد بأن هذه العملية لا نتطلب بالدرجة الأولي مبادرة شعبية، وإنما تتطلب الدعم الشعبي لما تقوم به الدولة.

ـ الاعتقاد بأن هذه العملية لا تنطوي بالضرورة علي تناقض مع المشاركة في معاملات داخل  المنظومة الرأسمالية العالمية، حتي لو نتج عن العملية صراعات مؤقتة داخل هذه المنظومة.

ولقد ساعد بدرجة ما علي نجاح هذا المشروع ظروف التوسع الرأسمالي خلال فتره 1955 ـ 1970. وتكشف هذه الصفحة في تاريخ عدم الانحياز عن تحولها منذ عام 1980 مع دخول النظام العالمي إلي مرحلة من إعادة الانتشار علي أساس عولمة نيوليبرالية. ولكن هل هي تحولت حقًا؟

إن أشكال مقاومة الرؤية المعولمة الراهنة قد احتدمت في جميع أنحاء العالم، في الشمال والجنوب علي السواء. وفي هذا السياق يمكننا تصور بعث محتمل لحركة عدم الانحياز حتي تصبح "عدم انحياز للعولمة الليبرالية ولنزعات الهيمنة الأمريكية".

 

[2] إحياء جبهة الجنوب

* قمة كولا لمبور:

ربما أدهشت قمة عدم الانحياز في كوالا لمبور (فبراير 2003) بعض الدوائر البليدة التي تكونت لديدها قناعة بأن الجنوب لم يعد عاملاً يعتد به في العولمة الليبرالية الجديدة. فقد بدت لهم بلدان الجنوب غير قادرة من الآن فصاعدًا على أن تقف موقف التحدي للنظام الرأسمالي الدولي الذي حاولت مقاومته في الفترة من 1955 إلي 1981، وذلك بعد أن أخضعت لمشاريع التكيف الهيكلي المدمرة، وكبلت بالديون وأعباء خدمتها، وأحكمت البرجوازية الكمبرادورية قبضتها علي مقاليد الحكم فيها.

جاءت الدهشة أساسًا بسبب إدانة حركة عدم الانحياز للاستراتيجية الإمبريالية التي تعتمدها واشنطون، وجنوحها المتطرف والإجرامي نحو السيطرة العسكرية علي الكوكب، ونشر مشروعها الإمبراطوري من خلال سلسلة حروب "صناعة أمريكا"، أي تخطط لها وتقررها أمريكا بإرادتها المنفردة.

لقد أصبحت بلدان الجنوب علي وعي بحقيقة أن الإدارة النيوليبرالية للعولمة ليس لديها فوائد تقدمها لهذه البلدان، فهي تتطلب استخدام العنف العسكري لإرساء النظام النيوليبرالي، أي الاضطلاع باللعبة وفق تخطيط المشروع الأمريكي. ومن ثم فإن الحركة آخذة في التحول. وفق تصورنا لتصبح "عدم انحياز لعولمة الليبرالية والهيمنة الأمريكية".

إن كلاً من انهيار "الاشتراكية" السوفيتية، والمسار الذي اتخذته الصين، وانهيار النظم الشعبوية في العالم الثالث، قد خلقت الانطباع المخادع بأنه "ليس من بديل"، وأن كل الممكن هو تلبية مقتضيات النيوليبرالية المعولمة، والانخراط في اللعبة بشروطها علي أمل الحصول علي بعض المزايا منها. بيد أن مرور بضع سنوات قليلة كان كفيلاً بأن تكشف الممارسة العملية عن خطل الآمال الساذجة المعقودة علي هذا المنطق "الواقعي" المزعوم.

خطوط علي طريق تحالف واسع

كأساس لإعادة بناء فعلية

للتضامن بي نشعوب ودول الجنوب

إن المواقف والأفكار التي أعلنت عنها بعض دول الجنوب تشير إلي خطوط رئيسية يمكن السير علي هديها لإعادة إحياء "جبهة الجنوب". وقد تناولت هذه المواقف الجانبين السياسي والاقتصادي لإدارة عملية العولمة.

(أ) ففي الجانب السياسي: كانت إدانة المبدأ الجديد الذي تبنته سياسة الولايات المتحدة والمسمي "الحرب الاستباقية"، والمطالبة بإجلاء جميع القواعد العسكرية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

فلم تتوقف الولايات المتحدة عن التدخلات العسكرية منذ عام 1990 في الشرق الأوسط (في العراق، وفي فلسطين من خلال التأييد غير المشروط لإسرائيل)، وفي دول البلقان (يوغوسلافيا، القواعد الأمريكية الجديدة في المجر ورومانيا وبلغاريا)، وفي آسيا الوسطي وإقليم القوقاز (أفغانستان، وآسيا الوسطي وإقليم القوقاز اللذين كانا تحت النفوذ السوفيتي سابقًا).

وقد استهدفت واشنطون من هذا عدة جوانب، من بينها: أولاً، التحكم في أهم أقاليم إنتاج النفط في العالم، وممارسة الضغوط في هذا السياق لإنزال أوربا واليابان إلي مرتبة الحلفاء الخاضعين. ثانيا، إقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة في قلب "العالم القديم" (وهو مساحة مترامية مركزها آسيا الوسطي وتمتد إلي باريس وجوهانسبرج وموسكو وبكين وسنغافوره)، ومن ثم الاستعداد لحروب استباقية مستقبلية أخري ضد بلدان قوية يرجح أن تفرض نفسها كشركاء ومن ثم "لا مفر من التفاوض معهم" (الصين في المقام الأول، وكذلك روسيا والهند).

وربما يتحقق هذا الهدف عن طريق أن تقام في بلدان هذا الإقليم نظم حكم عملية تفرضها الولايات المتحدة باستخدام القوة المسلحة. ولقد أضحي واضحًا لكل من بكين ودلهي وموسكو أن الحروب "صناعة أمريكا" تشكل تهديدًا في النهاية للبلدان الثلاثة أكثر من ضحاياها المباشرين مثل العراق.

وبالعودة إلي باندونج، أصبحت مناهضة القواعد الأمريكية في آسيا وأفريقيا مسألة بالغة الإلحاح، حتي وإن كانت بلدان عدم الانحياز قد اضطرت بسبب الضغوط الراهنة إلي الصمت إزاء وضع الحماية الذي تفرضه السياسة الأمريكية علي إقليم الخليج.

وفي كوالالمبور اتخذت البلدان الأعضاء في حركة عدم الانحياز قريبة من المواقف التي اتخذتها فرنسا وألمانيا في مجلس الأمن الدولي، وهو الأمر الذي يساعد في تكثيف العزلة الدبلوماسية والأخلاقية للمعتدي. كما ساعده القمة الفرنسية ـ الأفريقية من جانب آخر علي تدعيم التحالف الفعلي الآخذ في التشكيل بين أوربا والجنوب، خاصة وأن المؤتمر لم يكن خاصًا بأفريقيا الناطقة بالفرنسية وإنما ضم أيضًا بلدان أفريقيا الآخري الناطقة بالإنجليزية.

(ب) ومن ناحية الإدارة الاقتصادية للنظام العالمي، تشكلت خطوط عريضة لبديل يمكن للجنوب أن يدافع عنه بشكل جماعي، نظرًا لما تبين من مصالح مشتركة لبلدانه في هذا الصدد.

فأولا، تبلورت فكرة ضرورة التحكم في انتقالات رأس المال الدولي، وفي الحقيقة أن هناك هدفًا أوحد يستهدفه رأس المال من خلال تدشين الوصفات الرأسمالية لصندوق النقد الدولي لدوجمائية جديده "لليبرالية"، ألا وهو تسهيل انتقال كبير لرأس المال إلي الولايات المتحدة لتغطية العجوزات المتزايدة فيها، والتي تعد في الوقت نفسه نتاجًا لعجز اقتصادها، ولنشر استراتيجية السيطرة العسكرية علي الكوكب.

وليس لبلدان الجنوب أية مصلحة في تسهيل ضخ رؤوس أموالها، فضلاً عن الخسائر الهائلة التي تلحق بها بسبب غارات المضاربين.

ونتيجة لهذا، فإن الخضوع لكل صور عدم اليقين المضمنة في نظام ذي معدلات مرنة في التغير، والذي يأتي كمحصلة منطقية للحسابات الرأسمالية، هذا الخضوع آن له أن يكون موضع سؤال. وإن التنظيمات الإقليمية التي تضمن الاستقرار النسبي للمبادلات، ينبغي أن تؤسس باعتبارها بديلاً فعالاً، وبالإمكان الدراسة المتأنية لهذا من خلال البحوث والمفاوضات المنتظمة داخل حركة عدم الانحياز ومجموعة الـ 77.

وقد تصادف مع الأزمة المالية التي ضربت آسيا عام 1997 أن اتخذت ماليزيا المبادرة من أجل استعادة السيطرة علي البورصات، وربحت المعركة، وهي الحقيقة التي لم يجد صندوق النقد الدولي مفرًا من الاعتراف بها.

ثانيا، عودة فكرة تنظيم الاستثمارات الأجنبية علي السطح. ومن المؤكد أن بلدان العالم الثالث لا تتصور غلق أبوابها أمام كل صور الاستثمار الأجنبي، مثلما تصور البعض في الماضي. بل علي العكس من هذا هناك رغبة قوية في الحصول علي استثمارات مباشرة. ولكن التدابير الخاصة بتلقي ونشاط هذه الاستثمارات أصبحت محل مراجعة نقدية، وخاصة من جانب حساسية قطاعات حكومية بعينها إزاء تلك الاستثمارات.

ومن خلال فكره التنظيم هذه يمكن التصدي لمعايير حقوق الملكية الفكرية والصناعية التي تريد فرضها منظمة التجارة العالمية. ومن المفهوم أن تلك المعايير أبعد ما تكون عن تعزيز المنافسة "النزيهة" في الأسواق المفتوحة، وإنما تهدف أساسًا إلي تقوية احتكارات الشركات متعددة القوميات.

ثالثا، أدرك الكثير من بلدان الجنوب ثانية أنها لاتستطيع الاستمرار بدون تبني سياسة لتنمية الزراعة الوطنية تأخذ في اعتبارها الحاجة إلي حماية الفلاحين من النتائج المدمرة للإسراع بعمليات اندماج تخضعهم لنفوذ معايير "المنافسة الجديدة" التي تريد منظمة التجارة العالمية إرساءها في هذا المجال، كما يجب أن تأخذ تلك السياسة الزراعية في اعتبارها ضرورة الحفاظ علي الأمن الغذائي علي المستوي الوطني.

وفي الحقيقة أن فتح أسواق السلع الزراعية يسمح للولايات المتحدة وأوربا وعدد  قليل من بلدان الجنوب (في جنوب أمريكا) بتصدير فوائضها لبلدان العالم الثالث، وهو ما يعرض لخطر حقيقي أهداف الأمن الغذائي الوطني، ودونما  تقديم تعويض مناسب، خاصة وأن إنتاج فلاحي العالم الثالث يواجه صعوبات لا قبل له بها في أسواق الشمال. ومن ثم فإن هذه الاستراتيجية الليبرالية تؤدي فعليًا إلي إقصاء أولئك الفلاحين، وتفاقم مستويات هجرتهم من  المناطق الريفية إلي التجمعات العشوائية الحضرية، وهو ما يشير إلي عودة بروز النضالات الفلاحية في الجنوب، والتي أصبحت الآن من مصادر القلق للسلطات العامة.

وعادة ما تتم مناقشة المسألة الزراعية في اجتماعات منظمة التجارة العالمية من زاوية واحدة، ألا وهي زاوية دعم أوربا والولايات المتحدة للمنتجات والصادرات الزراعية لفلاحيها. ولاشك أن هذا التركيز علي تلك المسألة الأحادية يتعمد علي طول الخط طمس جميع القضايا التي سبق لنا الإشارة إليها. فضلاً عن أنه يخلق التباسات غريبة، إذ يدعو بلدان الجنوب إلي اتباع سياسات أكثر ليبرالية حتي من تلك التي تتبعها حكومات الشمال، وذلك وسط ترحيب البنك الدولي (ولكن منذ متي دافع هذا البنك عن مصالح بلدان الجنوب في مواجهة مصالح الشمال؟). لا يوجد أي مبرر لعدم الفصل بين الدعم الذي تمنحة الحكومات لفلاحيها (فإذا كنا ندافع عن مبدأ إعادة توزيع الدخل في الجنوب يكون من حق بلدان الشمال أن تفعل الشيء نفسه!) وبين إغراق الأسواق بالصادرات الزراعية القادمة من الشمال.

رابعًا، لم يعد من المقبول النظر فقط إلي الدين كمجرد عبء اقتصادي غير محتمل. إذ إن شرعيته من الأصل دخلت حيز المساءلة الآن. وتتبلور الآن مطالبة بالتوقف عن سداد الديون الضخمة وغير المشروعة، علي أمل تمهيد الطريق من أجل إرساء قانون دولي للدين، وهو القانون الذي لم يوجد بعد.

إن نشأه مراقبة أو مراجعة للديون سوف تجعل من الممكن بالفعل عزل قسم كبير من الديون غير الشرعية والمجحفة وأحيانًا الإجرامية. ولاشك أن المصالح الأنانية وراء تلك الديون قد وصلت إلي مستويات تبرر شرعية المطالبة بإلغاء الديون الحالية، كما تكشف عن أن عمليات السداد بالشروط القائمة قد أصبحت وسيلة بدائية حقًا للنهب. ومن ثم فإن فكرة تنظيم الديون الخارجية بواسطة تشريع عادي ومدني (مثلها مثل الديون الداخلية) يمكن تطويرها من خلال حملة عالمية تستهدف تعزيز القانون وفرض مشروعيته. ومن الواضح للكافة أن القانون الدولى يتصف بالصمت التام في هذا القطاع، حيث إنها مسألة متروكة تمامًا للحسم بواسطة موازين القوي الخشنة. وإن نشأه علاقات جديدة في هذا الصدد تجعل من الممكن إدخال عنصر الشرعية علي الديون الدولية، وبحيث يتسني مثول كل من المقرض والمقترض أمام المحكمة "بتهمة التواطؤ الإجرامي" مثلما هو المتبع مع الديون المحلية.

[3] منظورات دولية جديدة.

لقد أصبح النظام العالمي، وبمقتضي هياكله الرئيسية، مختلفًا كلية عن النظام الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية وأمكن خلاله بناء تحالف باندونج. فلقد وقعت البلدان غير المنحازة في وسط ثنائية قطبية عسكرية حالت ـ في حد ذاتها ـ دون التدخل الفظ للبلدان الإمبريالية في شئونها الداخلية أو الخارجية. وفوق هذا، ساعدت هذه الثنائية في صياغة معسكر موحد يضم المراكز الرأسمالية معًا. أي الولايات المتحدة وأوربا الغربية واليابان. وكان لابد للنضال السياسي والاقتصادي من أجل التحرير والتنمية في آسيا وأفريقيا من أن يضع دولها في مواجهة مع تلك الجماعة الإمبريالية الموحدة. وإزاء هذا التحدي تبنت تلك البلدان مفاهيم التنمية المتمحورة علي الذات وفك الارتباط.

أما اليوم فإن النظام العالمي يتسم بأحادية القطبية العسكرية. وفي الوقت ذاته تبدوهناك انقسامات طفيفة بين الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوربية بشأن الإدارة السياسية للنظام المعولم الذي يتخذ سمتًا ليبراليًا، علي الأقل من حيث المبدأ. ولكن هل ترجع هذه الخلافات إلي الأسباب الاقتصادية وحدها؟ وهل هي خلافات محدودة النطاق أم تنذر بتغيرات دائمة؟

إن الفرضيات التي نوردها هنا تشكل أساسًا لمقترحات استراتيجية في هذا السياق الجديد، علي أمل تسهيل إجراء مزيد من النقاشات علي سبيل بلورتها.

 

الفرضية الأولي: الإمبريالية أصبحت الآن إمبريالية جماعية (ثالوث)

في المراحل السابقة من نشر العولمة الرأسمالية، اتسمت العلاقات بين المراكز بالمنافسة العنيفة المتواصلة، إلي الحد الذي جعل الصراع بين الإمبرياليات أهم ملامح المشهد التاريخي. ونظرًا لعودة الليبرالية المعولمة منذ الثمانينيات، كان لابد من المراجعة  البنيوية لمركز النظام بما يضمن أن تشكل الدول المكونة للثالوث كتلة صلبة، علي الأقل من زاوية الإدارة الاقتصادية الليبرالية.

إن السؤال الذي لا مفر من إيجاد إجابة عليه هو ما إذا كانت هذه التطورات تمثل تغيراً كيفيًا ثابتًا بأن تصبح المراكز "جماعية"، أم أن الأمر يعود للظروف الاقتصادية فقط.

من الممكن نسبة هذا التطور إلي تغير الشروط التنافسية. فقبل عقود قليلة من السنين خاضت الشركات الكبري معركتها التنافسية في الأسواق القومية أساسًا، ومن بينها سوق الولايات المتحدة (أكبر سوق قومية في العالم) وأسواق الدول الأوربية (بالرغم من حجمها المتواضع نسبياً والتي لا يمكن مضاهاتها بالسوق الأمريكية). وكان بإمكان الفائزين في "الجولات" القومية أن يحتلوا موقعًا مثاليًا في السوق العالمية. أما اليوم فإن حجم السوق المطلوب الفوز بها كجولة أولي يقدر بحوالي 500 إلي 600 مليون "مستهلك محتمل". ومن ثم فإن المعركة لابد أن تخاض في السوق العالمية مباشرة، وأن يحقق الفوز علي هذه الساحة. ومن يفوز بالمباراة في هذه السوق هم الذين سيفرضون أنفسهم بعد ذلك علي أراضيهم الوطنية نفسها. ومن ثم تصبح العولمة المتسعة هي الإطار العملياتي للشركات الكبري. وبعبارة أخري فإن شروط السببية قد اختلفت. ففي الماضي كانت القوه الوطنية تملي الحضور علي المستوي العالمي، أما اليوم فالعكس هو الصحيح. ونتيجة لهذا فإن الشركات متعددة القوميات، وبغض النظر عن جنسيتها تملك مصالح مشتركة في إدارة السوق العالمية. وتفرض هذه المصالح نفسها فوق صراعات السوق العادية التي تحدد أشكال المنافسة اللصيقة بالرأسمالية.

 

الفرضية الثانية: الولايات المتحدة لا تملك مزايا اقتصادية مطلقة في إطار النظام الجماعي للإمبريالية

يتردد  رأي بأن القوه العسكرية للولايات المتحدة هي مجرد قمة جبل الجليد لتفوق يتمتع به هذا البلد في جميع المجالات، خاصة في المجال الاقتصادي أو حتي المجالين السياسي والثقافي، ومن ثم يكون من المحتم الخضوع لنزعات الهيمنة التي تري أمريكا أنها تستحقها.

وفي الواقع أن المنظومة الإنتاجية الأمريكية هي أبعد جدًا من أن تكون "المنظومة الأكثر كفاءة في العالم". فعلي النقيض من ذلك تمامًا لايستطيع أي قطاع فيها أن يهزم خصومه في سوق عالمية مفتوحة بحق من النوع الذي تصوره الاقتصاديون الليبراليون. وخير دليل علي ذلك هو تزايد العجز التجاري الأمريكي من سنة لأخري، حيث زاد من 100 مليار دولار عام 1989 إلي 450 مليار دولار عام 2000.

والأهم من هذا أن ذلك العجز كان من نصيب كل قطاعات الإنتاج الأمريكي منفردة. وحتي الفائض الذي حققته الولايات المتحدة في مجال السلع التكنولوجية، والذي بلغ 35 مليار دولار عام 1990، أخذ الآن طريقه نحو العجز. ويشهد بانكشاف المزايا التي تمتعت بها يومًا الولايات المتحدة ما نراه اليوم من منافسة محتدمة بين "آريان" و "ناسا" في مجال الصواريخ الفضائية، وأيضاً المنافسة بين "إيرباص" و "بوينج". ولما كانت الولايات المتحدة مواجهة الآن بمنافسة قوية من أوربا واليابان في مجال منتجات التكنولوجيا المتقدمة، ومن الصين وكوريا وبقية البلدان الصناعية الجديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية في مجال السلع الصناعية التقليدية، ومن أوربا وجنوب أمريكا اللاتينية في مجال الزراعة، فمن المحتمل ألا تنجح الولايات المتحدة الأمريكية في الفوز بأية مباراة دون اللجوء إلي مخططات "اقتصادية غير عادية" تتجاهل مباديء الليبرالية والمنافسة.

وفي الحقيقة، تتمتع الولايات المتحدة بمزايا مقارنة مطلقة في قطاع السلاح بالذات لأنه ذلك المجال الذي لا يلتزم بالقواعد الحاكمة للسوق، فضلاً عن الدعم الذي يحصل عليه من الدولة. ومن المؤكد أن لهذه الميزة بعض الآثار الإيجابية غير المباشرة علي القطاع المدني (والإنترنت خير مثال علي هذا)، ولكنها أيضًا السبب الجذري لتشوهات تعيق الكثير من القطاعات الإنتاجية.

إن الاقتصاد الأمريكي الشمالي يعمل بشكل طفيلي علي حساب شركائه في النظام العالمي، فالولايات المتحدة تغطي 10% من استهلاكها الصناعي من خلال واردات لا تغطيها  الصادرات السلعية الأمريكية. أي أن العالم ينتج لكي تستهلك الولايات المتحدة، والتي وصلت مدخراتها القومية بالفعل إلي درجة الصفر.

وهكذا فإن "الميزة" الأمريكية قابلة للمقارنة بالقوي النهابة التي تغطي عجزها بمدخلات الآخرين، سواء تم أخذها بالرضا أم بالقوة، وتستخدم الولايات المتحدة مختلف الأساليب لتعويض صور العجز المختلفة في اقتصادها، ومن بينها: الانتهاك الأحادي المتكرر لمباديء الليبرالية، وصادرات السلاح، والسعي وراء الريع النفطي (ويتضمن فرض السيطرة الفظة علي المنتجين) والذي كان الباعث الفعلي للحروب في آسيا الوسطي والعراق.

أضف إلي هذا تغطية العجز الأمريكي من خلال التدفقات الرأسمالية من أوربا واليابان والجنوب (البلدان المنتجة للنفط والطبقات الكمبرادورية في جميع بلدان العالم الثالث بما فيها البلدان الفقيرة)، ناهيك عن أعباء خدمة الديون المفروضة تقريبًا علي جميع البلدان الطرفية في النظام العالمي.

 

الفرضية الثالثة: الهدف من السيطرة العسكرية علي الكوكب هو تعويض العجز الاقتصادي الأمريكي، وهي ظاهرة تشكل تهديداً لجميع شعوب العالم

وهي فرضية تنبثق منطقيًا من الفرضية السابقة. إذ إن القرار الاستراتيجي الذي اتخذته واشنطون بالاستفادة من تفوقها العسكري واللجوء إلي "الحروب الوقائية" التي تقررها وتخطط لها بشكل منفرد، يهدف أساسًا إلي سحق جميع الآمال التي تتكون لدي أمم كبيرة (مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل) أو لدي تحالف إقليمي في العالم الثالث، بالوصول إلي وضعية الشريك الحقيقي في صياغة النظام العالمي الرأسمالي.

 

الفرضية الرابعة: من الواجب ومن الممكن أن يتحرر الجنوب من الأوهام

الليبرالية، ويتحرك صوب أشكال مجددة من التنمية المتمركزة علي الذات

لا شك أن حكومات بلدان الجنوب في وقتنا الراهن لاتزال تتاضل فيما يبدو من أجل "نيوليبرالية حقيقية" يوافق الشركاء الشماليون بمقتضاها علي "الالتزام بقواعد اللعبة". ويجب علي بلدان الجنوب أن تدرك أن هذه الأمنية هي مجرد وهم كامل.

وعندئذ سوف تدرك بالمثل أهمية العودة إلي التصور الحتمي بأن التنمية هي بالضرورة متمركزة علي الذات. وتعني التنمية في المقام الأول تحديد الأهداف الوطنية بما يسمح بتحديث النظم الانتاجية وخلق الشروط الداخلية لاستخدام هذا التحديث من أجل تحقيق القدم الاجتماعي، ومن ثم تغيير القواعد الحاكمة للعلاقات بين البلد المعني والمراكز الرأسمالية المتقدمة. وهكذا فإن تعريف فك الارتباط (الذي صاغة سمير أمين والذي لا يعني الانكفاء علي الذات)، يبعد أميالاً عن المبدأ النقيض المسمي "التكيف الهيكلي" مع مقتضيات العولمة. والذى يعنى بالضرورة الخضوع لمتطلبات توسع الرأسمال المسيطر للشركات متعددة القوميات، وبالأحري توسيع أوجه اللاتكافؤ علي الصعيد العالمي.

 

الفرضية الخامسة: اختيار الولايات المتحدة لعسكرية العولمة يشكل تهديدًا خطيرًا لمصالح أوربا واليابان.

تنبثق هذه الفرضية من الفرضية الثانية. إذ إن هدف أمريكا (ضمن أهداف أخري) من السيطرة العسكرية علي جميع الموارد الهامة في الكوكب (وخاصة النفط) هو إعادة الشريكين الأوربي والياباني إلي وضعية التابع. حتي ليمكن القول إن حروب النفط الأمريكية هي حروب "مناهضة لأوربا". وبإمكان أوربا (واليابان) الرد علي هذه الاستراتيجية، بتحقيق التقارب مع روسيا التي تستطيع إمدادهما ببعض النفط وبعض المواد الخام الأخري.

 

الفرضية السادسة: يجب، ومن الممكن، أن تتحرر أوربا من الفيروس  الليبرالي، ولكن هذه المبادرة لا يستطيع الوفاء بها سوي الشعب وليس رأس المال المسيطر

إن القطاعات المهيمنة من رأس المال هى تلك التي لا تكف الحكومات الأوربية عن الدفاع عنها وتعتبر هذا أولوية مطلقة يجب القيام بها مهما كانت التكاليف. وبالطبع تدافع الحكومات الأوربية الحالية عن النيوليبرالية المعولمة، وهذا ما يفسر قبولها ثمن خضوعها للقيادة الأمريكية.

ولكن لدي الشعوب في أنحاء أوربا رؤية مختلفة للمشروع الأوربي، يتم التأكيد خلالها علي الأبعاد الاجتماعية، وكذا تريد الشعوب الأوربية أن تصبح علاقاتها ببقية العالم محكومة بالقانون واعتبارات العدل، وقد عبروا مؤخرًا عن هذا من خلال الأغلبية الساحقة التي أدانت المسلك الأمريكي. وإذا دانت السيادة لهذه الثقافة الإنسانية والديمقراطية "لأوربا القديمة" وهو احتمال وارد ـ فإن قيام تلاحم أصيل بين أوربا وروسيا والصين ومجمل آسيا وأفريقيا سوف يشكل الأساس الذي يمكن أن ينبني عليه عالم متعدد المراكز، وديمقراطي، وينعم بالسلم.

ومن ثم فإن التناقض الرئيسي بين أوربا والولايات المتحدة ليس هو مجرد التناقص بين مصالح رأس المال المسيطر علي الجانبين، وإنما بالدرجة الأولي هو التناقض بين النمطين المتجسدين في ثقافتيهما السياسية.

إن الصراع الوشيك يكمن في مجال الثقافات السياسية. ففي أوربا لايزال من الممكن نشوء بديل يساري، وهو ما يمكن أن يفضي في نفس الوقت إلي انقطاع عن النيوليبرالية (والتخلي عن الآمال العبثية في إخضاع الولايات المتحدة لمقتضياتها، بما يعني السماح لرأس المال الأوربي بخوض المنافسة الاقتصادية في ميدان خال من الألغام)، ومن ثم مواجهة الاستراتيجيات السياسية الأمريكية مثلاً. كما أن فوائض رؤوس الأموال التي دأبت أوربا علي "استثمارها" في الولايات المتحدة يصبح من الممكن توجيهها لتحقيق المعافاة الاقتصادية وتمويل المشروعات الاجتماعية. ولكن قيام أوربا بإعطاء الأولوية فى الاستثمار لتقدمها الاقتصادي والاجتماعي سوف يؤدي إلي تدهور الصحة المصطنعة للاقتصاد الأمريكي، وخينئذ ستجد الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مشكلاتها الاجتماعية الخاصة. ومن ثم يصبح السؤال هو: هو ستتجه أوربا يسارًا أم لا؟.

وينبغي علي الأوربيين أن يتخلصوا من وهم أن ورقة الليبرالية يمكن أن تُلعب "بأمانة" من جانب كل الأطراف وفي جميع الأوقات. إذ إن الولايات المتحدة لاتستطيع التخلي عن خيار ممارستها غير المتسقة لليبرالية، لأن هذه الانتقائية هي السبيل الوحيدة التي تمكنها من تعويض مختلف صور عجزها الاقتصادي. وهكذا فإن جهود مسيرة الآخرين هو الثمن المدفوع لتحقيق "الرفاهية" الأمريكية.

وهنا مكمن المسألة الأوربية. وفي الحقيقة أنه لايمكن تجاهل آثارها حتي لو كان مشروع الجنوب ـ الجنوب الذي نناقشه هنا ليس منتدي للنقاش المعمق لما أسميه "بالرمال المتحركة في المشروع الأوربي".

إن "الثقافات السياسية الأوربية" شديدة التنوع، حتي وإن كانت متناقضة نوعًا ما مع الثقافة السياسية الأمريكية. فهناك قوي سياسية واجتماعية وأيديولوجية أوربية تؤيد بشكل واضح رؤية "أوربا أخري" (اجتماعية وصديقة للجنوب). ولكن هناك أيضًا بريطانيا التي حسمت اختيارها التاريخي منذ عام 1945 بالتأييد غير المشروط للولايات المتحدة. وهناك قوي وسط الطبقات الحاكمة في أوربا الشرقية قد تربت علي ثقافة القنانة، فقد انحنت بالأمس أمام هتلر ثم ستالين والآن تنحني لبوش. وهناك حركات شعبوية يمينية "موالية للأمريكان" (مثل الفرانكونية في أسبانيا والموسولينية في إيطاليا) فهل سيؤدي الصراع بين هذه الثقافات إلي شق أوربا؟ وهل سينتهي الأمر بالانحياز إلي صف واشنطون؟ أم بانتصار الثقافات التقدمية والإنسانية والديموقراطية؟

 

الفرضية السابعة: إعادة بناء جبهة الجنوب تتطلب مشاركة شعوبه

إن النظم السياسية القائمة في كثير من بلدان الجنوب ليست ديمقراطية، أو علي الأقل لا ترحب بالديموقراطية أحيانا. وتعد هذه الهياكل التسلطية هي الأفضل بالنسبة للجماعات الكمبرادورية التي تتلخص مصالحها في توسع الرأسمالية الإمبريالية العالمية.

ولايمكن عن غير طريق المقرطة الشروع في إقامة البديل لهذا التوسع، ألا وهو إقامة جبهة تضم شعوب الجنوب. وستكون عملية المقرطة الضرورية تلك صعبة وطويلة الأمد، لأن هذا لا يمكن تحقيقه من خلال نظم أقيمت خصيصًا لفتح أبواب مقدرات بلدانها أمام نهب الشركات الأمريكية متعددة القوميات، وهي نظم مرشحة بقوة لتكون أكثر هشاشة وأقل مصداقية وشرعية من نظم أخري نجحت تحت حماية الغازي الأمريكي. وتشير الدلائل إلي أن هدف الولايات المتحدة ليس بالتأكيد بناء الديموقراطية عبر العالم، وذلك رغم الخطاب البراق الذي تعتمده في هذا الصدد.

 

الفرضية الثامنة: من الممكن بناء أممية جديدة للشعوب يتوحد في إطارها

الأوربيون والآسيون والأفارقة والأمريكان.

تنبثق هذه الفرضية من الفرضية الأولي. بمعني أن هناك مقومات تسمح بتحقيق تقارب أكبر وعلاقات أكثر وثوقًا، علي الأقل بين جميع شعوب "العالم القديم". ويمكن أن يكون لهذا الاتحاد تعبيره الملموس علي المستوي الدبلوماسي من خلال ترسيخ محور باريس ـ برلين ـ موسكو ـ بكين، وهو المحور الذي يمكن تقويته من خلال علاقات أقوي بينه وبين جبهة أفرو ـ آسيوية يعاد تكوينها.

ومن الجلي أن مبادرات كهذه هي التي يمكن أن تقلص الطموح الإجرامي الجامح للولايات المتحده، ومن ثم إجبار واشنطون علي قبول التعايش مع البلدان التي تقرر الدفاع عن مصالحها الخاصة.

ومن الواجب بالتأكيد في الوقت الحالي إعطاء أولوية لتحقيق هذا الهدف. إذ إن توسع المشروع الأمريكي يمثل عائقًا خطيرًا لكل النضالات، فلن يكون هناك تقدم اجتماعي أو ديموقراطي مالم يتم سحق الهيمنة الأمريكية.

 

الفرضية التاسعة: ينبغي مناقشة المسائل المتعلقة بالتنوع الثقافي كجزء من المنظورات الدولية التي عرضناها سابقًا

إن التنوع الثقافي حقيقة مؤكدة، ولكنها معقدة وملتبسة. غير أن صور التنوع الموروثة من الماضي، مهما كانت مشروعيتها، ليست مرادفة بالضرورة للتنوع في بناء المستقبل، والذي لاينبغي فقط الاعتراف به وإنما الدفاع عنه أيضًا.

إن الانغماس كلية في التنوعات الموروثة من الماضي (الإسلام السياسي، الهندوسية، الكونفوشية، الزنوجة، العرقية الشوفينية.. إلخ) يمثل في الغالب الأعم صيغة ديماجوجية للقوي الأوتوقراطية والكمبرادورية تهدف إلي تمكينها من مواجهة تحدي الحضارة الإنسانية العامة، ومن ثم التسليم لإملاءات وهيمنة رأس المال العابر للقوميات، وفوق هذا فإن التشديد المطلق علي تلك الموروثات يوقع الفرقة والتناحر في العالم الثالث، مثلما بين الإسلام السياسي والهندوسية في آسيا، أو بين المسلمين والمسيحيين وأتباع الديانات الأخري في أفريقيا. ويمكن التغلب علي هذه الانقسامات التي تغذيها الإمبريالية الأمريكية من خلال إرساء أسس جديدة لجبهة سياسية موحدة في الجنوب. ولكن ما هي تلك "القيم العالمية العامة" التي يمكن بناء المستقبل علي أساسها؟ ولا شك أن التفسير المتمحور علي الغرب لهذه القيم هو الذي يضفي شرعية علي التطور اللامتكافيء، وهو النتاج المباشر للتوسع الرأسمالي المعولم في الماضي والحاضر. وهو تفسير يجب رفضه تمامًا. ولكي ما هي الطريقة التي يمكن بها إثراء التصورات العالمية الأصلية من خلال مدخلات جميع الأطراف؟ وعلي أية حال، وحتي بالرغم من أن هذا الجدل لا يشكل جزءًا من الأهداف الفعلية للمشروع الذي نناقشه هنا، فهو أمر لا يمكن تجاهله بحال.

 

4-برنامج العمل

تتشكل فى المرحلة الأولى مجموعة عمل مختارة من حوالى خمس عشرة شخصية آسيوية وأفريقية بارزة. على أن تكون مجموعة من هذه الشخصيات على معرفة وخبرة كافيين بالعقود التى نشأـ فيها باندونج ومجموعة الـ 77 (بأبعادها السياسية والاقتصادية)، بينما تكون المجموعة الأخرى على دراية جيدة بالجدالات الخاصة بالتحديات الراهنة (وأيضاً بأبعادها الجغرافية- السياسية والاقتصادية).

وتنتخب المجموعة رئيساً، ومنسقاً رئيسياً وتتبادل فيما بينها الآراء بشأن اختيار والضم النهائى لأعضاء مجموعة العمل.

*تنظيم ورشة عمل "للعصف الذهنى" وقبلها ينبغى على كل عضو فى المجموعة تقديم رد مكتوب على الأطروحات الواردة فى هذه الفقرة.

ومن الواضح أن المقترحات الواردة هنا لا تشكل إطاراً مغلقاً سواء بالنسبة للقضايا أو الفرضيات. حيث يمكن لأعضاء مجموعة العمل أن يضيفوا عناصر أخرى.

 

 

 

  ترجمة: أ. مصطفى مجدى الجمال

 

!أتصلوا بنا ألفهرس أبحث

 

الرجا إرسال أية أسئلة أو ملاحظات إلي ألمنتدي
ftm.messages@ifrance.com

Copyright © 2003  منتدى العام الثالث
Last modified: 01/23/04